|
حسن و ابنته ميرفت
عاد الشاب حسن أبو شعيرة إلى بيته في مخيم (بيت جبرين) للاجئين الفلسطينيين في مدخل
مدينة بيت لحم الشمالي و هو فرح ، رغم أنه كان منهكاً بسبب عمله الشاق في أحد
الفنادق .
كان حسن بسيطاً في تعليمه و معيشته ، و كذلك كان ذكياً و حساساً جداً لمعاناة أهله
و شعبه ، خصوصاً و أنه يعيش في مخيم للاجئين ، و مثلما جاء أبواه من قرية (بيت
نتيف) قرب مدينة (الرملة) الفلسطينية ، بعد أن احتلها الصهاينة و شرّدوا أهلها عام
1948م و الذي يسمّيه الفلسطينيون و العرب و الأحرار في العالم عام النكبة ، التي
أقيمت فيه دولة (إسرائيل) على أنقاض الشعب الفلسطيني ، فإن جميع أهالي المخيم جاءوا
من قرى هدمها المحتلون بعد اقتحامها و قتل العشرات من سكانها المدنين العزل ، و
خصوصاً من قرية (بيت جبرين) التي جاء منها معظم سكان المخيم و الذي سمّي المخيم
باسمها ثم أطلق على المخيم اسم (مخيم العزة) .
كان حسن يرى و يسمع و يشعر بمعاناة أهله في المخيم الذي ولد فيه عام 1969م و في
المدن و القرى المجاورة ، و نشأ و هو يرى جرائم المحتلين الصهاينة فانضمّ إلى
المقاومة عام 1985م و نتيجة لذلك اعتقله المحتلون و زاده السجن إصراراً على مواصلة
النضال ، فعندما خرج منه شارك مجموعات المقاومة في مخيمه في الانتفاضة الفلسطينية
الكبرى (1987 - 1992م) و تكرّرت تجربة السجن معه ، و في انتفاضة الأقصى التي بدأها
الشعب الفلسطيني في 28/9/2002م ، كان حسن ضمن مجموعات العمل العسكري السري ، و شاهد
كيف ارتكب المحتلون الصهاينة جرائم قتل للأطفال و الشيوخ
و الرجال بدم بارد ، مثلما حدث مع الشهيد الطفل محمد الدرة الذي قتل و هو يحاول
الاحتماء بحضن أبيه ، و الطفل مؤيّد الجواريش الذي قتله قناص صهيوني بينما كان يحمل
حقيبته المدرسية على ظهره فتناثر مخه على دفاتره المدرسية .
و عندما عاد حسن مساء ذلك اليوم إلى منزله ، حدثته ابنته ميرفت كيف سقط مؤيّد بين
أيدي أصدقائه الأطفال في نهاية يوم دوام مدرسي ، و نقل مصوّروا وكالات الأنباء
العالمية صور مؤيّد إلى أنحاء العالم ، و لكن هذا العالم بقي نائماً عن مأساة
الفلسطينيين .
و لم يحرّك هذا العالم ساكناً ، حتى عندما خرج الطبيب الألماني (فيشر) من منزله
ليلاً ليسعف مصابين فلسطينيين فقصفته المروحية العسكرية الصهيونية أمام منزله و لم
يعد لأطفاله و أبنائه الذين كانوا ينتظرونه ، و مثلهما الكثير من الشهداء .
و من الصعب على حسن أو على غيره من الفلسطينيين أن ينسوا ليلة القصف المخيفة تلك ،
التي ذهب فيها الدكتور (فيشر) إلى غير عودة ، كانت مروحيات الاحتلال تطلق النار
على كل شيء متحرك .
و في الصباح ، ذهب حسن إلى منزل الدكتور فيشر ، مثلما فعل المئات من المواطنين ،
كانت رائحة الدم المختلط مع التراب تزكم الأنوف ، في المكان الذي سقط فيه الدكتور
فيشر بينما كانت إحدى القطط ، غير عابئة بحركة المواطنين ، تضع قطعة صغيرة من اللحم
في فمها و تركض بها إلى الحقول المجاورة لتنضم إلى قطط أخرى كانت تفتّش بحاسة الشم
عن قطع أخرى تناثرت من جسد الطبيب الذي قطّعته القذيفة الصهيونية إلى أشلاء يصعب
حصرها .
كان منزل الدكتور ذي الطابقين يعجّ بالمواطنين ، و كانت زوجة الدكتور جالسة ترتدي
ملابس سوداء وسط النساء ، تحاول أن تتماسك أمام أبنائها ، بينما كانت مجموعات
النساء تشدّ من أزر الزوجة و الأبناء .
و بعد أن قام بواجب العزاء ، خرج حسن من المنزل ، و على الدرج سمع إحدى النساء تقول
لامرأة أخرى :
-هذا قدرنا ؟ ماذا نفعل ؟ يجب أن نقبل به .. !
و لم يقبل حسن على نفسه أن يجلس يندب قدره و حظّه و هو يرى جبروت الاحتلال الصهيوني
بينما أشقاؤه العرب و المسلمون و العالم كله لا يحرّك ساكناً ، ففكّر بكيفية مواجهة
المحتلين المدجّجين بالأسلحة الحديثة و التكنولوجيا خصوصاً تلك التي تأتيهم من
أمريكا ، و رغم أنه أدرك صعوبة ذلك إلا أنه قرّر أن يفعل شيئاً ، و قال لنفسه : "لن
أكون بأقل من الشهداء غيري الذين قاوموا ظلم الاحتلال طوال عشرات الأعوام" .
و هداه تفكيره إلى خطة بدت جنونية و هدف منها ليس فقط المشاركة في المقاومة بل
الانتصار على الجيش الصهيوني الذي يقول عنه الصهاينة إنه جيش لا يقهر ، و أكثر من
هذا قرّر الانتصار على المخابرات الصهيونية التي تعدّ من أقوى مخابرات العالم ؟ فهل
سينتصر فعلاً ؟ .
كما قلنا عاد حسن فرحاً إلى المخيم حيث يسكن و دخل منزله ، و رغم أن زوجته أدركت
بأنه فرحٌ إلا أنها أبدت استغرابها عندما رأته ساهماً و هو يحتضن ابنته ميرفت بعد
أن سألها عن مدرستها ، و لم تشأ زوجته أن تضايقه بإلحاحها و أسئلتها فتركته على
سجيّته و قالت في نفسها : "الله يحميه و يحمي جميع الشباب من البطش الصهيوني" .
قالت ميرفت لأبيها :
- اليوم لم نكمل الدراسة بعد أن قذفنا جنود الاحتلال بقنابل الغاز المدمع و
أصابوا العشرات من التلميذات بالاختناق .
و سألت ميرفت :
- إلى متى سيبقى المحتلون هكذا يسرقون الأرض و يقتلون الأطفال و يطاردونهم
في مدارسهم ؟
ربّت حسن بيده على كتف ابنته و ضمّها إليه بحنان قائلاً :
- ثقي يا ابنتي لن نجعل المحتلين ينعمون بالأمن و الهدوء و نحن نراهم يقتلون
رجالنا و نساءنا و أطفالنا و يشرّدوننا عن أرضنا ..
قفزت ميرفت من حضن والدها و كأنها تذكّرت شيئاً :
-هل تعرف يا والدي ؟ ، جنود اليهود جبناء ، اقترب أحدهم من المدرسة و هو
يصوّب بندقيته نحو مجموعة من الطالبات الصغيرات ، و قبل أن يطلق الرصاص ، رشقته
الطالبات بالحجارة و عندما رآهن يحملن الحجارة هرب و هو يصرخ .. !
قال حسن :
- هذا هو الفرق ، يا ابنتي بين صاحب الحق و السارق الذي يعرف أنه يعتدي على
الناس و لا يستطع أن يعيش إلا إذا قتل أكبر عددٍ منهم ليطمئن و لو قليلاً ، و لكن
المقاومين لن يتركونهم ..
ردّت ميرفت :
- عندما أكبر يا والدي ، سأنضم للمقاومة ضد قتلة الأطفال .
ترك حسن ابنته لتذاكر دروسها ، و بعد أن أخذ له مكاناً في المنزل ، بدأ يستعرض ما
جرى خلال الأيام الماضية و يكاد لا يصدّق نفسه بأنه كسب ثقة رجل المخابرات الصهيوني
البارز (مودي) .
و تساءل حسن فجأة "هل يمكن فعلاً أن يكون (مودي) بلع الطعم" ؟؟ ... و سرّ تساؤل حسن
هو معرفته الأكيدة لشخصية الضابط الصهيوني (مودي) .
|