|
ميرفت و حسن
بعد قليل من الحادث كان رفاق حسن و جماهير غفيرة بدأت تتوافد على منزل حسن في مخيم
(بيت جبرين) ، فرغم أن أجهزة المخابرات الصهيونية لم تعلن اسم الضابط القتيل أو اسم
الذي قتله ، إلا أن جميع المعلومات كانت لدى الكتائب ، فهي تعرف من هو (مودي) و أن
الذي صفاه هو (أسد الكتائب) حسن أبو شعيرة ، كما أطلق على حسن . و أصبح أفراد
الكتائب مصدر المعلومات الموثوق لوكالات الأنباء العالمية التي انشغلت بالنبأ
الصاعق على أجهزة مخابرات الاحتلال .
في مخيم (بيت جبرين) بدأت المفاجأة على أسرة حسن ، كانت الأخبار تأتي تباعاً ، و
لكن الخطأ الذي ارتكبه رفاق حسن ، رغم جهدهم الاستخباري و التدريبي الذي يثير
الإعجاب ، فهو تصديقهم لرواية المخابرات الصهيونية حول مقتل حسن ، و يبدو أنهم من
خلال رصدهم للعملية شاهدوا حسن و هو يسقط برصاص الحارس الثاني ، فاعتقدوا بأنه
استشهد ، مع أنه في مثل هذه الحالات و بغياب رواية صادقة أو مستقلة ، فلا يجب أبداً
الركون إلى روايات مخابرات معادية .
المهم بينما كان الحزن و الصدمة تعلو وجوه مسئولي المخابرات الصهيونية ، كانت
الجماهير التي هبّت إلى منزل حسن تشعر بسعادة لما قام به من أجلهم و من أجل وطنه .
و أقيمت لحسن خلال الأيام التالية مهرجانات وطنية و ألصقت صوره على الجدران و طبعت
على القمصان و أصبح اسمه على كل لسان كبطل يحتذى ، و كان الجميع في انتظار تسلم
جثمان حسن الذي سلّم لأهله بعد 12 يوماً من العملية ، و تبيّن بعد فحص الجثمان ،
خطأ تسرّع الكتائب بتصديق الرواية الصهيونية حول مقتله ، لأن الشواهد تدلّ على أن
حسن اعتقل بعد إصابته و تعرّض لتعذيب قاس ، فهناك حروق على الجثمان و أحشائه مفقودة
و تم فقأ عينه اليمنى و أصابعه مقطعة و هناك آثار لسبع رصاصات أطلقت على رأس حسن من
نقطة صفر .
و نقل جثمان حسن بالزغاريد إلى مثواه الأخير لدفنه بجانب قائد الكتائب الشهيد حسين
عبيات ، و رأى المشيّعون زوجة حسن و هي تتقدّم و تحمل في نعشه بدون أن تذرف أية
دمعة و تهتف بحياته و حياة جميع الشهداء ، و بجانبها تسير ابنتها ميرفت .
و بعد الجنازة و في ساحة المخيم الذي ولد فيه حسن مشرداً عن بلدته الأصلية ، وقفت
ابنته ميرفت تمسك الورقة التي خطّها و اطمئن عليها ليلة ذهابه لموعده مع ضابط
(الشاباك) و لم تكن إلا وصيته ، و تلتها ميرفت بصوت واثق و هي ترتدي قميصاً عليه
صورة والدها الشهيد :
(بسم الله الرحمن الرحيم)
وداعاً يا دنيا
إلى الذين يريدون معرفة الحق و فتح أبصارهم على النور و إنقاذ أنفسهم من أن يكونوا
فرائس سهلة بين أنياب و مخالب هذه الدنيا ، أقول ضارعاً إلى الله عز و جلّ أن يتقبل
منا و أن يجعله في ميزاننا يوم القيامة و أن يكون خالصاً لوجهه و أن ينفعنا و ينفع
بنا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .
أما بعد ... فأنا حسن سعيد أحمد حسن أبو شعيرة من سكان مخيم العزة أبلغ من العمر 32
سنة متزوج و يوجد لديّ أطفال (3) و أرجو من الله أن لا ينساهم أحد من الشرفاء و من
أهلي العظام في هذا المخيم من بعدي ، أهلي سوف أقوم بكلّ فخر بعمل بطولي في سبيل
الله و الوطن و في سبيل شهداء الأقصى و أثأر لكلّ شرفاء فلسطين و من هنا أقول إلى
أهلي و جيراني المناضلين و أبناء هذا المخيم المناضل أن يستمروا في مسيرة الكفاح
حتى النصر و يرجع الحق إلى أهلنا بإذن الله و أقول حسبنا بالله و نعم الوكيل ..
أهلي الكرام أبناء عمّي أجمعين .. أنتم من جعلني بكلّ فخر و اعتزاز أن أكون بطلاً
من أجل هذا الوطن و بهذا أقول سوف أقوم بعملٍ بطولي في أقرب وقتٍ ممكن .. يا رب بأن
يكون هذا مشرّفاً لكم و لكل فلسطيني ، لا تنسوا أبنائي يا أهلي من بعدي حتى أطمئن
في قبري ..
و أخيراً أقول :
بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالي
(و لا تحسبن الذين قتلوا في
سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)
صدق
الله العظيم ...
أخوكم :
حسن سعيد أبو شعيرة
في حركة فتح
أنا شهيد أنا شهيد يا رب يا رب
في سبيل الله و فلسطين
الأقصى في دمي
وداعاً
5/6/2002
و أصبح حسن نموذجاً و مثلاً ، و كتب رفاقه الذين تابعوا العمل من بعده على صورة
جدارية كبيرة له في مدخل المخيم الذي ولد و عاش فيه بعيداً عن بلدته الأصلية
المدمّرة :
(إن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقّي) .
|