الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

مسار المنظمة الصهيونية العالمية حتى قيام الكيان الصهيوني 1948:

انتخب ديفيد ولفسون D. Wolffsohn (1856- 1914) خلفاً لهرتزل خلال المدة (1905- 1911) وهو من مواليد ليتوانيا، لكنه استقر في ألمانيا منذ 1881 حيث أصبح رجل أعمال ناجحاً، وقد سار على خط سلفه بالتركيز على دعم دولي للمشروع، لكنه لم يستطع أن يملأ الفراغ الذي تركه هرتزل. كما أن صعوبة الحصول رسمياً على الدعم المنشود قد أسهمت في بروز تيار "الصهيونية العملية"، والذي ظهرت بداياته منذ أيام هرتزل، والذي يركز أكثر على المبادرة العملية وبوسائل شتى للهجرة والاستيطان في فلسطين، وبناء الحقائق على الأرض. كما ظهر حاييم وايزمن Chaim Weizmann (1874- 1952)، بأطروحته التوفيقية بين الصهيونية السياسية والصهيونية العملية، فدمج بين الخطين، حيث أعلن أنه "يجب أن نتطلع إلى البراءة [الدعم الدولي]، لكن تطلعاتنا ستتحقق من خلال نشاطنا العملي في أرض إسرائيل". وسيراً في الاتجاه العملي فقد تم تمت الموافقة على اقتراح واربورج بتبني "سياسة التغلغل الاقتصادي"، المعتمد على العمل الصهيوني بصورة منظمة. وتأسس مكتب فلسطين في يافا سنة 1908 ليتولى توجيه العمل الاستيطاني الزراعي، وأنشئت شركة تطوير أراضي فلسطين، كما بدأ إنشاء مدينة تل أبيب.

 

ويعد المؤتمر الصهيوني العاشر سنة 1911 نقطة تحول، إذ سيطر الصهيونيون العمليون على قيادة المنظمة وأجهزتها، وانتخب أوتو واربورج Otto Warburg (1871- 1937)، وهو ألماني رئيساً للمنظمة، واستمر رسمياً في رئاستها حتى عام 1921. وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914، استفاد الصهاينة من ضعف الدولة العثمانية، وتفشي الفساد الإداري فيها، ثم من انقلاب حركة الاتحاد والترقي (الممالئة لليهود والحركة الصهيونية) على السلطان عبد الحميد سنة 1908، فهاجر إلى فلسطين خلال الفترة 1882- 1914 نحو 55 ألف يهودي[84].

 

وقد أحدثت الحرب العالمية الأولى فوضى في الجهاز الإداري الصهيوني، حيث وجدت قيادات العمل ومؤسساته نفسها متوزعة على بلدان متحاربة، وكان مكتب قيادة الحركة الصهيونية في ألمانيا، حيث عول صهاينة وسط أوروبا على انتصارها في الحرب، وأجروا مفاوضات معها، بدعوى الحصول على الدعم اليهودي و الأمريكي، مقابل ضغطها على حليفتها الدولة العثمانية، لإقامة الوطن اليهودي في فلسطين. ولم تكن اللجنة التنفيذية المكونة أساساً من روس وألمان قادرة على العمل الجماعي، حيث كانت ألمانيا وروسيا دولتان متحاربتان. كما انقطعت صلة مكتب القيادة بروسيا والدولة العثمانية وباقي العالم الغربي. وتعرض المشروع الصهيوني في فلسطين لهزة كبيرة مع ظهور دلائل متزايدة على ممالأة الصهيونية لبريطانيا وحلفائها ضد العثمانيين والألمان، ونَقَص عدد اليهود من 85 ألفاً سنة 1914 إلى 55 ألفاً سنة 1918.

 

وبينما فقدت قيادة المنظمة الصهيونية في ألمانيا فاعليتها ، برز نجم الأستاذ الجامعي الروسي الأصل الدكتور حاييم وايزمن، الذي كان يقيم في بريطانيا، وقام بدور زعيم الأمر الواقع للمنظمة الصهيونية، ونصّب مع رفاقه هناك لجنة سداسية انضم إليها اثنان من أعضاء اللجنة التنفيذية. وسعى إلى التفاوض مع بريطانيا لتبني المشروع الصهيوني مقابل دعم اليهود لها في الحرب، واستخدام نفوذهم في أمريكا لدفع الولايات المتحدة للمشاركة في الحرب إلى جانب بريطانيا. كما برز في الوقت نفسه لويس برانديس Louis Brandeis (1856- 1941)، الذي قاد صهيونيي أمريكا. ومن خلال الدورين اللذين لعبهما وايزمن وبرنديس والتنسيق بينهما، نجحت المنظمة الصهيونية في استصدار وعد بلفور من بريطانيا، 2 نوفمبر 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والذي حظي بموافقة حلفاء بريطانيا في الحرب (الولايات المتحدة التي دخلت الحرب في مارس 1917، وفرنسا وإيطاليا)[85].

وقد توافق الاحتلال البريطاني لفلسطين (1918- 1948) تقريباً مع زعامة وايزمن الفعلية للمنظمة الصهيونية (1921- 1946). وقد بدأ المشروع الصهيوني يسترد عافيته وينطلق إلى آفاق أرحب، بعد أن حصل على البراءة الدولية التي كان يحلم بها هرتزل، وبعد أن توفرت الإمكانات العملية للتنفيذ باحتلال بريطانيا - التي تبنت المشروع - لفلسطين، وبسقوط الدولة العثمانية. وقامت بريطانيا بحرمان أبناء فلسطين من حقوقهم السياسية، وبسحق ثوراتهم وانتفاضاتهم، وأدمجت وعد بلفور في صك انتدابها على فلسطين، والذي أقرته عصبة الأمم سنة 1922، ليصبح التزاماً دولياً. كما فتحت بريطانيا أبواب الهجرة والاستيطان اليهودي وبناء المؤسسات السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية الصهيونية في فلسطين، وغضت الطرف عن التشكيلات العسكرية السرية لليهود، الذين أصبحوا عملياً دولة داخل دولة، وبذلك وضعت بريطانيا الكرة في الملعب الصهيوني، وأصبح الأمر يعتمد أساساً على قدرة الحركة الصهيونية على إقناع اليهود بالهجرة والاستيطان في فلسطين.

 

ولم تفوت الحركة الصهيونية الفرصة، فقد ذهبت لجنة صهيونية برئاسة وايزمن إلى فلسطين في إبريل 1918، وشكلت جهازاً إدارياً لليهود فيها، استوعب أمور السياسة والاستيطان، والإغاثة والزراعة والتجارة والصناعة والهجرة والمالية والتعليم والعمل. وفي مؤتمر لندن في يوليو 1920، أقر تعيين وايزمن رئيساً للمنظمة، وقرر إنشاء مكتب مركزي للهجرة اليهودية، كما تقرر إنشاء الصندوق التأسيسي لفلسطين (الكيريت هايسود)، المختص بشؤون الهجرة والاستيطان والتعليم وإنشاء المؤسسات والمشاريع الاقتصادية والخدمات الاجتماعية. وفي المؤتمر الصهيوني الثاني عشر في سبتمبر 1921 تحولت زعامة وايزمن إلى زعامة رسمية، وبلغ عدد أعضاء المنظمة الصهيونية 770 ألفاً[86].

 

وكان صك الانتداب البريطاني على فلسطين قد أشار إلى إنشاء "وكالة يهودية" تمثل اليهود بشكل عام، وقامت المنظمة الصهيونية عملياً بدور الوكالة خلال 1922- 1929. لكن الحركة الصهيونية أرادت أن تلائم نفسها مع صك الانتداب، بتشكيل وكالة يهودية موسعة تمثل اليهود من صهاينة وغير صهاينة، مما يهيئ لها فرصة قبولٍ سياسي بريطاني ودولي أفضل. وقد رأت في ذلك فرصة لتوسيع دائرة نفوذها وتمثيلها لليهود في العالم بإدخال عناصر يهودية مؤثرة (غير منتمية تنظيمياً للحركة الصهيونية) في الوكالة، مما يؤدي إلى مشاركة هؤلاء في المشروع الصهيوني، فيصبحون عملياً صهيونيين وإن لم يكونوا أعضاء عاملين في المنظمة. ثم إن ذلك سيُمكّنها من امتصاص أية معارضة يهودية للحركة الصهيونية، فضلاً عن تجنيد أموال أثرياء اليهود من غير الأعضاء.

 

وبالفعل، فقد تم إنشاء الوكالة اليهودية الموسعة سنة 1929 بحيث تتم مناصفة مقاعد مجلس الوكالة (السلطة العليا للوكالة)، واللجنة الإدارية (تقابل المجلس العام في المنظمة الصهيونية)، واللجنة التنفيذية (تقابل اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية)، بين المنظمة الصهيونية وبين اليهود غير المنتمين إليها. وقد حرصت المنظمة الصهيونية على أن تكون الوكالة أداة طَيّعة بيدها، عبر مجموعة من الإجراءات والقواعد التي ضمنت ذلك، فهناك مثلاً رئيس واحد للمنظمة وللوكالة، واللجنة التنفيذية للوكالة هي عملياً بيد أعضاء اللجنة التنفيذية الصهيونية. وأصبحت الإشارة إلى المنظمة الصهيونية تعني شكلياً مجموع النشاطات الصهيونية خارج فلسطين، والإشارة إلى الوكالة اليهودية تعني شكلياً مجموع النشاطات الصهيونية داخل فلسطين. ومن خلال إنشاء هذه الوكالة تم استقطاب عناصر يهودية شهيرة غير أعضاء في المنظمة، أمثال: البريطاني هربرت صمويل، والأمريكي لويس مارشال، وألبرت أينشتاين العالم الألماني الذي يحمل الجنسية الأمريكية وغيرهم. وقد كان الكثير من هؤلاء زعماء سياسيين ورجال أعمال وعلماء وأصحاب بنوك لم تُمكّنهم ظروفهم ومواقعهم من الانخراط في الحركة الصهيونية، كما لم يكن من السهل على الحركة الصهيونية استيعابهم في أطرها دون أن تتخلى قيادتها عن العديد من مواقعها لأمثال هؤلاء. ويبدو لي أن جُلّ هؤلاء صهاينة قلباً وقالباً، لكم بقاءهم في مواقعهم كان استثماراً أفضل للمشروع الصهيوني. إذ إن جوهر الصهيونية هو دعم إنشاء الوطن اليهودي في فلسطين، وهو ما كان يفعله هؤلاء من منتمين وغير منتمين، وقد استمرت الوكالة مظلة صهيونية وأداة من أدواتها، وتزايد التداخل والانصهار بينهما حتى أصبحا مرة ثانية مع نهاية الحرب العالمية الثانية تعبيرين لشيء واحد. وفي عام 1947 لم تعد المنظمة الصهيونية بحاجتها للديكور اليهودي المتمثل بالوكالة، فأصبحا عملياً شيئاً واحداً إلى أن أعيد تشكيل الوكالة سنة 1968[87].

 

وقد زادت عملية الهجرة والاستيطان المنظمة من قوة الجماعات اليهودية المهاجرة إلى فلسطين، وأصبح لها تأثير أكبر على المنظمة الصهيونية العالمية وتحديد سياستها وتمكن التيار العمالي اليهودي بقيادة ديفيد بن جوريون David Ben- Gurion (1886- 1973) من فرض نفسه وتحقيق نفوذ واسع بين يهود فلسطين، وتكرست قوة بن جوريون ورفاقه عندما انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية في المؤتمر 18 في 1933، كما أعيد انتخابه سنة 1935 حيث أصبح قطباً مركزياً فيها، و انتخب في 1937 رئيساً للجنة التنفيذية في فلسطين[88].

 

وقد كانت فترة منتصف الثلاثينيات فترة ذهبية للهجرة اليهودية، إذ هاجر إلى فلسطين خلال الفترة 1933- 1936 ما مجموعه 187.671 يهودياً[89]، وكان أخطر ما فيها هو نوعية المهاجرين، إذ توافقت تلك الفترة مع صعود النازية في ألمانيا، وتمكن هتلر من الوصول إلى الحكم. واستفادت الحركة الصهيونية من ذلك في دفع اليهود الألمان للهجرة إلى فلسطين، وعقدت مع هتلر اتفاقية سرية لترحيل اليهود "اتفاقية هعفاراه" سنة 1933، فهاجرت أعداد كبيرة من اليهود الألمان المتميزين من رجال الأعمال والأثرياء والعلماء في شتى التخصصات مما أعطى دفعة كبيرة للمشروع الصهيوني[90]. ولولا أن الثورة الفلسطينية الكبرى 1936- 1939 عوقت هذه الهجرة لكانت النتائج أكثر كارثية.

 

وقد تعرض المشروع الصهيوني في فلسطين إلى الانتكاس، عندما اضطرت بريطانيا في مايو 1939، تحت ضغط الثورة الفلسطينية، إلى إصدار كتابها الأبيض، بالتعهد بالموافقة على إنشاء دولة فلسطينية خلال عشر سنوات، وتحديد الهجرة اليهودية في السنوات الخمس التالية لإصدار الكتاب الأبيض بـ 75 ألفاً، وبمنع الهجرة بعد ذلك إلا بموافقة فلسطينية، وبوضع قيود مشددة على انتقال الأراضي لليهود[91].

 

وعلى الرغم من أن يهود أوروبا عانوا من السياسات الهتلرية النازية ضدهم خلال الحرب العالمية الثانية 1939- 1945، إلا أن المشروع الصهيوني في فلسطين كان هو المستفيد الأول من ذلك، إذ إن المنظمة الصهيونية العالمية تابعت عملها بصورة فعالة، ووجدت في الاضطهاد النازي مبرراً ودافعاً قوياً للدعاية للمشروع اليهودي في فلسطين. وتمكنت من تضخيم صورة المعاناة اليهودية، وجعلها عقدة أساسية في الشعور واللاشعور الغربي، الذي أصبح يلتمس التكفير عن "ذنوبه" من خلال إنشاء دولة لليهود في فلسطين. وربما لقي بضعة مئات من الآلاف من اليهود حتفهم نتيجة السياسات النازية، لكن الرقم تم تضخيمه إلى ستة ملايين حتى أخذ صورة "الرقم المقدس"، الذي يتهم ويحاكم ويسجن منكره، حتى لو كان بناء على أبحاث أكاديمية موثقة، كما حدث في فرنسا[92].

 

لقد لقي أكثر من 52 مليون إنسان حتفهم في هذه الحرب (التي كان أساسها صراعاً على المصالح بين القوى الأوروبية) منهم 22 مليون روسي، فلماذا تم التركيز - ولا يزال- على اليهود وحدهم بوصفهم ضحايا الحرب؟

وظل السؤال الذي لم يجد جواباً: لماذا يدفع الفلسطينيون المسلمون فاتورة اضطهاد أوروبا لليهود؟، وعلى أي حال، فإن الحركة الصهيونية نقلت مركز ثقلها خلال الحرب العالمية الثانية من لندن إلى واشنطن (الولايات المتحدة)، التي أصبحت القوة الأقدر على رعاية المشروع الصهيوني، والتي خرجت بعد الحرب العالمية كأقوى قوة بشرية في العالم. وكان مؤتمر بلتيمور Biltmore الصهيوني في 8 مايو 1942 العلامة الفارقة لنقل مركز الثقل، وتم فيه صياغة سياسة صهيونية جديدة، ركزت على إقامة الدولة اليهودية، ورفض الكتاب الأبيض لسنة 1939، وإقامة جيش يهودي، وقد وجد البريطانيون في الضغط الأمريكي عليهم لإلغاء الكتاب الأبيض فرصة للتملص من التزاماتهم تجاه الفلسطينيين، فأعلن وزير الخارجية البريطانية بيفن Bevin في 14 نوفمبر 1945 التخلي عن الكتاب الأبيض لتفتح أبواب الهجرة مرة أخرى لليهود[93].

 

وعندما أعلنت بريطانيا عن عزمها على مغادرة فلسطين نشطت أمريكا والاتحاد السوفييتي في الضغط على الأمم المتحدة لاتخاذ قرار بتقسيم فلسطين، فكان قرار 181 في 29 نوفمبر 1947 بتقسيم فلسطين لدولتين يهودية (54% من الأرض)، وعربية (45 % من الأرض) و 1% منطقة دولية. وبذلك اتخذ إنشاء الكيان اليهودي الصهيوني "شرعية دولية"، وبناء عليه أعلن اليهود دولتهم "إسرائيل"، في مساء 14 مايو 1948، والتي توسعت بما شنته من عدوان، وبما لقيته من دعم أمريكي روسي غربي لتشمل 77 % من أرض فلسطين، ولتشرد 800 ألف فلسطيني من وطنهم. وتمكن الكيان الصهيوني من دخول عضوية الأمم المتحدة التي اشترطت عليه للموافقة على العضوية السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما تجاهله هذا الكيان طوال المدة الماضية.

 

وقد ظل وايزمن رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية حتى سنة 1931، ثم تولى الرئاسة ناحوم سوكولوف 1931 - 1935، ثم عاد وايزمن للرئاسة حتى سنة 1946. وكان المؤتمر الصهيوني الـ22 الذي انعقد في 9 ديسمبر 1946، هو آخر مؤتمر صهيوني قبل إنشاء الكيان اليهودي، وبلغ عدد أعضاء المنظمة الممثلين في المؤتمر مليونين و159 ألفاً، مما يشير إلى درجة النفوذ الواسع التي تمتعت به المنظمة، ومع ذلك فإن المنظمة فشلت في انتخاب رئيس لها بسبب الخلافات الداخلية وخصوصاً بين بن جوريون ووايزمن، وقام المجلس الصهيوني العام بتعيين لجنة تنفيذية ائتلافية برئاسة بن جوريون الذي تزايدت هيمنته الفعلية على المنظمة. وخلال هذه الفترة 1946 - 1956 مثل بن جوريون زعامة الأمر الواقع للمنظمة دون أن ينتخب رئيساً رسمياً لها. وأصبحت اللجنة التنفيذية التي يرأسها بن جوريون، أشبه بالحكومة اليهودية المؤقتة. وقام بن جوريون بنفسه بإعلان إنشاء الدولة اليهودية وأصبح أول رئيس لوزرائها، واستدعى وايزمن ليكون أول رئيس للكيان الصهيوني (وهي رئاسة فخرية غير ذات صلاحيات حقيقية)[94].

 

مسار المنظمة الصهيونية العالمية 1948- 2000:

حققت المنظمة الصهيونية هدفها بإنشاء كيان لليهود في فلسطين وبرز بذلك سؤال واضح عن مبرر وجود هذه المنظمة، وما هو موقعها بالنسبة إلى الكيان الصهيوني؟ وما هي الأدوار التي يمكن أن تلعبها؟!

 

كان بن جوريون وتيار صهيونيي الداخل أو "إسرائيل" يَعدُّون المنظمة الصهيونية مجرد "السقالة" (التي تستخدم في البناء) والتي لم يعد لها لزوم بعد إكمال بناء الدولة. وكان يرى أن الصهيونية الحقة هي التي تعني الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. وركّز هذا التيار على مركزية "إسرائيل" في الحياة اليهودية، واستقلالها عن هيمنة المنظمة الصهيونية. أما تيار صهيونيي الخارج، وخصوصاً في الولايات المتحدة فكان يرفض فكرة الانتماء للصهيونية ويعني ويستلزم الهجرة إلى فلسطين، رغم إيمانه بأهمية ذلك، وكان يؤكد أن المنظمة الصهيونية هي التي صنعت "إسرائيل"، وهي قادرة بحكم وجودها في الخارج على القيام بمهمات صهيونية لازمة لا تستطيعها الدولة، بسبب الاعتبارات السياسية والدبلوماسية والدولية الخاصة بأي دولة. وبالتالي، فلا بد للمنظمة الصهيونية من المشاركة في صنع القرار السياسي الداخلي والخارجي للدولة، وبالذات في مجال تمثيل يهود الشتات، والتحدث باسم "إسرائيل" سياسياً، كما أنه لا بد من تحقيق المساواة بين "إسرائيل" والمنظمة الصهيونية العالمية، التي يجب أن تمنح وضعاً خاصاً يضمن لها التأثير في عمليات التخطيط والتنفيذ الصهيونية والإسرائيلية[95].

 

ولم تنكسر حدة التوتر بين الطرفين إلا سنة 1968 عندما حُسمت المعركة لصالح تيار صهيونيي الداخل، واستقال ناحوم جولدمان من رئاسة المنظمة. ولكن حالة التوتر و الجدل لم تكن تعني شلل العمل ، وإنما أمكن التوصل دائماً إلى حلول توفيقية، وظل الجميع ناشطين في دعم المشروع الصهيوني. وبشكل عام فقد استفاد بن جوريون وتياره من إمكانات الدولة ومؤسساتها ومن التعاطف العالمي مع اليهود، ليفرض ما يريد، وفي سنة 1954 تمكن هذا التيار من تثبيت هيمنته الفعلية وظل تيار صهيونيي الخارج يتراجع تدريجياً إلى أن أصبحت المنظمة الصهيونية سنة 1968 أداة في يد "إسرائيل". وقد عقدت المنظمة الصهيونية العالمية مؤتمرها الـ23 لأول مرة في القدس عام 1951، وأقر برنامج "القدس"، الذي أعاد تحديد مهام المنظمة الصهيونية العالمية والتي تمثلت في "توطيد دعائم إسرائيل"، وتجميع "المنفيين" اليهود في "أرض إسرائيل"، وتنمية وحدة الشعب اليهودي. ووافق المؤتمر على تحقيق أعلى درجات التنسيق بين المنظمة و"إسرائيل"، وإعطاء المنظمة وضعاً قانونياً خاصاً في الدولة العبرية بحيث تتابع أعمال الاستيطان واستيعاب يهود "الشتات" وتطوير البلاد[96].

 

وقد انتخب جولدمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية سنة 1956 وظل في منصبه حتى 1968، وعلى الرغم من اختلافه مع تيار الداخل، إلا أنه قدم مع صهيونيي الخارج خدمات كبرى للكيان الصهيوني. وسعى ورفاقه لعدم ذوبان يهود "المنفى" في مجتمعاتهم، وأن يشكلوا مراكز قوى تخدم المشروع الصهيوني والدولة اليهودية. ويُعدُّ ازدهار يهود المنفى أمراً مهماً ليشكلوا الدرع الواقي "لإسرائيل" والمعين المغذي لها من الخارج ضمن هدف شامل هو تأمين بقاء الشعب اليهودي.

وبعد المؤتمر الصهيوني الـ27، الذي عقد في القدس في 9 - 19يونيو 1968، تكرست المنظمة الصهيونية بوصفها تابعاً وأداة للكيان الصهيوني، وخفت حدة نقدها وشكواها ورضيت بدورها خصوصاً بعد نجاح "إسرائيل" في حرب 1967 واحتلالها لما تبقى من أرض فلسطين (الضفة والقطاع)، فضلاً عن الجولان السورية وسيناء المصرية[97].

 

وباستقالة جولدمان من رئاسة المنظمة في ذلك المؤتمر لم يتم انتخاب رئيس للمنظمة بعد ذلك وحتى آخر مؤتمر عقدته في ديسمبر 1997، واكتفي باختيار رئيس للجنة التنفيذية حيث تولى هذا المنصب لويس بنكوس حتى وفاته سنة 1973، وخلفه آرييل دولستين رئيساً بالوكالة إلى أن انتخب بنحاس سابير في 1974 وحتى وفاته 1975، ثم عاد دولتسين رئيساً بالوكالة حتى انتخاب يوسف الموجي في 1976، وعاد دولستين للمرة الثالثة رئيساً بالوكالة سنة 1977، وتم تثبيته رئيساً رسمياً في المؤتمر الصهيوني 1978. واستمر في الرئاسة حتى سنة 1987. ثم تولى المنصب سيمحا دينتس 1987 - 1994، ثم خلفه أبراهام بورغ 1994 - 1997[98]، ثم تولى رئاسة اللجنة التنفيذية بعده سالاي مريدور منذ ديسمبر 1997.

 

ومنذ سنة 1968 سلبت "إسرائيل" المنظمة الصهيونية من أهم اختصاصاتها وهو "استيعاب المهاجرين"، عندما استحدثت وزارة الاستيعاب. كما تقرر في المؤتمر الـ27 إعادة فصل الوكالة اليهودية عن المنظمة الصهيونية العالمية، وبدأ ذلك فعلياً منذ يونيو 1971. غير أن الفصل ظل شكلياً لأنه تركز أكثر على توزيع الاختصاصات، بينما ظل رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة هو نفسه رئيس الوكالة، وتولت الوكالة اليهودية التركيز على شؤون جمع التبرعات والهجرة والاستيطان والتنظيم، أما المنظمة الصهيونية فتولت شئون التمثيل والتربية والإعلام الصهيوني والثقافة[99].

 

ويمثل يهود الكيان الصهيوني ويهود أمريكا نحو ثلثي مندوبي المؤتمر الصهيوني (38% ليهود الكيان الصهيوني، و 29% ليهود أمريكا) والباقي ليهود العالم، ويمثل يهود الكيان الصهيوني حسب نسبة تمثيل أحزابهم في الكنيست الإسرائيلي، أما باقي البلاد فتختار مندوبيها وفق الشكل الذي يناسبها شريطة عدم التعارض مع أساليب الديمقراطية. وقد انخفضت نسبة عضوية اليهود في المنظمة الصهيونية العالمية بعد إنشاء الكيان الصهيوني، لتشكل ما معدله 10% من يهود العالم[100]، وهي على أية حال نسبة لا يستهان بها، قياساً بأي تجمع ذي طبيعة دينية أو قومية بالنسبة إلى المحيط الذي ينتمي إليه. وتبقى هي نسبة عالية لتجمع سلبته "إسرائيل" معظم صلاحياته ومبررات وجوده.

 

الفكر الصهيوني (الأيديولوجية الصهيونية)

يختلف الباحثون العرب والمسلمون في النظر إلى حقيقة الصهيونية، فبعضٌ ينظر إليها بوصفها إفرازاً من إفرازات الاستعمار الغربي وأداة من أدواته، وبعضٌ يراها مشروعاً اقتصادياً غربياً، والبعض يرى فيها وسيلة يهودية - أوروبية لحل المشكلة اليهودية في العالم الغربي، والبعض يراها تعبيراً عن الأماني الدينية أو القومية أو الثقافية اليهودية، ويرى كثير من أبناء التيار الإسلامي أن الصهيونية ببساطة هي اليهودية نفسها بما تحمله من جذور عداء وصراع مع الإسلام.

 

وابتداء نرى أن الأفكار السابقة لا تخلو من بعض الحقيقة، أو كثيرها. ولكننا نحاول البدء بالإجابة عن السؤال التالي: هل فعلاً أن الصهيونية هي الديانة اليهودية نفسها ؟ والصحيح - كما يظهر لنا - أن الصهيونية ليست هي الديانة اليهودية نفسها ، لأن الصهيونية:

أولاً: حركة قائمة على الجهد البشري الذي يمكن أن يفهم الدين اليهودي أو يتعامل معه، وفق أشكال ودرجات متفاوتة، فكما أننا لا نستطيع القول أن الإخوان المسلمين أو السلفيين هم أنفسهم دين الإسلام، وكما لا نستطيع أن نقول أن حزب الكتائب المسيحي اللبناني أو الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني هما المسيحية ذاتها، فكذلك لا نستطيع أن نقول أن الصهيونية هي اليهودية.

 

ثانياً: ليس كل من يعمل لمصلحة اليهود هو يهودي متدين ملتزم بتعاليم دينه بالضرورة، لأن هناك من يخدم أبناء دينه بدوافع الانتماء القومي أو الحضاري..، وقد يكون علمانياً فاسداً في المعايير الدينية لملته. ولتوضيح الأمر أكثر مع إدراكنا للفارق، فإن حزب رابطة عموم مسلمي الهند الذي قاده محمد علي جناح للانفصال عن الهند وإقامة دولة باكستان الإسلامية ونجح في ذلك سنة 1947، كان عدد لا يستهان به من أعضائه علمانيين أو غير متدينين. وربما كان لديهم عاطفة صادقة تجاه المسلمين بأن يقيموا دولتهم ويديروا أمورهم بأنفسهم، ولكنهم لم يكونوا معنيين كثيراً بتطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، فأنشأوا نظاماً علمانياً، وهو ما سبب المعارضة الإسلامية في باكستان، بزعامة أبو الأعلى المودودي حتى سجن، وكاد يصل الأمر إلى إعدامه. وكذلك الأمر بالنسبة للحركة الصهيونية التي انتهت إليها معظم الأطياف الدينية والعلمانية واليسارية والثقافية اليهودية.

ثالثاً: ليست الصهيونية مقصورة على اليهود وحدهم إذ إن هناك تيارات كبيرة وقيادات مؤثرة في الأوساط المسيحية، وخصوصاً البروتستانت، تؤمن بالصهيونية وتسعى لخدمتها وإنجاح مشروعها، ولعل ذلك يفسر جزءاً من الدعم البريطاني والأمريكي للمشروع الصهيوني، حيث الأغلبية البروتستانتية في البلدين.

رابعاً: لأن بعض اليهود الذين لا يؤمنون بالصهيونية، وهم وإن كانوا قلة قليلة إلا أنهم موجودون، من أمثال جماعة "ناتوري كارتا" التي ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، لأنهم يرون انتظار المسيح الخاص باليهود "الماشيح"، أو "المسيا"، ويؤمنون أن عودة اليهود مرتبطة بالإرادة الربانية، ولا يجوز فرضها أو التعجيل بها.

 

ويخشى بعض أبناء التيار الإسلامي أن مثل هذا الفصل بين اليهودية والصهيونية سيُميِّع التأصيل العقائدي للمعركة مع اليهود الذي احتلوا فلسطين، وليس الأمر كذلك.

فأولاً: إن المعركة حسب المفهوم الإسلامي يجب أن تكون عقدية مستندة إلى الإيمان والجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن طبيعة الغاصب أو خلفياته القومية والعقدية، فاحتلال أي أرض للمسلمين من أي عدو كان يستوجب الجهاد، ولو احتل فلسطين أناس ينتمون لأديان أخرى (كما حدث مع الصليبيين) فالجهاد واجب، والمعركة العقدية قائمة، حتى لو كانوا بوذيين أو هندوس أو مجوس أو غيرهم. كما أن الجهاد واجب لو احتلها أناس ينتمون لقوميات ودول غير مسلمة سواء كانوا بريطانيين أو فرنسيين أو صينيين أو أمريكان أو حتى من الإكوادور.

 

وثانياً: لأننا عندما نقاتل اليهود المحتلين فإننا لا نقاتلهم، من الناحية الشرعية، فقط لكونهم يهوداً، وإنما لأنهم اغتصبوا أرضنا، وانتهكوا حرماتنا، وشردوا أهلنا، فوجب قتالهم لما ارتكبوه من ظلم وإجرام، ولأنهم اختاروا أن يكونوا محاربين. أما اليهود، بوصفهم أتباعاً للديانة اليهودية، فلهم أحكامهم المتعلقة بأهل الذمة في الإسلام. وما داموا مسالمين خاضعين ، فلهم الأمان وحماية دولة الإسلام. وهذا لا ينفي عقيدة الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله المطلوبة من كل مسلم، وهذا ما جرت عليه الحضارة الإسلامية طوال 1400 سنة، والتي أعطتهم الحرية الدينية، ووفرت لهم المأوى والأمان، عندما كانت أوروبا المسيحية تضطهدهم وتذبحهم. أما ما ذكر في القرآن حول بني إسرائيل واليهود وصفاتهم وعداوتهم للذين آمنوا، فهو ما يستوجب المزيد من الحذر والحيطة من احتمال تآمرهم، ومن باب كشف عقائدهم المنحرفة، وإقامة الحجة عليهم. وأما ما ذكره القرآن والسنة من إشارات على علوهم في الأرض وإفسادهم، وحرب المسلمين لهم، فإنها مُبشّرات ومبيّنات تزيد المؤمنين يقيناً بعدما رأوا هذه الأيام صدق ما ذكره القرآن والسنة، كما تزيدهم إيماناً بتحقيق باقي المبشرات بإنجاز النصر عليهم، بعد أن يبذل المسلمون الأسباب ويرتقوا للمستوى الذي يؤهلهم لذلك.

 

ومع ذلك فإن هذا الصراع سيبقى ذا طعم وطبيعة مختلفة عن غيره، أولاً: بسبب طبيعة العدو وما يحمله من إرث تاريخي مليء بالعداء والخصومة، وثانياً: بسبب طبيعة الأرض التي هي أرض مقدسة مباركة في نظر المسلمين، مما يجعل لها مكانة خاصة، تجعلهم دائماً مدفوعين لتحريرها وإنقاذ أقصاها وقدسها من الغاصبين. وهما في الحالتين محفزات تزيد المسلمين إصراراً على حقهم، وتضحية في سبيل مقدساتهم، وهو صراع لن ينتهي ما دام هناك قرآن يتلى، يكشف طبيعة العدو الغاصب، ويزيدنا ارتباطاً بالأرض المقدسة.

 

إن القضية في جوهرها هي أن اليهود اغتصبوا أرض فلسطين، وبالتالي يجب محاربتهم وإعادة الحق إلى أصحابه، ومن المفيد أن نعرف خلفياتهم ومنطلقاتهم وخلافاتهم، وارتباطهم بالعالم الغربي والمشاريع الاستعمارية، لكن هذا لن يُغيِّر من جوهر المسألة. غير أنه مهمٌ للغاية في تحديد الوسائل المكافئة للصراع، ومعرفة عقلية الخصوم وعناصر القوة والضعف لديهم، وتجاوز الأوهام والتعميمات، ووضع الخطط المناسبة لإدارة المعركة. كما يفيد في تصنيف درجات الضلوع والمساندة والتأييد في جبهة الخصوم وحلفائهم (عقدية، اقتصادية، سياسية واستراتيجية).

وبغض النظر عن الخلفيات الأيديولوجية للمدارس المنتمية للحركة الصهيونية، فإن جوهر الفكرة نفسها يستند إلى ادعاءات دينية، فالفكرة الصهيونية تستند على أساس أن:

 

1. اليهود جنس مستقل، وأمة مستقلة من دون الأمم، وهي فكرة ذات جوهر ديني، وليس جوهراً قومياً. فما الذي يجمع اليهودي الخزري الروسي باليهودي اليمني باليهودي الإيراني واليهودي الفلاشا .. وغيرهم، سوى رابطة الانتماء للدين بغض النظر عن درجة الالتزام بالدين نفسه.

2. حق اليهود في فلسطين، وهي فكرة ذات جوهر ديني أيضاً، وقد يختلف اليهود إن كان هذا الحق بناء على وعد رباني، أو حقاً تاريخياً، أو حقاً قومياً، أو ثقافياً أو روحياً. لكن هذه الفكرة انغرست في "الوجدان" اليهودي، وإن وجدت تعبيرها في أشكال مختلفة. وإن اليهودي المتدين والعلماني والشيوعي والقومي، وكذلك اليهودي الأبيض والأسود، كما اليهودي العالم والجاهل والباحث الأكاديمي مستعد لأن يلغي من إدراكه حقيقة وجود شعب آخر متجذر في هذه الأرض منذ (4500) عام، وأن يتجاوز ألفي سنة من الانقطاع اليهودي عن هذه الأرض ليؤكد هذه المقولة.

ويعلم اليهود أن المناقشة العلمية الهادئة وحقائق التاريخ تهدم مقولاتهم القومية التاريخية، لكن الأمر لا يهمهم بقدر ما يهمهم إيمانهم هم "بحقهم" هذا. ولذلك لا يبقى سوى الرجوع إلى الأساس الديني الغيبي الذي انغرس في عقليتهم حتى وإن عبروا عنه بتعبيرات أخرى، ويحتمل أنهم استخدموا تعبيرات علمانية وقومية لثلاثة أسباب:

 

1. لاختلاط وتماثل ما هو ديني وقومي لديهم، لأن قومية اليهودي هي دينه، أي أن الانتماء القومي هو انتماء ديني أساساً.

2. لأنه يغلب على اليهود عدم التدين وعدم الالتزام، والانحلال من التعاليم.

3. لأنهم أرادوا أن يقدموا مشروعهم اليهودي في فلسطين في ضوء المصالح الغربية الاستعمارية، والتي كانت تستند في ذلك الوقت إلى أيديولوجيات علمانية وقومية، وذلك حتى يضمنوا الدعم والمساعدة من العالم الغربي، بتحقيق درجة من التماثل الفكري والحضاري معه.

أما كيف يكون هناك أناس مخلصون لليهود عاملون ليل نهار لخدمة قومهم، وغير متدينين في الوقت نفسه. فقد كثر في هذا الزمان من يخدم قومه بدوافع وطنية أو قومية. ثم إن هذا يجب أن يفهم بالرجوع إلى مفاهيم التدين والكفر والإيمان لدى اليهود، وهي تختلف في جوهرها عن الطريقة التي يعيش بها المسلمون حالات التدين لديهم. فإذا كان الأساس الذي قام عليه الإسلام هو التوحيد "الشهادتين" بهما يدخل المسلم في هذا الدين، وبإنكارهما يخرج. فإن الأساس الذي يفصل بين إيمان اليهودي وكفره ليس مرتبطاً بالإيمان بربه أو التوراة، وإنما بالولاء لليهود وعدم خيانتهم. وقد يفعلون المنكرات والموبقات، ويستهزئون بربهم وشرائعهم، ولكنهم يبقون في حكم شريعتهم يهوداً ما داموا على الانتماء والولاء للجماعة اليهودية. ولا عجب في هذا من قوم قتلوا أنبياءهم، وافتروا على الله سبحانه وتعالى وحرفوا شرائعهم، وسعوا في الأرض فساداً، وتولى أحبارهم بأنفسهم الريادة في ذلك. وانظر كيف تآمر مجلسهم الديني الأعلى على المسيح عليه السلام لقتله، كما تآمر أحبارهم على محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة على الرغم من تأكدهم من نُبوته. إن الموازين هنا مختلفة، فالكذب جائز على غير اليهودي وكذلك سرقة ماله بل وقتله إن أمكن، وفي التلمود أمثلة عديدة على ذلك.

 

أما لماذا الولاء والانتماء هو الأساس؟ فلأن طبيعة نظرة اليهودي إلى نفسه وجماعته مختلفة تماماً عن نظرته للآخرين. فاليهود يؤمنون أن روح الله "تعالى الله عما يقولون" حلَّت في شعبه اليهودي (عقيدة الحلول)، وبالتالي فهم يؤمنون أنهم شعب مقدَّس مختلف، أو كما هو معروف من قولهم أنهم" شعب الله المختار"، أو أنهم ﴿أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾[101]. واليهودية في أساسها دين منغلق على أصحابها لا تسعى للتوسع والانتشار، ويعتقدون أن ربهم "يهوه" هو إلههم الخاص بهم وليس لباقي الأمم. وأن الله خلق الأمم الأخرى "الجوييم" أو "الأغيار" على شكل بشر حتى يأنس بهم اليهود، مع حقهم بأن يفعلوا بهم ما يريدون، ومن هنا جاء التطابق بين العقيدة والقومية لدى اليهود، وأن الهوية اليهودية ترتكز على النسب أكثر منه على الاعتقاد الديني، وأنها دين جماعية عرقية معينة. ولا فرق عند اليهودي بين دينه وقوميته، ولا معنى لأحدهما دون الآخر، فالديانة اليهودية قومية، كما أن القومية اليهودية دين، ولا زال التيار العام لليهود والمعتمد رسمياً في الكيان الصهيوني هو الذي يُعرف اليهودي بأنه المولود من أم يهودية[102].

ثم إن نظرة اليهود إلى مسألة القداسة فيما يتعلق بالله والأنبياء تختلف عن الكيفية التي ينظر بها غيرهم. فإذا كان اليهود شعباً "مقدساً" مختاراً، فإن الله - تعالى عما يقولون - يفقد الكثير من قداسته، فالله في نظرهم يُخطئ ويبكي ويندم ويتعلم التلمود ويلعب مع الحوت، ويحلف الأيمان ويحنث ويتحلل منها، ويناقش الحاخامات في المسائل ويغلبونه[103].

 

كما أن الأنبياء يفقدون الكثير من مكانتهم واحترامهم، فهم غير منـزهين، ويرتكبون الموبقات فينسب اليهود إلى يعقوب عليه السلام السرقة والرشوة والخداع والسكوت عن زنا ابنتيه وأولاده، بل والشرك بربه. وينسبون إلى داود عليه السلام الزنا بزوجة أحد جنوده ثم التسبب بقتل هذا الجندي. كما ينسبون إلى سليمان عليه السلام أن نساءه أوقعنه في الوثنية، وأنه أشرك بربه بتقربه إلى عشتروت إلهة الصيدونيين[104].

 

وهكذا، فعندما يفقد الرب وأنبياؤه قداستهم بينما يبقى الشعب مقدساً، فماذا نتوقع؟، ما هي القدوة والنموذج الذي سيحتذي به هذا الشعب؟ وما هي المعايير الأخلاقية التي ستحكمه؟ إن موازيين التّدين ودرجاته ستكون ذات اعتبارات ودلالات مختلفة. وصحيحٌ أنه سيكون هناك يهود سيركزون على الجانب القومي، وآخرون على الجانب الثقافي...، غير أن إطار الولاء والانتماء للجماعة اليهودية سيبقى المحك الفاصل لديهم.

إن أول حاخام أكبر لليهود في فلسطين "ابراهام اسحق كوك"Abraham Kook، (1868- 1935) الذي عُدَّ أكبر قوة موجهة في الحياة العامة لليهود في عصره، كان يؤمن أن الحركة القومية [أو الصهيونية بتعبير آخر] على الرغم من اتجاهاتها العلمانية البادية على أتباعها، فإنها في التحليل النهائي والأخير ليست إلا حركة دينية في جوهرها وحقيقتها، وأنها تصدر أصلاً عن نزعة دينية "هي الصفة الراسخة لليهود التي اختصوا بها من بين الأمم الأخرى". ويرى أن هذه الحركة القومية هي "حركة روحية خالصة على الرغم من نزعتها العلمانية وميول قادتها التي لا تعكس ظاهرياً روحاً متدينة". ويرى أن السلوك اللاديني البادي للعيان ليس كفراً أو جحوداً وزيغاً عن الدين، بقدر ما هو عدم اكتراث نتيجة قصور في الفهم، أو عجز في الإدراك. وقد أظهر كوك قدراً كبيراً من التفهم والتسامح وحسن المعاشرة معهم لاعتقاده أن " الأرض المقدسة من حيث كونها مظهراً لكل الكمالات الإلهية السامية، سوف تلعب دورها الروحي في تصحيح سلوك هؤلاء المقصرين ظاهرياً"[105]. وقد تمتع كوك بنفوذ واسع في صفوف اليهود الأرثوذكس، وبذل جهداً استثنائياً لإقناعهم بالانضمام للصهيونية[106].

 

إن الفكرة المركزية في الأيديولوجية الصهيونية هي الامتزاج والتداخل الكامل بين القداسة والقومية، وهي تعبر عن نفسها في الإنسان والمكان والزمان، وأهم عناصرها الإنسان أي الإنسان المقدس أو الشعب اليهودي المقدس. وستجد أن رؤية اليهود بوصفهم شعباً مقدساً تتكرر في مقولات هرتزل "الليبرالي"، وبن جوريون العمالي الاشتراكي، وبورخوف الشيوعي، وإن كانت تتخفى دائماً تحت "ديباجات" مراوغة[107].

وكان الحاخام الأكبر كوك يقول: "إن الله قد حلّ في الأمة، وبذا أصبحت إسرائيل مشبعة بروح الله، بروح الاسم المقدس"، ويقول:" إن كل ممتلكات إسرائيل القومية العزيزة على قلوب اليهود - الأرض واللغة والتاريخ والعادات - إن هي إلا أوعية لروح الرب"، وإن "روح إسرائيل وروح الله هما شيء واحد"[108]. أما الحاخام شختر فكان يقول:" عندما وجدت إسرائيل نفسها وجدت إلهها"[109]. وفي رأي الحاخام أيوجين بورويتس فإن ثمة تمازجاً كاملاً بين الله والشعب، ولذلك فحرب 1967 لم تكن مسألة عسكرية بل مسألة لاهوتية، وإن ما كان مهدداً في هذه الحرب، لم يكن دولة إسرائيل أو حتى الشعب اليهودي" وإنما الله نفسه"!!![110].

 

وكان الحاخام لاناو يشير إلى أن البرنامج الصهيوني يدور حول فكرة واحدة" وكل القيم الأخرى إن هي إلا أداة في يد هذا المطلق"، ثم حدد هذا المطلق بأنه الأمة (الشعب اليهودي)[111].

ولا يختلف هذا الطرح عما ذكره التلمود من أن أرواح اليهود تتميز عن باقي الأرواح بأنها "جزء من الله كما أن الابن جزء من والده"[112]. ولذلك فحسب التلمود فإنه إذا ضرب شخصٌ غير يهوديٍ يهودياً فكأنه" ضرب العزة الإلهية"، والفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق بين اليهود وباقي الشعوب[113].

 

ويذكر المسيري أن ما يسمى "لاهوت البقاء" أو "لا هوت ما بعد أوشويتس" هو الذي يسيطر الآن على التفكير الديني اليهودي. وهو لاهوت ينطلق من القول أن الله قد هجر اليهود أو حتى خانهم "فهو إله شرير"، أو أنه غير موجود أساساً "لاهوت موت الله"، ومع هذا فالشعب اليهودي شعب مقدس (حتى لو مات الله أو خان) - تعالى الله عما يقولون - وأن قداسته لا تنبع من أي مصدر خارج نفسه، وبالتالي واجب الشعب الأساسي هو "البقاء"، وليس إعلان كلمة الحق أو نشر المحبة.... [114].

 

وبالتالي هل يمكن أن ننظر إلى ملحدي وعلماني اليهود بالدرجة نفسها التي ننظر بها إلى ملحدي وعلمانيي المسلمين مثلاً. وبعبارة أخرى: إن حالة المسخ والتشويه الذي تعرضت له العقيدة اليهودية أفرزت بالضرورة أمثال تلك الاختلالات في أتباعها، فإن تنكر أحدهم لربه أو تعاليم دينه فإنه لا يفعل شيئاً كبيراً (كما ينظر المسلمون للمسألة)، ما دام هذا اليهودي على ولائه وانتمائه لهذا "الشعب المقدس"، وهو بذلك يقوم بمهمة "دينية" - وإن لم يكن متديناً - لأن الشعب أصبح مصدر القداسة، وأصبح الدين اليهودي هو التعبير الديني عن روح الأمة اليهودية، وليس العكس.

 

والحركة الصهيونية قدمت نفسها امتداداً لليهودية وليس نقيضاً لها، واستخدم الصهاينة وحتى الملاحدة منهم مقولات دينية [115]، وتعاملوا مع دينهم اليهودي بروح أكثر إيجابية وانفتاحاً من تلك التي أظهرها من ألحد من المسلمين والنصارى. وكان ماكس نوردو Max Nordau القيادي الصهيوني الكبير (والذي كان مقرباً إلى هرتزل، وعمل رئيساً أو نائباً لرئيس عدد من المؤتمرات الصهيونية) يُعدُّ ملحداً، ولكنه عدّ الدين "مصدراً لطاقة بناء كاملة". وكان جابوتنسكي V. Jabotinsky يعد ملحداً أيضاً - وهو مؤسس الصهيونية التنقيحية والأب الروحي لبيغن وتجمع الليكود - وقد تحدث عن نفسه بوصفه بنَّاءً يسهم في بناء معبد جديد لربه الذي أسماه "الشعب اليهودي". أما نحمين سيركين القيادي الصهيوني الاشتراكي فأشار إلى اليهودي المقدس بوصفه نبياً وشهيداً بل ومسيحاً مصلوباً!! وتحدث الملحد موشيه ليلينبلوم قائلاً إن "الأمة كلها أعز علينا من كل التقسيمات المتصلبة . . . فلا مؤمنون ولا كفار، لأننا كلنا مقدسون سواء كنا غير مؤمنين أو أرثوذكسيين"[116].

 

 وهكذا فإن هذا المفكر الصهيوني رغم إلحاده إلا أنه لا يزال يعدّ نفسه مقدساً!! وقد حاول المفكر الصهيوني كلاتزكين توضيح الأمر فقال إن اليهودية "تعتمد على الشكل لا على المضمون"، وهذا الشكل الأساسي - كما يقول- هو تخليص الشعب اليهودي للأرض، أما المضامين الروحية والفكرية فهي تختلف بشكل راديكالي وهذا لا يهم لأن "مضمون الحياة نفسه سيصبح قومياً عندما تصبح أشكالها قومية"[117]. ولا يهتم بن جوريون - المؤسس الفعلي للكيان الصهيوني وأول رئيس وزراء - إن كان مَنْحُ اللهِ أرضَ كنعان لليهود حقيقة إلهية أم لا، بل المهم عنده أن هذه الأسطورة مغروسة في وجدان الشعب اليهودي، ويحب أن تبقى سارية المفعول، حتى ولو ثبت غير ذلك"[118]. أي أن مصدر الشرعية عنده ليس بالضرورة الوحي الإلهي وإنما الشعب " الذي حلت فيه الروح الإلهية"، ويكفي أن يقتنع الشعب بذلك ليصبح هذا أمراً مشروعاً وحقاً لا نزاع فيه.

إن الحديث بعد ذلك عن وجودية هرتزل وعلمانيته الصارمة، التي وصلت حد الإلحاد حتى أنه تعمد إنتهاك الشعائر اليهودية عندما زار القدس ، أو عن استهزاء ماكس نوردو بالتوراة وقوله إنها "طفولية بوصفها فلسفة، ومقزرة بوصفها "نظاماً أخلاقياً"، أو عن تلذذ حاييم وايزمن أحياناً بمضايقة الحاخامات بشأن الطعام المباح شرعاً ...[119] إن الحديث عن ذلك كله وغيره ينبغي أن يوضع في إطاره المحدود، فهؤلاء لم يفعلوا شيئاً كبيراً قياساً إلى ما نسبوا فعله إلى ربهم وأنبيائهم، ولأن هؤلاء في نهاية الأمر وفي خلاصة التحليل خدموا التطلعات اليهودية الدينية في فلسطين، وسعوا إلى إنقاذ بني دينهم (قومهم) والارتقاء بهم وبناء دولة لهم. كما اتسعت حركتهم الصهيونية للتيارات الصهيونية الدينية وغيرها، كما اتسعت دولتهم الصهيونية بعد ذلك لهذه التيارات لتعبر عن نفسها، بحرية وتشارك في القيادة السياسية، وتفرض شروطها حسب ما يتيح لها وزنها في النظام الانتخابي الديمقراطي الحر. وبالتالي فإن شيوعية أو علمانية هؤلاء لم تكن "إقصائية" أو "استئصالية"، وإنما متعايشة بل ومتكاملة مع غيرها. وظلت خدمة "الشعب المقدس" هي الرابطة التي تجمعهم، ولذلك لم تخل الوزارة الإسرائيلية منذ إنشاء الكيان الصهيوني 1948 وحتى الآن من وزراء يمثلون الأحزاب الدينية، ويمسكون بوزارات حساسة كالداخلية والتعليم.

 

ومن جهة أخرى، فإن رؤية الأيديولوجية الصهيونية للأرض هي نموذج للتماثل مع اليهودية، وعلى الرغم من أن الحركة الصهيونية في البدايات الأولى، ولأسباب براغماتية عملية لم تمانع في أن تحصل على "مأوى مؤقت"، في غير فلسطين (في أوغندة 1903)، ريثما يتسنى لها الحصول على فلسطين، إلا أنها سرعان ما حسمت أمرها (في 1905) بالتركيز فقط على فلسطين. والفكر اليهودي-الصهيوني يركز على الارتباط العضوي بين الله والشعب والأرض، وحسب الحاخام حاييم لانداو:" إن روح شعبنا لا تستطيع التعبير عن نفسها إلا إذا عادت الحياة القومية إلى أرضنا من جديد"، لأن "القبس الإلهي لا يؤثر في شعبنا إلا وهو في أرضه"[120]. وعندما سئل موشيه دايان (رئيس الأركان ووزير الدفاع ووزير الخارجية سابقاً في الدولة الصهيونية) بخصوص دعاوى الصهاينة الدينية والتاريخية في فلسطين المحتلة قال:" هذا أساس الوجود الإسرائيلي، إنه واحد من العناصر الثلاث التي تشكل إسرائيل وهي الشعب اليهودي والكتاب المقدس وأرض اليهود"، ولذلك "إذا اجتمعت التوراة وأمة التوراة فلا بد أن تكون معها أرض التوراة"[121].

 

ويؤكد الحاخام هاكوهين فيشمان ميمون أول وزير للشئون الدينية في "إسرائيل" أن الصلة بين الشعب اليهودي وأرضه المقدسة هي سر من الأسرار الدينية وأن "اليهود وهم في الشتات لهم صلة مباشرة بها ، صلة سماوية وأبدية". وينبني على ذلك أن وجود الفلسطينيين في نظر اليهود الصهاينة هو وجود هامشي وغير معتبر، ولا قيمة لعدده ولا للمدة التي قضاها في فلسطين، حتى لو كانت أضعاف ما عاشه اليهود أنفسهم. وعلى حد تعبير الرئيس الأمريكي المتصهين كلينتون فإن مشكلة فلسطين تكمن في أن اليهود عندما رجعوا إلى وطنهم وجدوا أن هناك شعباً آخر!![122]

ومن هنا جاءت مقولات وشعارات اليهود "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، كما كانت تذكر بصياغة أخرى " أرض مقدسة بلا شعب مقدس، لشعب مقدس بلا أرض مقدسة"[123]. وإذا كانت العبارة الثانية تعترف ضمناً بوجود شعب في فلسطين إلا أنها تنـزع عنه الحق لأنه غير مقدس، وعليه أن يسلمها للشعب المقدس ليعود إلى أرضه المقدسة.

 

 

 

 

 الاتجاهات والمدارس الصهيونية:

يظهر للدارس أن الاتجاهات الأيديولوجية الصهيونية ـ على الرغم مما يبدو عليها من خلاف - إلا أنها تلعب أدواراً متكاملة، ولها في نهاية المطاف نسق أيديولوجي واحد. إذ يؤمن جميع الصهاينة بـ" فكرة العودة إلى أرض الميعاد لتأسيس دولة يهودية، تعبر عن الروح الخالدة للشعب اليهودي، وتكون حلاً للمشكلة اليهودية"، وهذه نقطة البداية والنهاية لهم جميعاً، والركيزة التي تستند عليها تحالفاتهم، أما المحتوى الاجتماعي للدولة فهي مسألة غير ملحة ومؤجلة[124].

 

وهناك أربعة اتجاهات ومدارس صهيونية تتفرع عنها اتجاهات وانقسامات أخرى، فهناك:

المدرسة الأولى: الصهيونية السياسية: وزعيمها الأول هرتزل، وهي التي سعت إلى تحويل المشكلة اليهودية إلى مشكلة سياسية دولية. وترى أن اليهود شعب ذو قومية محددة، وهو غير قادر على الاندماج في المجتمعات الأخرى، ولا يمكن حل مشكلته إلا بأن يصبح شعباً مثل كل الشعوب، ولن يحصل ذلك إلا عن طريق تهجير اليهود إلى فلسطين، ليعيشوا في وطن يهودي تحكمه دولة صهيونية، ولا يمكن تنفيذ هذا الطموح إلا بإشراف المجتمع الدولي وبمساندة القوى الكبرى، ومن أهم دعاة هذه المدرسة جاكوب كلاتزكين (1882 - 1948)، وماكس نوردو[125].

 

وتعد الصهيونية التنقيحية أو المراجعة استمراراً للصهيونية السياسية ويعد فلاديمير جابوتنسكي V. Jabotinsky ، المنظّر الأساسي لها. وهي تُغلّب الجانب القومي على الجانب الديني، كما تؤكد على العنف وسيلة للتعامل مع الفلسطينيين. وهي ذات توجهات ليبرالية رأسمالية، وتتمثل أساساً في تحالف الليكود في الكيان الصهيوني، ويعد بيغن وشامير ونتنياهو وشارون امتداداً لهذه المدرسة[126].

 

المدرسة الثانية: هي الصهيونية العمالية "الاشتراكية": وهي تدّعي أن التركيب الاجتماعي والحضاري اليهودي مختلف عن غيره، وبالتالي فهو غير قادر على الاندماج مع الأوساط الأخرى. وتدعو إلى برنامج عمل قائم على تحقيق الأهداف الصهيونية على أسس اشتراكية. وداخل هذه المدرسة هناك تيار بوروخوف (1881 - 1917) Ber Borochov، الذي حاول توظيف المنهج الماركسي لخدمة الرؤية الصهيونية والذي أكد على حتمية الحل الصهيوني، لتزويد الطبقات اليهودية الهامشية بقاعدة إنتاج!! [قاعدة الإنتاج هنا هي أرض فلسطين!!]. وهناك تيار ناحام سيركين (1868- 1924) N. Syrkin الذي ركز على العنصر الخلقي، ووحدة الرؤية اليهودية.

 

وهناك تيار أهارون جوردون (1856- 1922) A. Gordon الذي ركز على الجانب النفسي، وإلى اقتحام الأرض والعمل.

وقد شاعت أفكار سيركين وجوردون بالذات في الأوساط العمالية اليهودية. وعلى أكتاف هذا التيار قام البناء الاقتصادي والسياسي الفعلي للكيان الصهيوني، فقد ركز على الجانب العملي في الهجرة والاستيطان وبناء المؤسسات والقوة العسكرية فكان من نتاجه تـأسيس الهستدروت والمستوطنات الزراعية (الكيبوتسات)، وقوات الهاجاناه، وهي الأدوات التي استخدمت لإنشاء الدولة الصهيونية[127].

وهذا التيار هو الذي قاد الكيان الصهيوني منذ إنشائه سنة 1948 وحتى سنة 1977 من خلال حزب الماباي Mabai وحلفائه، وما عرف فيما بعد بتكتل حزب العمل، وتتمثل قيادته التاريخية في بن جوريون وموشيه شاريت، وجولدا مائير وليفي أشكول واسحق رابين وشمعون بيريز، وقد نزل في انتخابات سنة 1999 تحت لافتة "إسرائيل واحدة" بزعامة إيهود باراك.

 

المدرسة الثالثة: الصهيونية الدينية: وهي تُغلّب الجانب الديني على الجانب القومي، وتسعى لتطبيق الشعائر اليهودية والشرائع السماوية والاحتكام إلى التوراة. وهي قسمان: القسم الأول: رأى أن الصهيونية السياسية على الرغم من علمانيتها الظاهرة إلا أنها ستسهم بالضرورة في خدمة القيم الدينية. وأنها في التحليل النهائي ليست إلا حركة دينية في حقيقتها وجوهرها، وقد انضم هذا القسم للمشروع الصهيوني منذ بداياته، ومن رُوّاده الأوائل الحاخام كاليشر، والحاخام موهيليفير (1924 - 1898) وكذلك اسحق كوك ولانداو، وأخذ هذا التيار شكله المنظم سنة 1902 بتأسيس حركة مزراحي "مركز روحي". ولخصت رؤيتها في شعار "التوراة والعمل". والامتداد الحزبي الحالي لهذا التيار يتمثل في حزب المفدال "الحزب القومي الديني"، ومن أبرز قادته حاييم شابيرا، ويوسف بورغ، ويتسحاق رفائيل، وزفولون هامر، وقد انشق عنه سنة 1981 حزب تامي، كما انشق عنه سنة 1983 حزب مَتْساد[128].

 

أما القسم الثاني من الصهيونية الدينية: فقد رفض الصهيونية في البداية، بل وحاربها بوصفها مخالفة لتعاليم اليهودية، وكفراً ومروقاً من الدين وتخريباً للأسس الروحية والمادية للطوائف الروحية في العالم، وتمرداً على المشيئة الإلهية، وتعود بداية تكتل هذا التيار إلى سنة 1909، وأنشأ هذا التيار لنفسه حزب "أغودات إسرائيل" سنة 1912. لكنه مع مرور الوقت تبنى الهجرة والاستيطان وتعاون مع المؤسسات الصهيونية، ورأى أن "وعد بلفور" يتسق مع الوعد الإلهي، وسحب معارضته لقيام دولة يهودية، ويشارك باستمرار في الانتخابات والحكومات الائتلافية سواء العمل أو الليكود. وفي الوقت نفسه، يرفض الاعتراف من ناحية دينية بـ"إسرائيل" دولةً يهوديةً، ولا يعترف بعلمها ونشيدها ورموزها ومناسباتها الوطنية، ويرفض خدمة شبانه في الجيش الإسرائيلي !! ومع ذلك يتسع صدر الدولة الصهيونية له ولأمثاله؟! ومن الرموز القديمة الأولى لهذا الحزب يتسحاق هاليفي، وإسحق ليفين. وقد تعرض هذا الحزب لعدة انشقاقات، ومن عباءته خرجت أحزاب شاس سنة 1984، و ديجيل هاتوراه سنة 1988[129].

 

المدرسة الرابعة: الصهيونية الثقافية: وهي ترى أن الخطر الحقيقي الذي يهدد استمرارية اليهودية هو فقدان اليهود للإحساس بالوحدة والترابط وضعف تمسكهم بقيمهم وتقاليدهم. وهي تركز على توفر المناخ النفسي الملائم لليهود، وتجمّع اليهود في فلسطين لتكون المركز الروحي لليهودية، وإحياء قيمها وثقافتها. والفرق بينها وبين المدرسة الدينية أنه على الرغم من أن كليهما يؤمن بالقيم اليهودية، إلا أن الصهيونية الدينية ترى أن مصدر هذه القيم هو الله، أما الصهيونية الثقافية فترى أن القيم جزء من التراث والثقافة المرتبطة بإنجازات وبتاريخ الشعب اليهودي، أي أن الشعب هو مصدر القداسة. أي أنها ركزت على الجانب الداخلي في المشكلة اليهودية سبيلاً للإحياء اليهودي، وقدمت القومية اليهودية في هيئة رومانسية، ويطلق عليها بعض الكُتَّاب صهيونية عضوية Organic.

وأبرز دعاة الصهيونية الثقافية هو آشر جينـزبرغ (1856 - 1927) Aser Ginsberg ، المشهور بآحاد هاعام Ahad Ha’am، ثم مارتن بوبر، وهذه الصهيونية ليس لها أحزاب محددة في الكيان الصهيوني، لأنها تعبر عن موقف يمكن أن يتبناه أي صهيوني، كالاهتمام باللغة العبرية والثقافة اليهودية[130].

 

وبشكل عام فإن الحركة الصهيونية أثبتت مرونة في استيعاب هذه التيارات التي يظهر عليها التناقض، كما أثبتت التيارات إمكانية التعايش في أجواء الخلاف، بل والاستفادة من تناقضاتها لخدمة المشروع الصهيوني، وظلت الأفكار السياسية (اشتراكية، ليبرالية، شيوعية . . ) مضامين فكرية مضافة إلى بنية الأيديولوجية الصهيونية يمكن حذفها أو الاستغناء عنها أو عن بعضها عند الحاجة دون أن تتأثر البنية الأساسية. فمثلاً نجد أن حزبي المباي الاشتراكي والمبام اليساري حافظا على تحالف "إسرائيل" مع أمريكا والغرب، وأيدا التدخل الأمريكي في فيتنام، ووافقا على الاستثمارات الأجنبية الخاصة في "إسرائيل"، وتحالفا مع الأحزاب الدينية في الحكم. والليبراليون والرأسماليون يتحالفون مع الأحزاب الدينية ، ويأتلفون مع الأحزاب الاشتراكية ، ويقبلون عدداً من السمات الاشتراكية للدولة، كالكيبوتسات، ومؤسسة الهستدروت، ودور الدولة في القطاع العام..، كما أن الأحزاب الدينية مستعدة للمشاركة في الحكم، وتحقيق مكاسب حسب حجمها ، ولا تُصرّ عاجلاً على تطبيق تعاليمها الدينية[131].

 

وهكذا فإن الصهيونية الحقة تمزج بين جميع التيارات (صهيونية توفيقية)، فهي تتحرك دبلوماسياً لتنال التأييد "سياسية"، ويُوجِدُ المستوطنون حقائق على أرض الواقع تجعل التراجع عنها مستحيلاً (عملية)، وتجمع الضرائب وتشجع الرأسمال اليهودي (التنقيحية والمراجعة)، وتزود التنظيمات العمالية بالمساعدات (عمالية اشتراكية)، وتعبر عن فلسفة قومية (لا دينية)، وتقدم نفسها على أنها التعبير الوحيد عن اليهودية والمدافع عن التراث اليهودي (دينية)[132].


 

 
 

الفصل الثاني

الكيان اليهودي الصهيوني ويهود العالم

 

النظام السياسي في الكيان الصهيوني:

جرى الإعلان عن إنشاء الكيان الصهيوني "إسرائيل" في مساء 14 مايو 1948، حيث تمكن خلال حرب 1948 من احتلال 20770 كم2 أي نحو 77% من أرض فلسطين. وكان عدد السكان اليهود في ذلك الوقت 650 ألفاً. وقد تمكن من احتلال باقي فلسطين في حرب 1967 كما احتل مرتفعات الجولان السورية وسيناء المصرية. وضم إليه رسمياً كلاً من القدس الشرقية والجولان السورية لتصبح المساحة الكلية التي يدعيها لكيانه 21946كم2، وليصبح عدد سكانه في نهاية عام 2000 (حسب إحصائيات المكتب المركزي للإحصاء في الكيان الصهيوني) حوالي ستة ملايين و 369 ألفاً، بينهم أربعة ملايين و 955 ألف يهودي أي 77.8% من السكان، وهناك نحو 201 ألفاً لم يحددوا دينهم ولعل معظمهم من أصول يهودية. أما السكان العرب فيبلغ عددهم مليوناً و 188.7 ألفاً، أي 18.66% من السكان[133]. واسم الكيان الصهيوني رسمياً "دولة إسرائيل"، ويسمونها بلغتهم العبرية "مدينة يسرائيل" Madinat Yisrael، ونظام الحكم برلماني ديمقراطي، والعاصمة الرسمية المُدَّعاة هي القدس منذ سنة 1950. ولا يوجد للكيان الصهيوني دستور رسمي مكتوب، ربما حتى يتجنبوا الخلاف مع بعضهم حول الهوية العلمانية أو الدينية للدولة، وكذلك حتى يتجنبوا تحديد حدود الدولة اليهودية، إذ إن الكيان الصهيوني لم يحدد حدوده الرسمية بعد، مما يكشف عن مطامع مستقبلية في التوسع وضم الأراضي. والصهاينة يفرقون بين "دولة إسرائيل" و"أرض إسرائيل" Eretz Yisrael، ويعتقدون أن دولتهم لا تشمل "أرض إسرائيل" كافة، بل ويعد الكثير منهم بلداً كالأردن أرضاً إسرائيلية محتلة من العرب!!، وظل ذلك جزءاً من برامج حزب الليكود حتى انتخابات سنة 1992.

 

وتتركز السلطات في يد رئيس الوزراء، أما رئيس الدولة فهو منصب رمزي لا يملك سوى صلاحيات شكلية. وهناك مجلس تشريعي واحد "برلمان"، منتخب هو الكنيست Knesset ، ويملك صلاحيات تشريعية واسعة، وسلطات رقابية قوية على أداء الحكومة. وعدد أعضاء البرلمان "الكنيست" منذ إنشاء الكيان الصهيوني وحتى الآن 120 عضواً. وتتم طريقة الانتخاب على أساس أن كل الكيان الإسرائيلي دائرة انتخابية واحدة، وتحصل الأحزاب على مقاعدها في الكنيست بحسب نسبة الأصوات الكلية التي تحصل عليها (مثلاً: 25% تساوي 30 مقعداً وهكذا). ويُضعف هذا النظام من فرص فوز المستقلين أو الشخصيات ذات القاعدة المحلية الصغيرة، بينما يعطي فرصاً أفضل للعمل الحزبي المنظم في إطار قطري، لكن هذا النظام يُضعف من فرص حصول أي حزب على الأغلبية المطلقة لعدد المقاعد وبالتالي فإنه سيضطر للتحالف مع أحزاب أخرى للحصول على الثقة. وهذا يضعف من فرص الاستقرار السياسي، كما يعطي للأحزاب الصغيرة قدرة أكبر على فرض شروطها على الأحزاب الكبيرة، في سبيل تشكيل الحكومة. وهذا ما تفعله الأحزاب الدينية عادة، والتي شاركت في كل الحكومات الإسرائيلية منذ إنشاء هذا الكيان. ومن الجدير بالذكر أن أياً من الأحزاب الإسرائيلية لم يحصل على الأغلبية المطلقة في الكنيست منذ أول انتخابات سنة 1949 وحتى آخر انتخابات سنة 1999[134].

 

ومنذ سنة 1949 وحتى 1996 كان الحزب الذي يفوز في الانتخابات يقرر رئيس الوزراء من بين الفائزين في عضوية الكنيست، ولكن منذ عام 1996 صار يتم انتخاب رئيس الوزراء مباشرة من الناخبين، حتى وإن لم يحصل حزبه على أكبر عدد من المقاعد في الكنيست، وعلى هذا الأساس تم انتخاب نتنياهو 1996، ثم باراك 1999، ثم شارون في فبراير 2001. وعلى ما يظهر فإنه سيتم العودة إلى النظام السابق مرة أخرى في الانتخابات القادمة.

 

الأحزاب السياسية:

يتسم النظام الحزبي في الكيان الصهيوني بعدة سمات:

1. كثرة الأحزاب وتوالي ظهور أحزاب جديدة، ففي انتخابات سنة 1992، شاركت 25 قائمة انتخابية بعضها مركب من ثلاث أحزاب. وتعكس كثرة الأحزاب التباينات والاختلافات الدينية والقومية والاجتماعية والاقتصادية بين اليهود (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى).

2. كثرة الانشقاقات والاندماجات بين الأحزاب، حيث يجد المرء نفسه وكأنه أمام لعبة الحل والتركيب!!، وقد يخرج أفراد أو مجموعات لينضموا إلى حزب آخر، ويشكلوا حزباً جديداً، ثم ليعودوا للتحالف مع رفاقهم السابقين أو خصومهم، بل والاندماج ثانية. وحتى الأحزاب الكبيرة تتحالف أو تندمج أو تَفضّ الشراكة مع غيرها بين فترة وأخرى، حسب أحوال بورصة الانتخابات. غير أن هذه اللعبة عادة ما تتم ضمن تيارات متشابهة إلى حد ما (عمالية - يمينية- دينية).

 

3. معظم الأحزاب الكبيرة والقديمة ليست أحزاب سياسية فقط، وإنما لها أنشطة اجتماعية واقتصادية وتعليمية وطبية واسعة النطاق، ويعود ذلك إلى خلفيات أدوارها في الهجرة والاستيطان قبل إنشاء الكيان الصهيوني، و هي عندما تتولى الحكومة فإنها لا تتورع عن تقديم الدعم والخدمات لمؤسساتها، مثل المخصصات المالية للهستدروت والكيبوتسات، أو لشبكات التعليم الديني.. وغيرها[135].

 

4. الدور العسكري والأمني في الحياة السياسية، فالجيش يشارك في الانتخابات والمؤسسات الأمنية لها دور أساسي في صناعة القرار السياسي، وفوق ذلك، فإن العسكريين حال تقاعدهم سرعان ما يتحولون إلى قادة سياسيين نشطين في العمل الحزبي، ويتم استيعابهم بسهولة في الأحزاب حيث يتبوءون مناصب رفيعة، أمثال موشيه دايان وإسحق رابين وشارون وباراك ورفائيل إيتان ونتنياهو وغيرهم كثير.

5. قدرة الأحزاب على التعايش والوصول إلى حلول وسط، حيث كل شيء تقريباً قابل للمساومة بين المتدينين والعلمانيين واليساريين واليمينيين..

وحسب التقسيمات التقليدية فإن الأحزاب الإسرائيلية تنقسم إلى ثلاثة معسكرات هي

1- اليسار             2- اليمين         3- والأحزاب الدينية.

 

وهذا التقسيم لا يرتبط بالضرورة بالأطروحات الاشتراكية أو الليبرالية، بل يرجع أساساً إلى الموقف من ثلاث قضايا أساسية هي: مصير المناطق العربية المحتلة، وعلاقة الدين بالدولة، والنظام الاقتصادي. ولذلك نرى حزب شينوي يدرج مع قائمة اليسار مع أن طرحه ليبرالي (يميني)، كما نجد حزب تسوميت يدرج مع أحزاب اليمين مع أن طرحه أقرب إلى حزب العمل (اشتراكي)، لأن تصنيف حزبي شينوي وتسوميت تم أساساً بناء على موقفهما من قضية الأراضي العربية المحتلة، كما أن الكثير يصنف الأحزاب العربية في قائمة اليسار على الرغم من البون الشاسع بينهما[136].

 

أما أهم أحزاب معسكر اليسار فهو "حزب العمل"،[137] ويمكن عدّه استمراراً لحزب مباي، الذي ظل الحزب الأقوى في الساحة الإسرائيلية حتى سنة 1968، عندما اتحد هذا الحزب مع حزبي أحدوت هفعودا بوعالي تسيون، ورافي، وهما حزبان كانا قد انشقا أصلاً عن هذا الحزب. وتوالى على قيادة حزب العمل بعد تشكيله سنة 1968 جولدا مائير، وتبادل اسحق رابين وشمعون بيريز المواقع على قيادة الحزب بين 1974 - 1996، ثم تولى رئاسته إيهود باراك إلى أن استقال بعد هزيمته في الانتخابات في 6 فبراير 2001، وشارك هذا الحزب في انتخابات 1999 تحت قائمة جديدة اسمها إسرائيل واحدة (يسرائيل آخات).

 

ويتبنى الحزب سياسات أكثر ميلاً للاشتراكية (المختلطة بعناصر ليبرالية)، ويبدو في الظاهر أكثر ميلاً إلى تسوية سلمية مع الفلسطينيين والعرب، لكنه لا يختلف عن الأحزاب الإسرائيلية الأخرى في سياسة الاستيطان وضم الأراضي، والموقف من القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني وكذلك في تحقيق الاعتبارات الأمنية..، ويبدو أكثر قدرة على المراوغة واللعب السياسي في الوقت الذي ينشط فيه لتثبيت حقائق يهودية جديدة على الأرض. وعلى الرغم من أنه يطرح نفسه حزباً يسارياً اشتراكياً فإنه يحظى في أوساط الطبقة المتوسطة بتأييد أكبر مما يحظى به في أوساط الطبقة العاملة، لأن أغلبية اليهود الغربيين (الأشكناز) تميل للتصويت له بينما يميل اليهود الشرقيون (السفارديم) (وهي الطبقات الأكثر فقراً)، إلى التصويت لأحزاب اليمين وحزب شاس الديني.

وقد ظل تيار حزب العمل يحكم الكيان الصهيوني 1948 - 1977، ثم شارك في حكومات وحدة وطنية مع الليكود في فترات متقطعة 1984 - 1992، وتولى الحكم بنفسه 1992 - 1996، ثم 1999 - 2001. وقد حصل هذا الحزب على 44 مقعداً في انتخابات 1992، و 34 مقعداً في انتخابات 1996، و 26 مقعداً في انتخابات 1999، مما يشير إلى تضاؤل نفوذ الحزب وتفتت الأصوات على مجموعة أخرى من الأحزاب الصغيرة.

 

ومن الأحزاب المحسوبة على معسكر اليسار حركة ميرتس Meretz.[138] بمعنى "الحيوية"، وهي تكتل يجمع ثلاثة أحزاب هي مبام (تأسس سنة 1948)، وراتس (تأسس 1973)، وشينوي (تأسس 1974)، وهي خليط من الديمقراطية والاشتراكية (مبام)، والليبرالية (شينوي)، والوسط (راتس)، وقد تشكلت سنة 1992، ويجمعها رؤيتها للتسوية السلمية مع العرب. وبرنامجها السياسي يدعو لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في منطقة الضفة والقطاع، ووقف الاستيطان، على أن تكون القدس عاصمة موحدة لـ"إسرائيل"، مع عمل ترتيبات أمنية صارمة في المناطق التي سيتم الجلاء عنها، وقد حصلت هذه الكتلة على 12 مقعداً في انتخابات 1992، و9 مقاعد في انتخابات 1996، و 10 مقاعد في انتخابات 1999. ويظهر أن شينوي عاد للانفصال عن هذا التجمع سنة 1999 ونزل لوحده وفاز بستة مقاعد.

 

أما معسكر أحزاب اليمين فيتكون أساساً من الليكود Likud [139](التكتل)، وهو حزب تأسس سنة 1973 من تكتل حزبي حيروت (الحرية)، والليبرالي (الأحرار)، الذين كانا متكتلين في كتلة غاحل منذ 1965 فضلاً عن حزبين صغيرين هما المركز الحر والقائمة الرسمية، وكذلك مجموعة كانت تنتمي إلى حركة "أرض إسرائيل الكاملة". وقد دعا إلى هذا الاتحاد الجنرال أرييل شارون إثر استقالته من الجيش سنة 1973 وانضمامه لحزب الأحرار. والحزب الأقوى في هذا التجمع هو حزب حيروت الذي كان يرأسه مناحيم بيغن منذ سنة 1948 وحتى 1983، وقد أسسته العصابات الإرهابية المعروفة بـ "إيتسل"، (إرغون تسفائي ليئومي أي المنظمة العسكرية القومية)، وقد تمكن حيروت من ابتلاع باقي أحزاب التكتل ودمجها فيه منذ 1985. والنقطة المركزية في برنامج الليكود السياسي تتمثل في "حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل الكاملة"، وهو بالتالي يعد أكثر تشدداً في موضوع التنازل عن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة للفلسطينيين، ويؤيد الاستيطان ويدعمه بقوة. ويظهر ميلاً أكبر للعدوانية والعنف. وفي الناحية الاقتصادية يمثل التيار الليبرالي - الرأسمالي. وقد تمكن الحزب من الحكم 1977- 1984، ثم اضطر لمشاركة حزب العمل في الحكم 1984- 1992، ثم عاد للحكم 1996- 1999. ورغم أن الحزب حصل على مقاعد أقل من حزب العمل سنة 1996، إلا أن انتخاب "الإسرائيليين" المباشر لنتنياهو زعيم الليكود أعطى المجال لليكود للحكم.

 

وقد عانى الليكود من انقسامات أضعفت قوته كانسحاب ديفيد ليفي (وزير الخارجية في حكومة شامير)، وتأسيسه حركة غيشر Gesher سنة 1996، (ثم عاد للتحالف مع الليكود) ثم تحالف مع العمل ثم انسحب منه!!، وعانى الليكود من انسحاب اسحق مردخاي وزير الدفاع في حكومة نتنياهو وتأسيسه حزب المركز Merkaz سنة 1999، حيث نزل في الانتخابات منفرداً وفاز بستة مقاعد. وقد حصل الليكود على 32 مقعداً في انتخابات 1992 وانتخابات 1996، وفي انتخابات 1999 حصل على 19 مقعداً فقط، مما يؤكد ظاهرة تفتت الأحزاب الكبيرة.

 

ويوجد في معسكر اليمين أحزاب أخرى صغيرة[140]، أهمها حزب تسوميت (مفترق الطرق)، Tsomet، الذي تأسس برئاسة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق روفائيل إيتان، وحزب هتحيا (البعث)، الذي تأسس سنة 1979 برئاسة يغال نئمان رئيس جامعة تل أبيب وقتئذ، وحزب موليدت (الوطن)، الذي تأسس سنة 1988 برئاسة اللواء احتياط رحبعام زئيفي، والأحزاب الثلاثة هذه أشد تطرفاً من الليكود وأكثر وضوحاً وشراسة في العداء ضد الفلسطينيين، ويدعو موليدت مثلاً بشكل مكشوف لطرد طوعي للفلسطينيين من الضفة والقطاع، ووضعهم تحت ظروف لا تحتمل بحيث يؤدي ذلك إلى خروجهم.

 

ومن الأحزاب التي يمكن أن توضع في خانة اليمين حزب "إسرائيل باعالياه" (إسرائيل والهجرة)، والذي يتكون أساساً من المهاجرين الروس الجدد برئاسة ناتان شارانسكي، والذي حصل في انتخابات 1996 على سبعة مقاعد وفي 1999 حصل على ستة مقاعد، وهو يؤكد على دعم الهجرة والاستيطان.

أما الأحزاب الدينية فقد شكّلت عادة القوة الثالثة في البرلمان، وأمكنها وضعها، الذي يمكن أن يتأرجح للتحالف مع اليسار أو اليمين، وترجيح كفة على أخرى، من فرض شروطها في كثير من الأحيان على الأحزاب الكبيرة، ولكن بدرجة معقولة لا تؤدي إلى تحالف الحزبين الكبيرين وبالتالي إهمالها.

 

ومن أقدم الأحزاب الدينية حزب المفدال "الحزب القومي الديني"[141]، الذي تشكل سنة 1956 امتداداً لمزراحي وهبوعيل همزراحي. وشارك جميع الحكومات الائتلافية مع حرب المباي/العمل حتى 1977، وكان يتولى تقليدياً وزارتي الأديان والداخلية، وكان يركز على القضايا ذات الطابع الديني وخدمة جمهور المتدينين اجتماعياً وصحياً وتعليمياً، ويقلل من التدخل في الأمور ذات الصلة بالأمور السياسية والاقتصادية والأمنية. لكنه مع صعود الليكود للحكم بدأ يتحول إلى حزب متطرف سياسياً وقومياً يضع على رأس اهتماماته فكرة "ارض إسرائيل الكبرى". وفي العقود الثلاثة الأولى من قيام الكيان الصهيوني كان الحزب يحصل على 10 - 12 مقعداً ، لكنه تعرض لانشقاقات في الثمانينات من القرن العشرين أضعفته (انشقاق مجموعات شكلت حزبي تامي ومتساد)، فانخفض عدد مقاعده إلى 6 مقاعد سنة 1992، و9 مقاعد سنة 1996، و5 مقاعد سنة 1999، والحزب يتشكل أساساً من اليهود الغربيين الأشكناز، وهو برئاسة اسحق ليفي.

 

ومن الأحزاب الدينية القديمة حزب "أغودات إسرائيل"[142] الذي أشير إليه سابقاً، وهو حزب لم تزد قاعدته الانتخابية منذ إنشاء الكيان الصهيوني عن 2 - 6 مقاعد، وقرارات الحزب المهمة يتخذها "مجلس حكماء التوراة". والحزب أقرب إلى اليمين المتشدد في برنامجه السياسي، لكن عدداً كبيراً من زعمائه النافذين وعلى رأسهم الحاخام اليعزر شاخ مستعدون للقبول بالتخلي عن أجزاء من أرض "إسرائيل" في الوقت الراهن، على أساس أنه لا يوجد ما يشير إلى أن عملية الخلاص الإلهي - بقدوم الماشيح - قد بدأت حسب اعتقادهم، وقد انشق عن هذا الحزب حزب ديجيل هاتوراه (لواء التوراة) سنة 1988، لكن الحزبين أخذا في النـزول في تحالف واحد (يهودت هاتوراه) منذ 1992، حيث حصلا على 4 مقاعد، وفي 1996 على 4 مقاعد أيضاً، وفي 1999 على 5 مقاعد، ويقود هذا التحالف مئير بوروش.

 

وفي سنة 1984 تشكل حزب شاس[143] "شومري توراه سفارديم" أي السفارديون المحافظون على التوراة، بانشقاق عن حزب أغودات إسرائيل. وقد تم ذلك بتشجيع من الحاخام شاخ، والحاخام عوفاديا يوسف الحاخام الأكبر السابق لليهود السفارديين احتجاجاً على سيطرة اليهود الغربيين (الأشكناز) على الحزب. ويسعى شاس لإرساء قواعد الدولة والمجتمع على أسس التوراة، ولكنه أكثر انفتاحاً و"اعتدالاً" في التعامل مع الأحزاب السياسية العلمانية وغير المتدينة، وهو يتحدث بشكلين، الأول: لهجة دينية متزمتة ، و الثاني: صوت طائفي يمثل السفارديين، مُركزاً على الارتباط بالتقاليد وليس على أداء الفرائض، وقد تمكن شاس من النمو بشكل سريع على حساب الحزب القومي الديني وحزب الليكود، ليزيد عدد مقاعده من مقعدين سنة 1984 إلى ستة مقاعد سنة 1992، إلى عشرة مقاعد سنة 1996، إلى 17 مقعداً سنة 1999، ليقترب من الحجم الذي تملكه الأحزاب الكبرى (26 العمل، و 19 الليكود).

وهناك فئة رابعة من الأحزاب في الكيان الصهيوني وهي ما يمكن أن يطلق عليه الأحزاب العربية[144]، ويجمع هذه الأحزاب أمرين، الأول: الدعوة إلى تحصيل الحقوق المدنية الكاملة والمساواة التامة للأقلية العربية في الكيان الصهيوني (الأرض المحتلة عام 1948)، وهي تمثل نحو 20% من السكان، والثاني: تأييد انسحاب الصهاينة من الضفة الغربية والقطاع، وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة عليها. لكننا يجب أن ننبه إلى أن حجم هذه الأحزاب الانتخابي لا يمثل بدقة حقيقية ميول الأقلية العربية أو توازن القوى داخلها، لأن هناك فئات عربية لا تزال ترفض المشاركة في النظام السياسي الإسرائيلي، وتقاطع الانتخابات، وعلى رأسها الفصيل الأوسع في الحركة الإسلامية الذي يرأسه الشيخ رائد صلاح،حيث أن له قاعدة جماهيرية لا يستهان بها، وكذلك حركة أبناء البلد ذات التوجهات الوطنية.

 

أما أقدم الأحزاب المحسوبة على الوسط العربي فهو حزب راكاح (حداش) وهو حزب شيوعي تعود جذوره إلى سنة 1919 عندما أسسه مجموعة من اليهود، وبدأ بعض الفلسطينيين العرب يدخلونه منذ العشرينيات لكنه تعرض لعدة أزمات، كان أهمها خروج معظم الجناح العربي عنه وتأسيس عصبة التحرر الوطني سنة 1943. وبعد قيام الكيان الصهيوني وحد الشيوعيون هناك صفوفهم تحت اسم الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي)، والذي اعترف بالكيان الصهيوني وقرار التقسيم. ولأنه أيّد الحقوق المدنية للفلسطينيين في أرض 1948 فقد ظهر حزباً مدافعاً عن الأقلية العربية وسط الأحزاب الصهيونية الأخرى، وأصبحت غالبية أعضائه من العرب. وقد انقسم هذا الحزب سنة 1965 حيث شكل الشطر ذو الأغلبية العربية حزب راكاح بقيادة توفيق طوبي ومئير فلنر، بينما ضَمُر الشطر ذو الأغلبية اليهودية حتى اختفى. وفي سنة 1977 شكل الحزب قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، ومع أواخر الثمانينيات أخذ يتأكد الطابع العربي لهذا الحزب وإن بقيت فيه أقلية يهودية ضئيلة. وكان العصر الذهبي لهذا الحزب هو فترة السبعينيات من القرن العشرين إذا حصل في سنة 1973 على 37% من الأصوات العربية وفي سنة 1977 على 51% من هذه الأصوات. غير أنه أخذ بالتراجع، وفي أواخر التسعينيات فَقَدَ مركزه كحزب أول في الوسط العربي. ويرأس الحزب محمد بركة، وقد حصل الحزب على ثلاثة مقاعد سنة 1992، وخمسة مقاعد سنة 1996 (بالتحالف مع التجمع الوطني الديمقراطي)، وثلاثة مقاعد سنة 1999.

 

وفي سنة 1984 تشكلت القائمة التقدمية للسلام وهي حزب مكون من مجموعات عربية ويهودية برئاسة محمد ميعاري ومتتياهو بيليد، وقد فازت بمقعدين في انتخابات 1984 وبمقعد واحد في انتخابات 1988، وعانت من خلافات بين أعضائها العرب واليهود أدت لانسحابات كثيرة من الطرفين، وتحولت منذ أوائل التسعينيات إلى حزب عربي صغير لم يفز بأي مقعد سنة 1992.

 

وكان الحزب الديمقراطي العربي هو أول حزب عربي صرف منذ نشأته، وقد أسسه سنة 1988 عبد الوهاب الدراوشة الذي كان عضواً في حزب العمل الإسرائيلي، وممثلاً له في الكنيست. وهو لا يختلف كثيراً في برنامجه السياسي عن راكاح والقائمة التقدمية في السعي لتحقيق الحقوق الكاملة للعرب في الكيان الصهيوني، وإقامة الدولة الفلسطينية على أرض الضفة والقطاع. وقد حصل في انتخابات 1988 على مقعد واحد، ثم على مقعدين سنة 1992، ثم إنه تحالف مع جناح من الحركة الإسلامية ( عبد الله نمر درويش، وعبد المالك دهامشة)، في انتخابات 1996، باسم القائمة العربية الموحدة التي فازت بأربعة مقاعد، واستطاعت القائمة أن تبرز في انتخابات 1999 كأقوى ممثل للصوت العربي وتفوز بخمسة مقاعد.

وهناك التجمع الوطني الديمقراطي (بلد) بزعامة عزمي بشارة الذي تحالف سنة 1996 مع حداش، لكنه نزل في انتخابات 1999 متحالفاً مع أحمد الطيبي مستشار ياسر عرفات وقوائم أخرى صغيرة وفاز بمقعدين.

 

أما أبرز ملاحظاتنا على اتجاهات الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة وأداء الأحزاب:

1. هناك اتجاه نحو تفتت الكتلتين الكبيرتين العمل والليكود، وضعف تدريجي لقاعدتهما الحزبية (انظر الجدول)، وهو يشير إلى نوع من عدم الاستقرار السياسي، كما أن هذا يمكن أن يدفع الحزبين للتحالف حتى لا يدفعا ثمناً باهظاً للأحزاب الصغيرة.

2. هناك ازدياد في نفوذ الأحزاب الدينية، وخصوصاً حزب شاس الذي أخذ يقترب من معايير الأحزاب الكبرى، وهذا لا يعكس فقط ازدياد التطرف لدى المجتمع الإسرائيلي، وإنما يعكس أيضاً ازدياد حالة الانقسام بين اليهود الشرقيين (السفارديين)، واليهود الغربيين (الأشكناز).

 

3. إن تبادل المواقع وضعف أو قوة بعض الاتجاهات الصهيونية لا تعني تحولاً كبيراً في نظرة اليهود للصراع العربي الإسلامي معهم، فالاستراتيجيات لا تزال متشابهة تقريباً، خصوصاً لدى الأحزاب المؤثرة.

4. هناك تراجع واضح في نفوذ الأحزاب الصهيونية في الوسط العربي الذي أخذ يعطي أصواتاً أكثر للأحزاب العربية المحلية، وفي انتخابات 1999 كان هناك 13 عربياً في الكنيست (9 للقوائم العربية ، واثنين لحزب العمل، وواحد لميرتس، وواحد لليكود)، وتتمتع بعض الأحزاب الصهيونية بوضع أفضل وسط الدروز مقارنة بالعرب من المسلمين السنة والنصارى، كما يمكنها الحصول على أعداد لا بأس بها من الأصوات العربية، والجدول التالي يبين نتائج أهم الأحزاب الإسرائيلية في آخر ثلاثة انتخابات[145]:

 

أحزاب أخرى

المركز

شينوي

القائمة العربية الموحدة

حداش

إسرائيل بعالياه

ميرتس

القومي الديني

المفدال

شاس

الليكود

العمل

 

13

-

-

-

3

-

12

4

6

6

32

44

الكنيست الثالث عشر سنة 1992

6

-

-

4

5

7

9

4

9

10

32

34

الكنيست الرابع عشر سنة 1996

29

6

6

5

3

6

10

5

5

17

19

26

الكنيست الخامس عشر سنة 1999

13

-

15

2

3

2

6

6

5

11

38

19

الكنيست السادس عشر سنة 2003


 

وإذا أردنا أن نوضح الفروقات والاختلافات بين الأحزاب الصهيونية في نظرتها لحل القضية الفلسطينية، فإننا نلاحظ أن تيار حزب العمل ومن على يساره يركزون أكثر على المحافظة على نقاء الدولة اليهودية، بحيث تحتفظ الدولة بأغلبية ساحقة يهودية. بينما يركز تيار الليكود على المحافظة على "أرض إسرائيل" دون تفكيكها. وفي الحالتين يُفضِّل التياران الحصول على الأرض دون ضم السكان العرب لكيان الدولة اليهودية حتى لا تفقد صبغتها. وفي الحالتين ينشط الحزبان في عمليات الاستيطان والضم التدريجي للأرض وتهويدها. وفي الوقت الذي يسعى حزب العمل لتلميع صورة الكيان الإسرائيلي في الخارج وإظهارها بوجه حضاري ديمقراطي، فإن هذا الأمر لا يشكل أولوية لليكود إذا ما تعارض ذلك مع تحقيق برنامجه على الأرض، وهو مطمئن إلى السند الأمريكي، وإلى النفوذ اليهودي "ولوبياته" المنتشرة في العالم. وبينما يُبدي حزب العمل استعداداً أكبر للانسحاب من معظم أراضي الضفة والقطاع في التسوية النهائية، حفاظاً على الطبيعة اليهودية للدولة، فإن الليكود ومن على يمينه يراهنون على التمسك بأكبر قدر ممكن من الأراضي، والمحافظة على هوية الدولة اليهودية من خلال وضع الفلسطينيين في ظروف اقتصادية واجتماعية ومعنوية لا تمكنهم من الثبات على الأرض وتضطرهم للهجرة التدريجية.

 

وبينما يستقرئ حزب العمل مخاطر وجود الكيان الصهيوني في أجواء معادية من حوله ستؤدي في النهاية مهما طال الزمن إلى اقتلاعه وتدميره، عندما يمتلك العرب والمسلمون أسباب القوة، فإنه يسعى لعقد تسوية تنهي حالة العداء وتضمن وجوده كياناً طبيعياً في المنطقة. ويسعى لتحقيق الرؤية التوسعية الصهيونية من خلال هيمنة اقتصادية في المنطقة، دون ضرورة احتلالها أو التوسع العسكري فيها، لإدراكه أن الحقائق السكانية الديموغرافية، والأوضاع السياسية إقليمياً ودولياً لا تسمح بمثل هذا التوسع. أما تيار الليكود فإنه لا يستعجل التسوية، لأنه يرى أن الظروف الحالية تعمل لصالح الكيان الصهيوني، وبالتالي فلا يزال هناك متسع لتحقيق شروط أفضل، وانتزاع مكاسب أكبر، وبناء حقائق على الأرض، يستحيل بعد ذلك التراجع عنها.

أما التيار الديني الصهيوني فإن فيه من يؤيد توجه حزب العمل على أساس أن قدسية الإنسان اليهودي مقدمة على قدسية الأرض، فيجوز السلام والانسحاب من الأرض لمنع سفك الدم اليهودي. كما يؤكد على عدم ضرورة التمسك بكل الأرض لأن مسيحهم المنتظر "المسيا" لم يظهر بعد، كما لم تظهر بوادر قدومه إلى الآن). وهنا