|
خاتمة
تناول البحث التخطيط العمراني
لمدينة القدس، كأطر عامة وليس بصورة تفصيلية. فعرض البحث ابتداء لمكانة القدس في
الديانات السماوية الثلاث، وبين دعاوى كل ديانة من هذه الديانات وارتباطها الروحي
بالمدينة، وخلص البحث إلى أن هذا الارتباط هو الذي شكل وما زال يشكل الخلفية
النظرية التي حكمت تخطيطها العمراني ونسيجها المعماري. كما بين البحث أن الارتباط
الديني بالمدينة شكل في التقاليد اليهودية والمسيحية مفهومين للقدس: القدس السماوية
والقدس الأرضية. أما الأولى فكانت نتاج رؤى دينية يهودية ومسيحية، فهي صورة ذهنية
وغير حقيقية، لأنه لا وجود مادي لها على أرض الواقع. وأما الثانية القدس الأرضية
فهي مدينة حقيقية لها وجودها المادي ممثلا بموقعها الجغرافي وهيكلها العمراني
وتركيبتها السكانية ونسيجها المعماري، الذي تشكل على مدى تاريخها، الذي حسم لصالح
الحضارة العربية الإسلامية. فأصبحت القدس الأرضية عربية إسلامية اعتبار من القرن
السابع الميلادي وحتى الآن. فاستعادت بذلك هويتها اليبوسية الكنعانية العربية،
وصبغتها بالهوية الإسلامية، الأمر الذي أسفر عن تشكيل هوية معمارية عربية إسلامية،
ممثلة بقبة الصخرة.
ثم عرض البحث للمفهوم الخاطئ،
الذي شاع بين الحجاج المسيحيين في القرن التاسع الميلادي، والذي اعتبر قبة الصخرة
هي الهيكل المزعوم. وبين البحث كيف كان هذا الخطأ مصدرا أساسيا في تشكيل التصور
الفني للقدس السماوية. كما بين البحث مصدرا التأثير الرئيسي على المدن الإيطالية
وهما: التصور الفني للقدس السماوية، والتخطيط العمراني للقدس الأرضية العربية
الإسلامية. وأن قبة الصخرة باعتبارها الهيكل المزعوم كانت العنصر الأكثر تأثيرا في
المدن الإيطالية في نهاية العصور الوسطى وعصر النهضة.
ثم تابع البحث عرضه للتعرف على
التخطيط العمراني لمدينة القدس، فقسم تاريخها إلى أربعة مراحل، تناول في المرحلة
الأولى نشأة يبوس أو سالم الكنعانية العربية سنة 3000ق.م. وغطت هذه المرحلة تاريخ
المدينة وحتى تاريخ احتلال اليهود لها سنة 993ق.م، كما يزعم العهد القديم، وبين
البحث عدم صحة موقعها الجغرافي، كما بين عنصرين من عناصر تخطيطها العمراني هما:
السور وحصن يبوس.
وتناول البحث في المرحلة
الثانية الوجود اليهودي في المدينة (993ق.م-70م)، فعرض للتوسعات المزعومة، ودحضها،
وذلك من خلال بيان التناقضات بين المصادر الكتابية اليهودية والاكتشافات الآثارية.
أما المرحلة الثالثة فعرض البحث بها للوجودين الروماني والمسيحي، وبين أن أول تخطيط
عمراني حقيقي وموثق للمدينة تم سنة 135م على يد الإمبراطور الروماني هدريان وأن
المدينة أصبح لها هوية معمارية مسيحية ابتداء من القرن الرابع الميلادي وحتى القرن
السابع.
وعرض البحث في المرحلة الرابعة
للقدس العربية الإسلامية ابتداء من القرن السابع وحتى القرن السادس عشر الميلاديين،
فبين البحث كيف تم الحفاظ، في هذه المرحلة على النسيج المعماري المسيحي والتركيبة
السكانية في المدينة. كما بين البحث كيف تم إعادة تشكيل النسيج المعماري في المدينة
لتكتسب هوية معمارية عربية إسلامية، لم يتمكن الاحتلال الصليبي من زعزعتها، كما لم
يتمكن الاحتلال اليهودي الحالي من تغييرها. وتابع البحث عرضه في هذه المرحلة لعناصر
التخطيط العمراني والنسيج المعماري للقدس العربية الإسلامية من خلال وصف كل من:
الجغرافي العربي البشاري المقدسي في القرن العاشر الميلادي، ووصف مجير الدين
الحنبلي في القرن السادس عشر الميلادي.
ثم تابع البحث عرضه ليبين
تأثير القدس على المدن الإيطالية في العصور الوسطى، فوضح ارتباط المسيحية
الكاثوليكية بالقدس، وعرض للجدل البابوي والنخبة الثقافية الإيطالية، وبين كيف أسفر
هذا الجدل عن اعتبار روما القدس الجديدة. كما بين كيف حذت باقي المدن الإيطالية حذو
روما واعتبرت نفسها قدسا جديدة، أو تشبهت بها، سواء بتقليد تخطيطها العمراني أو
بتقليد قبة الصخرة وكنيسة القيامة، كما فعلت فلورنسا وبولونيا وميلانو وبورجوسان
سبرلكرو وغيرها… كما بين البحث أن تقليد القدس لم يقتصر
على تخطيطها العمراني أو نسيجها المعماري بل شمل بيئتها أيضا، كما فعلت مدينة بيزا.
كما بين البحث أن الاحتلال الصليبي للقدس عزز الخطأ الشائع بأن قبة الصخرة هي
الهيكل المزعوم، كما سهل الاتصال، الأوروبي بصورة عامة والإيطالي بصورة خاصة،
بالقدس الأرضية، والتي هي القدس العربية الإسلامية. الأمر الذي أدى إلى تأكيد حضور
بعض عناصرها العمرانية كالأسوار والأبواب.
والمعمارية كقبة الصخرة في التصورات التي وضعها المعماريون والفنانون الإيطاليون
للقدس السماوية وللقدس المثالية التي تم تقليدها كليا أو جزئيا في المدن الإيطالية.
كما بين البحث كيف تطور
التقليد الإيطالي للقدس، الذي ساد في القرون الوسطى من كونه تقليدا ماديا شكليا
ناتجا عن ارتباطات دينية وروحية بالمدينة، إلى تقليد فني وأطر ممارسة نظرية معمارية
في عصر النهضة. حيث عرض البحث لتصورات المدينة المثالية كما تخيلها بعض المعماريون
والفنانون الإيطاليون، وبين حضور بعض عناصر التخطيط العمراني للقدس الأرضية في هذه
التصورات. حيث ركزوا على تقليد قبة الصخرة، وجعلوا منها ومن موضعتها الحضرية نقطة
استقطاب بصري في وسط المدن المثالية، التي يجب أن تكون المدن الإيطالية على
نموذجها. ثم بين البحث كيف أخذ تقليد القدس بعدا نظريا معماريا عند أشهر معماريي
عصر النهضة وهو البرتي، وكيف تم تطبيق هذا الإطار النظري في تصميم كنيسة
الهيكل الصغير في روما. وخلص البحث
إلى أن الحضور الفني والمعماري لقبة الصخرة في أعمال فناني ومعماريي عصر النهضة
أثبت أن التأثير الفني والمعماري لمدينة القدس الأرضية كان أقوى من التأثير الديني
الممثل بالقدس السماوية. وأن الهوية المعمارية العربية الإسلامية للقدس، الممثلة
بقبة الصخرة، وعناصر عمرانية وحضرية أخرى، فرضت حضورها على التخطيط العمراني،
والنسيج المعماري لمعظم المدن الإيطالية. كما بين البحث أن هذا الحضور الفني
المعماري العربي الإسلامي قد امتد إلى يهود إيطاليا المقيمين في البندقية. إذ وضح
البحث كيف زعم يهود البندقية أن هيكلهم المزعوم هو قبة الصخرة، حيث وضعوا شكل قبة
الصخرة شعارا لكتبهم الصادرة في البندقية منذ منتصف القرن السادس عشر. وفند البحث
الإدعاء اليهودي ونوه بالدوافع الدينية والسياسية وراء هذا الإدعاء.
وخلص البحث إلى أن التقليد
العمراني والمعماري، خاصة تقليد قبة الصخرة، الذي
قامت به الديانتان ما هو إلا
اعتراف صريح وواضح بالهوية المعمارية العربية الإسلامية لمدينة القدس، وأن الصراع
الحضاري على هذه المدينة حسم لصالح الحضارة العربية الإسلامية.
|