|
الأسس العمرانية والمعمارية لتأثير القدس الأرضية على المدن الإيطالية
1-
تأثير القدس على المدن الإيطالية في العصور الوسطى
بينت فيما سبق مكانة القدس
الدينية والارتباط المسيحي بها، كما أشرت إلى مؤتمر نيقيه والى الخلافات التي حصلت
في المسيحية والتي أسفرت بدورها عن تشكيل كنائس قوية خارج القدس، تحولت فيما بعد
إلى مراكز دينية، نازعت القدس مركزيتها الدينية، وسلطتها الدنيوية. وكان من أقوى
هذه الكنائس، كنيسة روما حيث تمكنت هذه الكنيسة من فرض وجودها وسيطرتها على القسم
الأكبر من اتباع المسيحية. وشكلت ما يعرف بالكنيسة الكاثوليكية، التي سيطرت على
أوروبا باستثناء روسيا واليونان حتى بداية القرن السادس عشر، حيث ظهرت حركة ما يسمى
"بالإصلاح الديني" أو الكنيسة البروتستنتينية، والتي شاركت الكنيسة الكاثوليكية
سيطرتها على أوروبا وأمريكا فيما بعد، بينما سيطرت الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا
واليونان والعالم العربي.
ولكون مركز الكنيسة
الكاثوليكية روما عاصمة إيطاليا، ذات التاريخ العريق والمراكز الحضرية (المدن)
الكثيرة والكبيرة، ونظرا لارتباطها الديني بالقدس، تنازع إيطاليا في بداية تشكيل
كنيستها مفهومين متناقضين هما:
1- اعتبار روما بديلا للقدس
ونقل مركز المسيحية من فلسطين إلى روما.
2- ربط المدن الإيطالية، وبعض
المدن الأوروبية، بالقدس لإعطائها هالة من القدسية تمكنها من دعم مركزية الوجود
المسيحي في الغرب، وفي روما تحديدا.
ومن خلال هذين المفهومين
المتناقضين بدأ تأثير القدس على المدن الإيطالية، حيث أصبحت القدس(45) نموذجا
ومثالا يحتذى لتطور المدن الإيطالية. فالبابوات(46) يعتقدون أن روما التي أنشأ
كنيستها القديس بطرس Peter هي القدس الجديدة. كما اعتبرت
كنيسة روما(47) مكان هيكل القدس القديمة.
أضف إلى هذين المفهومين أن قبة
الصخرة فرضت حضورا معماريا على معظم المدن الأوروبية وبصفة خاصة على المدن
الإيطالية. فلقد شاع في أوروبا خطأ، واعتبارا من القرن التاسع الميلادي، بأن قبة
الصخرة(48) هي الهيكل المزعوم، فلقد روج الحجاج المسيحيون لهذا الخطأ على الرغم من
عدم مطابقة قبة الصخرة مع وصف الهيكل المزعوم الوارد في العهد القديم. ولقد شاع هذا
المفهوم بين رجال الدين المسيحيين والقائمين على المدن في إيطاليا وألهب خيال
المعماريين والفنانين الأوروبيين.
ولقد تعزز هذا الإدعاء بعد
احتلال الصليبين للقدس (1099-1187م)، وإنشاء المملكة اللاتينية، حيث حولوا المسجد
الأقصى إلى سكن للجنود، والمصلى المرواني إلى إسطبل، وقبة الصخرة إلى كنيسة(49)،
وأطلقوا عليها اسم: Solomon Temple أو Templum
Domini ، كما في (الشكل-8أ) و (الشكل- 8ب)
 |
|
إضغط للمشاهدة |
 |
|
إضغط للمشاهدة |
. واللافت للنظر أن الصليبين
لم يغيروا الشكل المعماري لقبة الصخرة، بل غيروا فقط سطح الصخرة، فرصوفها بالبلاط،
وأقاموا فوقها مذبحا، وبقيت كذلك إلى أن حررها صلاح الدين الأيوبي سنة 1187م، فأزال
الصليب(50) من فوق قبتها، وأظهر المحراب، وأزال الإنشاءات الداخلية وجميع مظاهر
الكنيسة وطهرها وأعادها مسجدا كما كانت عليه قبل الاحتلال. وربما يعود السبب في عدم
هدم الصليبين لقبة الصخرة، والاكتفاء بتحويلها إلى كنيسة، هو قناعتهم بالخطأ الشائع
وهو أن قبة الصخرة هي الهيكل المزعوم. أي أنها مبنى له قدسيته عند المسيحيين. ومما
يعزز هذا السبب هو أن الصليبيين هددوا صلاح الدين أثناء حصاره للقدس بأنه إذا لم
يقبل باستسلام المدينة وأصر على دخولها عنوة فإنهم سيهدمون قبة الصخرة، الأمر الذي
دعا صلاح الدين إلى قبول استسلام الصليبين له وتحرير القدس بدون احتلالها عسكريا.
أضف إلى ذلك أن الاحتلال
الصليبي للقدس أكد مركزية روما الدينية وجعلها تنافس القدس على مكانتها الدنيوية.
ففي الجدل البابوي(51) في القرن الرابع عشر اعتبرت روما القدس الجديدة. وفي الرسائل
التي وجهها الكاتب الإيطالي دانتي اليجيري(52) Danti Alighieri
سنة 1314م
إلى رجال الدين (الكاردينلات) المسؤولين على انتخاب البابا، بأن الإيطاليين يجب أن
يبكوا على روما كما بكا "اليهود على القدس"، لأن البابا كليمنت الرابع
Clement IV هجرها وجعل مركز البابوية مدينة أفجنون
Avignon، وحثهم على العودة إلى روما لأنها القدس الجديدة، أما
أفجنون فهي بابل. كما أن كاتب إيطالي آخر هو بترراك(53) Petrarch
أكد الربط بين روما والقدس، وأفجنون وبابل، واعتبر روما القدس الجديدة وأفجنون
بابل، في إشارة واضحة إلى مدينة الله عند القديس أغسطين والذي يعتبر فيها القدس
مدينة الخير وبابل مدينة الشر.
والواقع أن النخبة الإيطالية
عززت هذا المفهوم وأثرت على رجال الكنيسة ليعيدوا الكرسي البابوي إلى روما (القدس
الجديدة)، وهذا ما حصل. وربما تكون استجابة رجال الكنيسة للعودة إلى روما راجع
لقناعة الكنيسة، ومن تعاقب عليها من البابوات، بأن روما هي القدس الجديدة، اعتبار
من تأسيس الرسول بطرس Peter للكنيسة في روما.
وحقيقة الأمر أن تقليد روما
للقدس عمرانيا ومعماريا يعود للقرن التاسع الميلادي، فقد بذلت محاولات لتصوير القدس
فنيا وتقليدها(54) معماريا لاستحضار قدسيتها في الإيمان المسيحي، وذلك لعدم تمكن
المسيحيين من زيارتها. ربما بسبب الظروف السياسية أو بسبب المركزية التي مارستها
كنيسة روما. من هذه المحاولات(55) انجيل سان باولو San Paolo Bible،
والذي عمل حوالي سنة 870م في شمال فرنسا في بلاط الملك شارلز ذي بالد
Charles The Bald حفيد شارلمان، حيث صور الروح القدس التي نزلت
على الرسل في "غرفة القدس" The Room Of Jerusalem ،
(شكل-9).
 |
|
إضغط للمشاهدة |
 |
|
إضغط للمشاهدة |
واللافت للنظر أن ما يسمى بغرفة القدس ليس إلا شكلا ثمانيا يمثل قبة
الصخرة، خاصة مع ظهور قبة في الرسم يغطي الغرفة. أما الأبراج التي تحيط بالشكل
الثماني، فترمز إلى أبراج القدس. والغرفة بمجملها ترمز إلى أن روما هي القدس
الجديدة(56). أما الناس الذين يظهرون في أركان الغرفة من الخارج، فيرمزون إلى أن
روما باعتبارها القدس الجديدة يأتيها الناس من جهات العالم الأربع، كما
سيجيؤا إلى القدس في عيد العنصرة
(أعمال الرسل 2: 1-16) كما أن اختيار الشكل الثماني والمسقف بقبة، يرمز بوضوح إلى
قبة الصخرة باعتبارها الهيكل المزعوم. وهذا بدوره يوضح أن هذه الفكرة جاءت من
الكنيسة قبل أن تأتي من الحجاج المسيحيين الذين زاروا القدس. لأن الروح القدس لم
ينزل على الرسل مجتمعين حسب اللاهوت المسيحي إلا في القدس. ولكون الإنجيل أنتج في
فرنسا الكاثوليكية في القرن التاسع الميلادي، ولأن الشكل الثماني يمثل قبة الصخرة،
ولأن التركيز في الرسم أنصب على الرسول بطرس الذي أسس كنيسة روما، فالدعاوى بأن
روما هي القدس الجديدة تبدو مؤكدة في الكنيسة الكاثوليكية منذ القرن التاسع
الميلادي. أضف إلى ذلك أن بعض رجال الكنيسة في القدس قد قاموا بالاتصال بالإمبراطور
شارلمان(57) وأهدوه مفتاح كنيسة القيامة، كما توالت الاتصالات بين القدس وفرنسا في
الفترة الزمنية الممتدة من (813-881م) في محاولة لاستبدال الحماية البيزنطية
الأرثوذكسية بحماية فرنسية لاتينية، الأمر الذي عزز دعاوى الكنيسة الكاثوليكية
باعتبار نفسها بديلا للقدس.
كما يحوي الإنجيل تصور آخر
لبناية عيد العنصرة(58) (شكل-10)، والمبنى مقتبس عن القدس السماوية ذات الاثنا عشر
بابا وبرجا لكن البناية تعلوها قبة، كما تعلوا الأبراج قباب، وهذا التصور في حد
ذاته يجمع بين القدس السماوية والأرضية الممثلة هنا بعنصر واحد وهو قبة الصخرة.
هذه المحاولات التي تصور
"معجزة" عيد العنصرة في القدس مظهرة عناصر من نسيجها المعماري، تهدف في واقع الأمر
إلى تعزيز مكانة القدس في الوعي المسيحي والى استحضار صورتها كمدينة مفقودة، خارج
نطاق السيطرة المسيحية التي تتبع روما، كما تهدف إلى طرح روما كبديل(59) للقدس. أضف
إلى ذلك أن المفهوم السائد للقدس في إيطاليا في القرون الوسطى كان مزيجا من القدس
السماوية والقدس الأرضية. والقدس الأرضية التي تعرف عليها الإيطاليون في القرون
الوسطى، أي بعد احتلال الصليبين لها هي القدس العربية الإسلامية. حيث سهل هذا
الاحتلال الاتصال الأوروبي، والإيطالي منه بصورة خاصة الاتصال
 |
|
إضغط للمشاهدة |
 |
|
إضغط للمشاهدة |
بالقدس الأرضية. ولما
كانت المدن الإيطالية في هذا الوقت تشهد نموا حضريا(60)، فإن صورة القدس المكونة من
القدس السماوية والقدس الأرضية كانت نموذجا(61) مثاليا قلدته أهم مدن إيطاليا مثل
بولونيا Bologna ، بيزا Pisa
، فلورنسا Florence بورجوسان سبرلكرو Borg
Sansepolcro، وسينا Siena، وميلانو
Milan، وغيرها من المدن.
ولقد بلغ من استحواذ القدس على
الإيطاليين إلى درجة القناعة
بأن تضاريس القدس(62) قابلة للانتقال، وأنه يمكن إعادة تكوينها في مواقع جديدة من
خلال عملية تزاوج بين العمارة والطقوس الدينية. ففي حالة مدينة بولونيا نرى أن
التشبه بالقدس كان تقليدا(63) معماريا، فإعادة بناء كنيسة سان ستيفانو S.
Stefano سنة 1141م كان مزيجا من كنيسة القيامة وقبة الصخرة،
فمسقط كنيسة سان سبرلكو S. Sepolcro داخل كنيسة سان
ستيفانو كان شكلا ثمانيا، أما باقي الشكل فهو تقليد لكنيسة القيامة (شكل-11).
واللافت للنظر أن تصوير(64) الهيكل المزعوم في القرون الوسطى وعصر النهضة كان إما
إسقاطا مباشرا لقبة الصخرة أو مزيجا من عناصر معمارية منتقاة من كل من قبة الصخرة
وكنيسة القيامة.
أما في حالة مدينة بورجو
Borgo والتي وجدت في نهاية القرن العاشر الميلادي، فكانت
نتيجة رؤيا لمجموعة من الرهبان(65) الذين كانوا عائدين من القدس، حيث تصور لهم
المسيح وطلب منهم "بناء بيت جديد لقبره"، ثم أصبح اسم المدينة القدس الجديدة لتحل
محل القدس الحقيقية. أما مدينة فلورنسا فارتباطها بالقدس كان نتيجة لأسطورة(66)
تقول بأن موقع فلورنسا هو موقع القدس الجديدة، كما تبنت مشروع لإقامة مجموعة من
المباني تقلد فيها النسيج المعماري للقدس الأرضية، أما ارتباطها بالقدس السماوية
فيتمثل في تقليص عدد أبواب أسوارها إلى 12 بابا بدلا من 15 بابا حقيقيا، وذلك
ليتناسب مع أحد العناصر المعمارية للقدس السماوية.
أما مدينة بيزا Pisa
فكان ارتباطها بالقدس ارتباطا(67) بيئيا ومعماريا. فبيئيا تم فرش المقبرة الملحقة
بكنيسة البابتستري Baptistery بقاذورات أحضرت من القدس،
وذلك لكي يبدأ سكان بيزا حياتهم وينهوها وهم مرتبطون بالقدس. أما معماريا فكانت
كنيسة البابتستري Baptistery تعكس ارتباطا بكل من القدس
السماوية والأرضية، فموضعة الكنيسة في مركز المدينة يحقق هذا الارتباط. وموضعة
الكنيسة في مركز المدينة كان تصورا إيطاليا يعبر عن تقليد معماري لكل من القدس
السماوية والأرضية. وأقدم مثال(68) على هذا التصور يعود إلى القرن الثاني عشر، حيث
صورت القدس السماوية بمسقط دائري يحيط به أسوار عليها 12 برجا وفي مركزها الهيكل
المزعوم (شكل –12) والواقع أن اعتبار القدس السماوية
دائرية المسقط يتعارض مع رؤيا يوحنا اللاهوتي التي نصت على أن المدينة مربعة الشكل،
كما بينت سابقا. واللافت للنظر أن تصورا آخر للقدس الأرضية (شكل-13)
 |
|
إضغط للمشاهدة |
قام بعمله
الألماني ميشيل هارتمان(69) Michael Hartmann سنة 1493م
(والذي لم يشاهد القدس في حياته)، كان مطابقا لتصور القدس السماوية بعض الشيء. فلقد
صور هارتمان الهيكل المزعوم في مركز المدينة، وبشكل معماري شبيه بقبة الصخرة، وبنفس
موضعتها الحضرية أي مرتفعة على منصة ويوصل إليها بدرج. أما المدينة فهي محاطة
بثلاثة أسوار متوازية. وهذه الأسوار ترمز إلى ما ورد في العهد القديم، من أن نمو
المدينة وتوسعتها صاحبه نمو في امتداد أسوارها، ومع عدم صحة هذه الدعاوى كما بينت
سابقا، إلا أن هارتمان أخطأ في تصويرها متوازية لأن ما ورد في العهد القديم، على
عدم صحته، لم يشر إلى نمو المدينة نموا حلقيا أو دائريا، بل أفقيا وفي الاتجاهات
الشمالية والغربية والجنوبية، ولم يشر إلى أي نمو باتجاه الشرق. وهذا بدوره يؤكد أن
تصور هارتمان لم يكن مبنيا على معلومات موثقة بل على التصور السائد في اوروبا للقدس
الأرضية (القدس العربية الإسلامية) من أن المدينة محاطة بأسوار ثلاثة كما ورد في
العهد القديم، وان الهيكل المزعوم، الذي هو قبة الصخرة المشرفة في مركزها (70).
وهذا المفهوم الذي كان سائدا في القرون الوسطى خاصة (القرون: 11-14)، أخذ بعدا
نظريا وتطبيقيا وفنيا أكبر في عصر النهضة والذي سأتناوله فيما يلي من عرض وتحليل.
|