الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الضابط (مودي)


كان (يهودا إدري) الملقب (مودي) من أذكى ضباط المخابرات الصهيونية (جهاز الأمن العام) و المسمّى (الشاباك) و هذا الجهاز مختص بملاحقة الفدائيين الفلسطينيين و اغتيالهم و اعتقالهم و التحقيق معهم ، و على يد محقّقي هذا الجهاز سقط العشرات من الشهداء الفلسطينيين في زنازين المحتلين التي يمارس فيها أبشع أنواع التعذيب .


و نظراً لذكائه و مثابرته أصبح برتبة (لفتنانت كولونيل) أي عقيد في شعبة الاستخبارات العسكرية ، و انتقل إلى الخدمة في جهاز (الشاباك) بعد اندلاع انتفاضة الأقصى للمساعدة في جمع المعلومات الاستخبارية و تجنيد و تشغيل العملاء و تنفيذ اغتيالات ضد الكوادر الفلسطينية .


و لم يكن اختيار (إدري) الذي أصبح اسمه الكودي بعد انتقاله إلى (الشاباك) (مودي) عفوياً لمهمة قيادة ملف (504) المناط به تجنيد العملاء و المسؤولية عن تصفية كوادر الانتفاضة ، فهو يجيد اللغة العربية و يتحدّثها بطلاقة و خبير في العادات و التقاليد العربية ، و كان من أبرز المحاضرين في دورات إعداد وحدات (المستعربين) و ضباط الاستخبارات ، و وحدات المستعربين هي ما يسمّيها الفلسطينيون وحدات الموت ، حيث يقوم أفرادها من الكوماندوز بالتخفّي بالزي العربي ومهاجمة الأفراد و المواطنين الذين يتقرّر تصفيتهم أو اعتقالهم من قبل أجهزة مخابرات الاحتلال .


و يعتبر العقيد (مودي) من غلاة المتطرفين المستوطنين ، و هو يسكن في إحدى المستوطنات التي أقيمت على أرض تم اغتصابها من الفلسطينيين و تشريد سكانها .


و منذ تسلّم عمله الجديد في (الشاباك) بدأ (مودي) عمله بهمة و نشاط و استطاع التخطيط لقتل حسين عبيات قائد كتائب الأقصى التي انتمى لها حسن أبو شعيرة ، و ذلك بقصف سيارته بالصواريخ مما أدّى إلى استشهاده و استشهاد سيدتين هما : عزيزة دنون و رحمة شاهين .


كان حسين عبيات نزل بسيارته مع آخرين من المقاومين إلى مدينة بيت ساحور ، لمعاينة آثار القصف الصهيوني على منازلها ، و بعد أن أوقف سيارته على جانب الشارع نزل و رفاقه إلى المنازل المتضررة ، و عندما عادوا إلى السيارة ، أطلقت الطائرات الصهيونية التي كانت تحلّق بعيداً الصواريخ على السيارة فهشّمتها ، و استشهد حسين و السيدتان و أصيب آخرون .


و رغم أن عملية قتل القائد حسين عبيات الذي أرّق جنود الاحتلال و المستوطنين بعملياته الجريئة ، لم تستلزم من (مودي) كثيراً من العمل الاستخباري ، بسبب عدم أخذ حسين الاحتياطات اللازمة في التخفّي ، و اعتماد (مودي) و رؤسائه في (الشاباك) على التفوّق التكنولوجي و الطائرات الأمريكية المزوّدة بأحدث الأجهزة ، إلا أن قتل حسين عبيات ، أثار سعادة كبيرة لدى قادة (إسرائيل) ، و لم يخفِ هؤلاء فرحهم بقتل عبيات ، و عبّر عن ذلك الفرح ، بشكلٍ علني رئيس دولتهم (موسى قصاب) و رئيس حكومتهم الجنرال (باراك) و قائد الجيش الجنرال (موفاز) و سلسلة طويلة من المسؤولين الصهاينة .


و في أحد مكاتب الشاباك كان (مودي) يشرب مع زملائه و على رأسهم أمير الظلام الغامض قائد الشاباك نخب الانتصار بمناسبة قتل حسين عبيات .


و تمكن (مودي) أيضاً من التخطيط لاغتيال الشهيد يوسف أبو صوي و هو أحد كوادر انتفاضة الأقصى البارزين ، الذي كان يمارس نشاطه بسرية تامة و لا يظهر كثيراً بشكلٍ علني ، و لكنه لم يستطع مقاومة الذهاب إلى منزل والده لتناول إفطار رمضان ، و وصل إلى منزل والده و كان يظن أنه نجح بذلك دون أن ترصده عيون (مودي) و لم يعرف بخطئه إلا قبل دقائق من أذان المغرب ، فعندما نزل يوسف إلى أمام المنزل ، كانت سيارة تتقدّم منه بسرعة يسبقها إطلاق عيارات نارية من قناصة محترفين باتجاهه ، و تغطّي عليها مئات الطلقات النارية التي انطلقت من الرشاشات الثقيلة من مواقع جيش الاحتلال على التلال القريبة من المستوطنات . و سقط يوسف شهيداً و جسده مطرّزاً برصاص الحقد .


و نجح (مودي) كذلك في اغتيال الشهيد (أحمد خليل أسعد) القائد في سرايا القدس و هي الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية .


كان هذا المقاوم المعروف باسم (أبو خليل) قدّم الكثير من أجل وطنه و أمضى سنوات طويلة في المعتقلات الصهيونية بسبب نضاله ضد الاحتلال ، و في انتفاضة الأقصى كان يقود مجموعات عسكرية و خلايا تنشط ضد المحتلين و لم يتمكّن (مودي) من النيل منه ، فاعتقل والده العجوز و رماه في زنازين التعذيب كوسيلة ضغط على (أبو خليل) ، الذي كان يعرف أن النضال ضد الاحتلال له ضرائبه و يلزمه تضحيات ، فاستمر في العمل سراً ، و لم يكن يتردّد على منزله إلا نادراً خوفاً من رصده من قبل رجال (مودي) ، الذي درس عدة خطط للتخلّص من أبي خليل ، و وجد أنجحها تلك التي ستنفذ عندما يكون (أبو خليل) في منزله .


و عندما تأكّد (مودي) أن (أبو خليل) في تلك الليلة في المنزل ، أعطى الإشارة إلى وحدة الاغتيالات الخاصة بتنفيذ الخطة ، و أمضى أفراد تلك الوحدة ليلتهم في الجبل البعيد المقابل لمنزل (أبو خليل) الذي عندما خرج صباحاً من منزله ، كان أفراد هذه الوحدة المتخفّين يطلّون برؤوسهم من الخنادق التي حفروها في الجبل يطلقون العيارات النارية من الرشاشات الثقيلة ليسقط (أبو خليل) أخيراً أمام عيني ابنته الصغيرة .


و جعل هذا النجاح (مودي) يبدو مغروراً خصوصاً بعد الثناء الذي كان يلقاه من رئيسه في الشاباك (آفي ديختر) ورئيس دولة الكيان الصهيوني و رئيس وزرائها و قائد جيشها .


و لكن رغم هذا النجاح إلا أن الانتفاضة كانت تسير بخطى واثقة و العمليات الفدائية مستمرة ، و كان على (مودي) أن يحاول اختراق مجموعات المقاومة و لهذا ذهب إلى حسن بعد أن درس ملفّه بالطبع ، و عرف أنه كان نشيطاً في العمل الفدائي ثم ها هو يراه مبتعداً عن العمل الفدائي و يعمل عملاً شاقاً في فندق و لا بد أنه بحاجة للنقود .


قال (مودي) لحسن :
-كما تعلم فإننا نعرف كل شيء عنك : عندما عملت في السابق مع (المخرّبين) ، تمكّنا من القبض عليك و سجنك أكثر من مرة .. !


فأجابه حسن :
-ما دمتم تعرفون كلّ شيء ، فإنّكم لا بد تعرفون أنني تركت كلّ شيء و أهتم فقط بتوفير لقمة الخبز لأبنائي في هذه الظروف القاسية .


ردّ عليه (مودي) :
- قلت لك نعرف كلّ شيء عنك ، و لهذا نريدك أن تساعدنا في القبض على (المخرّبين) .


أجابه حسن بلهجة حازمة و واثقة :
- لقد تركت العمل المقاوم و لا أعرف أي شيء ، و لا أستطيع مساعدة أحد سواء كنتم أنتم أو غيركم .


قال (مودي) بلهجة تهديد :
- لك زوجة و أبناء ينتظرون عودتك كلّ يوم ، و إذا لم تعمل معنا ، فأنت تعرف بأننا نستطع قتل زوجتك و أطفالك ، مثلما فعلنا ذلك كثيراً ، فاعمل معنا أحسن لك ..!


و تراجع (مودي) عن لهجته السابقة و قال بتودّد :
- .. و إذا عملت معنا لن نبخل عليك ، و بدلاً من أن تفقد أطفالك ، سنعطيك مالاً لتصرف عليهم ..!
و تكرّرت الضغوط من (مودي) على حسن الذي بدا له عرض (مودي) مفاجأة محزنة له ، إلا أنه فكّر أن يجعل الأمر مختلفاً و يقلب السحر على الساحر ..!


و بعد أشهر من مجاراة (مودي) و إيهامه بأنه يعمل معه ، قال له (مودي) :
- يا حسن أنت من أفضل عملائنا ، و أثبت إخلاصك و نرجو أن تستمر بالعمل معنا بهمة عالية و نحن لن نبخل عليك بأيّ شيء تطلبه .


و كان ذلك يعني أن حسن استطاع أن يكسب ثقة (مودي) ، و أن هذا لا يشكّ في حسن ، لذلك كان فرحاً في ذلك المساء عندما عاد إلى منزله .