الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة

 

فلسفة المدافعة

 

بقلم الأستاذ الدكتور يوسف موسى رزقة

عميد شؤون الطلبة في الجامعة الإسلامية-غزة

 

فلسفة المدافعة :

من السنن الكونية المدركة بالإخبار (الوحي)، وبالتأمل المنصف (العقل الواعي) سنة "المدافعة"، التي تمثّل إحدى معادلات الكون والحياة. إن الكون في حقيقته، والحياة في فطرتها يقومان على ثنائيات متغالِبة يدفع بعضها بعضاً، فالخير على سبيل المثال والعموم يدفع الشّر، والحق يغالب الباطل، والموت يصارع الحياة، وكذا الأمر بين الإسلام والكفر، والعدل والظلم، و الإعمار والإفساد، والحرية والاستعباد وهلم جرا، وصدق الله العظيم في قوله الحكيم: )فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (سورة البقرة:251)

 

لقد جاءت الآية في سياق التعقيب على صراع نبي الله داود ممثل الخير وداعيته مع "جالوت" زعيم الشر وحامل لوائه كما يفهم من قوله سبحانه )فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ) (البقرة:251)   

 

إن قيام الملْك العدْل، وامتلاك الحكمة والعلم أمور ترتبط بشكل أو بآخر بقتال الظلم ودفعه، وكأنه لا حكمة ولا علم ولا ملك مع ترك الظالمين وظلمهم يعدون على المؤمنين،لأن في ذلك الترك إفساد في الأرض. ومن ثم جاء التعقيب الإلهي على قصة القتال الخاصة المحددة بين " داود عيه السلام وجالوت" تعقيباً عاماً يكشف عن حقيقة هامة تقول: إن رفع الإفساد في الأرض بغض النظر عن فاعله لا يكون إلا بدفعه وقتاله وصرْعه، والتغلب عليه. وإن الدفع نفسه، و ما قد يتلوه من علو الحق ورفع للفساد، إنما هو فضل الله على العالمين.

 

إن آية " الدفع" هذه تنتقل بنا من الخاص إلى العام، لتقرر سنة الله الكونية والحياتية التي تنْظم العلاقات بين مكونات الحياة والكون. هذه العلاقات قائمة على المدافعة والمغالبة، وهي تسكن طرفي المعادلة التي نلخصها عادة بمعادلة (الخير والشر) . وجوهرها يقول : إنْ تخلّفت المدافعة بسبب سكون الخير وأهله، عمّ الفساد والإفساد، و مَلَكَ وحكم واستغلظ واستعصى، وربما تألّه ونادى لنفسه بالربوبية.

 

إن التوقف عن المدافعة يعنى السكون والاستسلام، ويعنى الإفساد في الأرض حيث يقيم الإنسان حياته وحضارته، ويمارس رحلة الاستخلاف والاختبار والعبادة التي قضاه الله على آدم وذريته. ثم إن هذا "الإفساد" الوارد في آية سورة البقرة بلفظ العموم يشرحه ويفصله الخطاب القرآني الكريم في آية الحج في قوله تعالي: ) وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج:41)

 

فهو إفساد بمعنى الهدم والتدمير للصوامع والبيع والمساجد، وهذه مكونات مادية مكانية تحتوى الإنسان القائم على الصلاة والذكر فيها وفق معادلة الخلق والتكْليف والاستخلاف، غير أن  ذكْر الخطاب" للصلاة والذكر" بين المكونات المادية يخبرنا أن غرض الإفساد الأول و الرئيس يتجه إلى هدم "الدين"، وهدم حامله، قبل أن يتجه إلى هدم مكان العبادة والصلاة. غياب المكان: "المسجد أو الصومعة، أو البيعة " لا يمنع المؤمن من القيام بواجبات دينه، وتحقيق معادلة الاستخلاف والعبادة في حياته وفق ما يطلب الشارع الحكيم، ومن ثمّ جاء في الحديث الشريف ما يفيد أن هدم الكعبة المشرفة- على قداستها ومنزلتها- أهون عند الله سبحانه وتعالي من قتل امرئ مسلم ظلماً.

 

إن حقيقة الإفساد التي يعرفها قادته، والتي تسكن فكرهم وفعلهم، تتجه دوماً إلي المسلم هدماً وقتلاً وتدميراً ، قبل أن تتجه إلى المكان ممثلاً في المسجد أو المؤسسة أو المركز، وإن هدم المسلم يؤول في النهاية إلي هدم الدين ذاته، وإحلال شرْعة الظالم نفسه، بغض النظر عن المصطلحات المعنونة لهذه الشرعة من كفر أو علمانية أو شيوعية، أو غيرها.

 

إن مِنْ ظَلَمة اليوم المعتدين من يقوم ببناء المساجد والمراكز والمؤسسات ذات العلاقة بالدين، ليظهر أمام الناس وكأنه حارس للدين وخادم له، بينما هو حرب على عمار المساجد والمؤسسات والمراكز الدينية حين يعمرونها على وجه الحقيقة وفق تكاليف الوحي وسنة الأنبياء عليهم السلام، أو قل حين يعمرونها بوعّي وفهم لسنة المدافعة التي نص عليها الخطاب القرآني وحرض عليها، وكشف عن جوهرها وطبيعتها التي يجب أن تتجه إلى رفع الإفساد بمقاتلة الظالم المفسد وردعه عن ظلمه وإفساده.

 

إن بلاغة الخطاب القرآني تنبهنا إلى طبيعة هؤلاء الظلمة، وإلى ما يخفونه في مخططاتهم وبرامجهم وأنفسهم، حين جمع الخطاب بين المكان والصلاة والذكر في إعلان واضح أن حرب هؤلاء تتجه أصلاً إلى الدين، وإلي الإنسان حامل هذا الدين بالهدم والتدمير قبل أن تتجه إلى المكان بالهدم أو الإغلاق، أو المصادرة، أو منع إقامته ابتداءً، ومن ثّم  سَنّ الخطاب في الآيتين للمسلمّ المدافعة وأوجبها عليه حفظاً لدينه ودمه، وتحقيقاً للعدل والحرية، و وممارسة للحياة وفق مقتضيات الوحي والاستخلاف، واستجابة لنداء الأجيال التالية المطالبة بالإسلام والعيش في ظلال الوحي والعدل والحرية.

 

إنه لا خيار للمسلم إن فقه دينه، وفقه الحياة الكريمة، وفقه سنن الله الكونية والحياتية، بين أنْ يمارس المدافعة الرافعة للإفساد، وبين أن يترك دفع الظالمين وإفسادهم في الأرض. لأن إسلام المرء لا يكتمل بغير المدافعة، وإن الحياة الإسلامية الكريمة لا تكون بغير مدافعة الظلم والإفساد، وإنه ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا. ولا تكون الذلّة إلا بعلو الكافر والمنافق والظالم وتحكّمه في رقاب المؤمنين، بل والأدهى من ذلك وأمر أن يتحكم الظالم بدين المؤمنين يقبل منه ما يشاء ويرفض منه ما يشاء، تحكيما لهواه وشرعته.

 

إنّ آية المدافعة آية كونية وحياتية لمن أراد حياة نبوية رسالية، فمن أعرض عنها، أو غفل عنها، أو قبل بغيرها، فقد بإعراضه الحياة الحرة الكريمة، وضل الطريق الموصل إليها، وهذه في الدنيا لعمرك خسائر فادحة من أجلها تقوم الصراعات والحروب، ولكن خسارته الكبرى التي لا يملك لها عوضاً ما يلحق دينه من هدم وتدمير، يفقد معهما الرضوان والقبول، وهما غاية الحياة وأمنيتها عند كل مسلم صادق؛ ومن ثمّ وهذه خسارة أكبر أن يتوارث الأبناء، وتتوارث الأجيال هذا الهدم، لأن الأباء لم يفعلوا ما يجب لإيقافه ودفعه.

 

إن آية المدافعة جاءت في سورة البقرة بعد قصة القتال المباشر بين داود عليه السلام وجالوت الظالم المفسد، وكانت النتيجة أن أعز الله داود وأتاه الملك والحكمة والعلم بفضله وكرمه. وإن آية المدافعة في سورة الحج خُتمت بقاعدة عامة وحكمة ربانية شاملة تقول : (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج: 40) وهذه هي ايضاً تشير إلى قتال مباشر يكون بين من ينصر دينه، ومن يسعى لهدم دينه وقتل أوليائه، ومن ثمّ فإن قوة الله و عزته تتحرك فعلاً وعملاً ونتيجة مع مَنْ يتحرك بالفعل لنصرة دينه وإعزاز شرعه الكريم، وَ مَن تخلف عن الحركة فسكن واستنام فقد القوة والعزة والنصر، وبهذا نعلم أنه لا نصر ولا كرامة ولا حياة إلا بالمدافعة، التي أخذت في الآيتين شكل القتال والدم، وهو أعلى أشكال المدافعة التي لا يحصى لأشكالها المحصون عدّاً ولا حصراً.

 

وما يؤكد هذه المعاني ويعززها أيضاً قول الحق للمنتصرين:)الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)(الحج:41)

فالنصر والتمكين في الإسلام لا يكون بمجرد هزيمة الظالمين المفسدين وحسب، بل يكون فيما يتلو ذلك، وهو إقامة دين الله وتحكيم شريعته التي تتجسد عملياً بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهنا لم يذكر الخطاب القرآني بناء المسجد أو الصومعة في ملفوظ الخطاب، لنعلم- والله أعلم- أن إقامة الدين والصلاة والذكر هو الغاية والهدف، وأن المكان ليس إلا إطارا أو أداة تعين على هذا الذكر، فإن توفر المكان فبها ونعمت، وإن غاب فلا يجب أن يغيب بغيابه الذكر والصلاة والدين.

 

إن الخطاب القرآني يهيل التراب على من يتظاهرون بإقامة دين الله من خلال بناء المساجد أو نشر المصاحف أو تحسين الخدمات في المناسبات الدينية،وحسب وإن وإنه كانت هذه أشكال مطلوبة، لكنها في مفهوم إقامة الدين وإعادة الإسلام إلي الحياة قائداً وحاكماً لا تساوي شيئا كبيراً، لا سيما إذا صاحبها في الخفاء ملاحقة لدعاة الله، والمجاهدين في سبيله بالقتل والاعتقال تحت دعاوى كاذبة متعددة الألوان والمسميات.

 

إن تحقق التمكين في الأرض لا يتحصل عليه المسلم إلا بعد المدافعة الواعية المتسننة بسنن الأنبياء والخلفاء والصالحين. وإن النصر والتمكين حين تحققهما  بالمدافعة هما في الأساس والجوهر تفضل من الله :) وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(البقرة: 251). وإن بقاء التمكين واستمراره لا يكون إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. وتلكم واجبات الشكر على تفضل الله ومنّه على المدافعين بالنصر والتمكين، فإن تخلف الشكر، تخلف التمكين وتراجع، وهنا تعود للظالمين الكرة والسطوة، وهكذا هي الحياة دواليك.

 

إنه لم يغب" التمكين" عن الأمة الإسلامية تاريخياً إلاّ بعد غياب المدافعة، وتخلف التفضل الرباني عليها. إنه بسبب هذا الغياب وما يصاحبه من نقض أبناء الإسلام لدين الله عروة عروة ، بدءا بالحكم الذي استقر على واقع علماني فاسد، وهانحن اليوم نعايش آخرها مع من لا يصلون من قادتنا وحكامنا وأبنائنا .

 

إن توقف" المدافعة" بمفهومها الرسالي في عصرنا كشف عن تناقض خطير مع سنن الله الكونية والحياتية، وكان من نتائجه إفساد دين الأمة وفساد حياتها، وتسلط جالوت وأمثاله من اليهود والصليبين عليها ، فاغتصب اليهود فلسطين، وتحكم الأمريكان والغرب بالمنطقة العربية والأمة الإسلامية،  من خلال سيطرتهم على حكامها وقادتها، فنزعوا من بين يديها دينها ومصادر عزتها وكرامتها.

 

إن تقاعد الأمم السالفة عن نصرة دين الله وعن المدافعة أداة التمكين استدعى لها فيما تقدم خسفاً وتدميراً ، حدث ذلك مع قوم نوح وعاد وثمود وفرعون عقاباً لهم، واعتباراً لمن خلفهم، غير أن الله الكريم سبحانه رفع الخسف والإهلاك كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم، واستبقى قاعدة العقاب حية تلاحق من تخلف عن نصرة دينه وترك مدافعة الظالمين، وقد تجسدت هذه القاعدة بتسليط الشعوب والأمم بعضها على بعض، كما في حال اليهود وغصبهم لفلسطين، أو بتسليط القادة الفجرة المتجبرين على أممهم يسمونها سوء العذاب، يفسدون عليهم حياتهم ودينهم وآخرتهم. إن الذلة والمهانة، والفساد والإفساد، والضعف والتخلف، والتبعية وقلة الحيلة، والفشل والهزيمة، التي تسكن الوطن العربي والإسلامي هي النتاج الطبيعي لترك سنة المدافعة، وبالذات في شكلها القوي القائم على القتال وإراقة الدم في سبيل الله. وحين يصبح دين الله أغلي من الدم ومن الحياة ستتغير الوقائع وترتفع المذلة والهزيمة.

 

إن ظاهرة الشهادة والاستشهاد التي تحياها الأرضي الفلسطينية المحتلة تمثل جزءاً مهما من هذه العودة الحكيمة المنتظرة، التي تحكي أن شعباً مظلوماً بدأ يستيقظ على حقائق الكون والحياة والمدافعة كما أرادها الوحي، لا كم يريدها عبّاد الدنيا وتجار القضية، وأنه بدأ يدرك أن دين الله أغلي من الدم والنفس، وأنه جدير بإهراق الدم وتفتيت الجسد، وأن المدافعة التي عرّفوها بخيار المقاومة هي السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق، أو لنقل لإعزاز دين الله ورفع رايته، ثم تحقيق الحياة الكريمة الحرة، وهذا ما سنقف معه بعد حديثنا عن الحياة والشهادة في الإسلام.

 

فلسفة الحياة في الإسلام:

إن للحياة في الإسلام فلسفة متميزة قوامها الإيمان والعزة والحرية وما شاكل ذلك من معانٍ ، وهذا الجانب من تلك الفلسفة يَعْرفه العامة من المسلمين ممن هداهم الله إلى دينه وأرشدهم إلى اتباع نبيه ، ولكن ما يعرفة خاصة المسلمين ، أو لنقل خاصة الخاصة من المسلمين ممن رزقهم الله البصيرة مع البصر ، وأرشدهم إلى رؤية متكاملة راشدة ، ترتكز على كليات الإيمان والحياة الرسالية ، فإنهم يرون أن الحياة الكاملة الجديرة بالاحترام والتقدير لا تكتمل إلا بالشهادة والاستشهاد ، ذلك لأن الإيمان نفسه والحرية والعزة وما شاكلها من المعاني لا تتجسد واقعاً في حياة الفرد ، أو في حياة الأمم ، وبالذات حين ظهور الأعداء واغتصابهم للأرض الإسلامية ، وعدوانهم على الله ودينه وأوليائة- إلا بالشهادة والاستشهاد ولهذا الاعتبار قيل في الشهداء إنهم أحياء عند ربهم يرزقون نافياً عنهم الموت ومحذراً المخالفين حتى على مستوى اللفظ قبل تحذيرهم على مستوى الفهم فقال : " ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتٌ ، بل أحياء ولكن لا تشعرون " (سورة البقرة154 ) ، وقال " ولا تحسبن اللذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ، بل أحياء عند ربهم يرزقون " (آل عمران169 ) .

 

ولأن الشهداء أحياء بلفظ الخطاب القرآني في كيفية يعلمها الله ونجهلها، أو نجهل طبيعتها وكيفيتها نحن ، ولا بأس في ذلك ، ففي الخطاب القرآني كفاية إعلام وإخبار لنا تغني في البحث عن الكيفية وعن الصفة التي نعلم أنها بلغت فيها اللذة والنعمة مبلغاً لا يبلغه الناس في الحياة وإن علت في نعيمها وعطائها ورفاهيتها ، وهذا ما يخبرنا به الشهداء أنفسهم حين يتمنون مع أول دفقة دم من دمائهم على الله أن يعيدهم إلى الحياة ليعودوا إلى القتال والشهادة مرة أخرى ، ولا يكون ذلك التمني إلا لشيء أحسوا به وذاقوا لذته ، على نحو لم يحسوا به أو يتذوقوه في الدنيا وهم أحياء بين ذويهم وأحبابهم .إن تلكم الرؤية التكاملية لفلسفة الحياة في الإسلام ، لا تدركها الثقافات الغربية والتحليلات السياسة، ولا يدركها بعض أبناء المسلمين ممن وقفوا بسواحل الرؤية الإسلامية ، والفهم المتكامل للإسلام ، وأخذوا يتابعون الغربيين في بعض أقوالهم ومفاهيمهم ، وأعرضوا عن جواهر دينهم الناطقة بالحق الصادقة في الإرشاد والتوجيه.

 

الدين في الإسلام قبل الحياة ، ومصيبة المرء في دينه أعظم من مصيبته في نفسه وولده وماله ، فإنّ تًلف النفس والمال والولد لا يضر المسلم في شيء ، بل قد يترتب عليه حسن الجزاء والجنة ، ولكن تلف المرء في دينه يمثل الخسارة التي لا يعوضها المال ولا الولد ولا الملك ولا الحكم . وإعراض المسلم عن الشهادة في سبيل الله دفاعاً عن دينه ، فيه تلف لدينه أولاً ثم لمكونات الحياة الكريمة ثانياً .

 

وإن وقوف القادة والحكام بين المسلم وطلبه للشهادة يزودونه عنها لا لسبب غير أن خيارهم الاستراتيجي صار السلام مع العدو ؟! والتعايش مع ما اغتصبه وكأنه واقع لا مفر منه ؟! فيه إتلاف لدينهم أولاً ، ثم لدين الأمة ثانياً ، مع أن مسئوليتهم الأساس هي حراسة الدين وسياسة الرعية ، فلا هم بأفعالهم أدوا الحراسة ولا قاموا بالسياسة ، بل إنهم قد يلحقوا بركب المعتدين الظالمين حين يستنكروا على الشهداء أفعالهم باسم السياسة، أو المصلحة، أو عدم ملائمة الظرف . إنّ أقوالهم هذه لا تضير الشهداء ولا تنقص من منزلتهم ، وإن كان فيها تثبيط لمن خلفهم ، ومخالفة صريحة لوحي ربهم ، ومتابعة الظالمين متابعة تفسد دنياهم وآخرتهم .

 

رفع الله سبحانه وتعالى منزلة الشهداء فأسكنهم من الجنة الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين ، وهذه مرتبة عالية جديرة بالتأمل والاعتبار . فلِم استحقوا ذلك ؟ ونحن نعلم أن النبوة اصطفاء واختيار إلهي كريم يخص به الله عبداً من عباده دون الآخرين ، وينزل عليه وحيه ، ويستأمنه على أداء رسالته إلى خلقه .

 

إن عدد الأنبياء والرسل، وإن كَثُر في العدّ والإحصاء عند بعض العالِمين، إذا قيس بعدد الشهداء في الفترة نفسها كان قليلاً . وبعبارة أخرى إنّ عدد الشهداء موزع في الأقوام والأجيال ،وهم موزعون على الأعمار فمنهم الطفل والشاب ، ومنهم الكهل وكبير السن ، ومنهم الرجل والمرأة ،منهم القائد والجندي وجميعهم عند تحصّلهم على قبول الله في الفردوس الأعلى مع الأنبياء ، فهل هذا يعني أن في الشهادة جزءاً صالحاً من النبوة؟! ، وإن رفع منزلة الشهيد إلى تلك المنزلة النبوية السامقة جدير بالتأمل!! جدير بأن نسعى إلى الكشف عن هذا الجزء النبوي المتألق أو الكامن في الشهادة ما هو؟ وكيف يكون؟

 

إن النبوة اصطفاء واختيار لصاحب الاصطفاء المطلق ، والاختيار المطلق، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون " الله يصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير " ( الحج 75 ).والشهادة اصطفاء واختيار أيضاً ، يختص به الله سبحانه عبداً أو أكثر من عباده المؤمنين دون غيرهم، لعلم عنده يسبق علوم الناس، وعلم الشهيد نفسه .

 

إن النبوة كرم وتفضل يمنحهما الله سبحانه ، وهو المالك المانح ، للأتقى من عباده ، وفق اختياره وإرادته ، بلا شريك أو منازع ، فيرتفع شأن الأنبياء بالنبوة التي هي كرم الله وفضله ـ وهي عطاؤه وعلامة رضوانه الكبرى على عبده المختار .والشهادة فيما أحسب كرم وتفضل يسوقه الله إلى عبد من عباده تقي نقى ، هو كذلك في علم الله ولا شأن لنا كثيراً بعلوم الناس وأقوالهم ، لأن علومهم وأقوالهم يسْكنها الاجتهاد والتنازع والاختلاف . هذا الكرم والفضل يمنحه الله عبده الشهيد من بين الكثير الكثير ممن يتمنون أن يرزقوا هذا الرزق ، وممِنْ يَعْرضون أنفسهم للأسباب المؤدية إلى الشهادة ، لكن الله مالك الأسباب وصاحب الفضل ، استأثر بالكلمة الأولى والأخيرة في هذا المقام ، فأعطى كرمه وفضله هذا لمن اصطفى واختار.

 

المال والولد والزوج الصالحة بعض مفردات نعم الله على عباده المؤمنين في الدنيا ، ولكن نعمة المال الصالح ، والولد الصالح، والزوج الصالحة هي دون نعمة الشهادة المقبولة ، التي تغدو فيها روح الشهيد في حواصل طير تسرح وتمرح في الجنة حيث تشاء ، ولا يتحقق ذلك بالمال والولد والزوج على صلاحهم، ومن ثمّ كان الفردوس الأعلى منزلاً للأنبياء والصديقين والشهداء.

 

هذه النعمة التي تعلو تلكم النعم على جلالها لا يدركها كثير من المؤمنين بسبب الغفلة عنها ، وكونها متمحضة لما بعد الحياة ، ومن ثمّ يكون سعينا –حتى في حالة الطاعة لله- إلى الولد والزوج والمال أكثر من سعينا إلى الشهادة ، لأن في الاستشهاد تفارق الروح الجسد ، ويغادر صاحبها حياة البشر ، أو الحياة الدنيا ، بينما في النعم المذكورة تبقى الروح والجسد، وتبقى الحياة الدنيا ، ويستمتع الصالحون بهذه اللذائذ إلى أن يحين الأجل ويحمّ القضاء.

 

إن إدراك الفروق الجوهرية بين نعمة الشهادة وغيرها من النعمة المذكورة وما مثلها إنما يكون على وجه الدقة واليقين في الآخرة ، حين يرى أهل الجنة منزلة الشهداء السامقة التي تجاور منزلة الأنبياء. وبناء على هذا اليقين أقول إنه لو أدرك أهل فلسطين هذه النعمة العليا لشكروا الله سبحانه وتعالى شكرا ًكثيراً أن فتح لهم باب الشهادة في سبيله دفاعاً عن دينه ومقدساته، بينما حُرم غيرهم من الأمم هذه النعمة لأنهم إما غفلوا عنها ،أو لأن حكامهم أغلقوا هذا الباب المفتوح أمام المتيقظين الصالحين منهم.

 

إن في الشهادة في سبيل الله نعمة لو علمها الحكام علم اليقين ، وعلمها أهل المال والنعيم كذلك لجالدوا أبناء فلسطين عليها ، ولغادروا أوطانهم في الخليج والسعودية ومصر والأردن وغيرها من بلاد الإسلام لينافسوا عليها ، تماماً كما يذهب بعض المسلمين إلى تلك الدول ينافسون أبناءها في الحصول على المال والعمل والوجاهة.

 

يتمنى الصالحون أن يكونوا أنبياء، أو كالأنبياء، يتمنون أن يحظوا بالقبول الرباني الذي يتقبل به الله سبحانه الأنبياء وأعمالهم ، ولكن الله يختار من الصالحين الأتقياء الأنقياء للنبوة من يشاء من عباده ، ويدع أهل التمني لأعمالهم ينافسون بها بعضهم بعضاً ليصلوا إلى بعض مراتب النبوة ومنازلها ، ولا يتحقق هذا المذكور إلا في الشهادة والارتفاع إلى مرتبة الصديقين.

 

إن في النبوة رؤية خاصة ، وكشف خاص ، تتجلى فيه عظمة الله وجلاله على الأنبياء ، على نحو متكامل، لا تجد لها في تجلياتها  وجلالها وعظمتها ،مثيلاً حتى عند الصديقين والحواريين من أتباعهم ، وإنْ كان هؤلاء على خير كبير يُغبطون عليه.

 

إن الأنبياء أعرف الناس بالله بحكم النبوة والوحي وما يترتب عليهما ،ومن ثم كانوا هم المبلغين للرسالة عن ربهم ، ومن ثم كانوا أيضا ًهم قادة أتباعهم وأممهم في الدنيا والآخرة .

وفي الشهادة والاستشهاد قدر صالح مهم من تلك الرؤية الخاصة والكشف الخاص ، والمعرفة اليقينية الصادقة بالله سبحانه . هل حقاً إن الشهداء هم أعرف من الآخرين بربهم وجلاله وعظمته ؟ هل يرون الله رؤية مميزة عن رؤية من حولهم ؟ وهل هذه الرؤية المتميزة التي لا أستطيع لها شرحاً وبياناً هي التي منحتهم حظوظ الاصطفاء والاختيار دون الآخرين ؟ هل منحتهم هذه المعرفة تلك المنزلة ؟ إنها مسألة جديرة بالتأمل ، جديرة باستيقاف من له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد .

 

الشهادة استيقاف لكل صاحب بصيرة ، استيقاف للمتنافسين في الله ، استيقاف في الدنيا لمن يحبون الشهداء أو يشيعونهم ، لمن يرون دماءهم النازفة ، وأشلاءهم الممزقة . إنّ الدم النازف في ذات الله يستوقف المتأملين ليروا بأنفسهم المسافة الحقيقية الفارقة بين معرفتين : معرفة الشهيد التي حملته على إرخاص دمه في ذات الله وجنته ، ومعرفة من أغلى دمه، ورفع سعره، وأعرض قليلاً أو كثيراً عن الشهادة ؛ أو قلْ عن المعرفة الخاصة المميزة التي حققها الشهيد بالشهادة .

الشهادة ليست طلقة رصاص تذهب بحياة المرء المسلم فيفقد معها الجسد الروح التي كانت تسكنه, و إنما هي طلقة اليقين أو المعرفة اليقينية المعرفة العلمية لما أوجب الله على عباده المؤمنين دفاعاً عن دينه و حرماته و مقدساته, و دفاعاً عن حق المسلمين الموحدين في حياة كريمة.

 

إنها طلقة رصاص المعرفة الكاشفة للحجب الممزقة للستائر السوداء و الرمادية, ستائر المصالح الدنيوية المادية الهابطة, يعلن بها الشهيد أنه يرى مع جريان دمه ما لا يراه القاعدون عن الجهاد في سبيل الله.  إنه بذلك يَتفوّق في العلم و المعرفة على حملة الشهادات العليا, حتى أولئك الذين يتحدثون في الدين عن الشهادة نفسها حديث علم و معرفة, لأنه قدم بدمه العمل على المعرفة, أو قل إنه يقول بدمه و أشلائه قولاً أبلغ و أفصح و أَبْين مما يقوله الواعظ المخلص بعلمه وعظه.

 

المؤمنون في هذه الدنيا في تسابق و تنافس, أو قل هكذا أراد الله للناس أن يكونوا, "سابقوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها كعرض السماء و الأرض أعدت للذين آمنوا بالله و رسوله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, و الله ذو الفضل العظيم". ( الحديد آية 21 ).

 

والعمل في السباق خير من الكلام, " و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون..." ( التوبة آية 105)

 دم الشهيد و أوصاله المقطعة تسبق, و تعلن عن المعرفة و والشهادة علامة كبيرة على سبق الشهيد لغيره من المتسابقين في عملية التسابق إلى الجنة . إنها راية الفوز بالسباق يعليها الدم ، ويرفع من شأن صاحبها وتعظ وعظاً لا يبلغه القول أو الكلام . إن موعظة الدم تتفوق على موعظة اللسان.

 

دم الشهيد لا يحتاج إلى تزكية, فهو يزكي نفسه بنفسه, بينما أحاديثنا عن الشهادة و الشهداء تحتاج إلى من يزكيها وتحتاج إلى ما ينقلها من دائرة الدعوة و التحريض إلى دائرة الفعل و التصديق, و هذا لا يكون إلا مع دفقات الدم القاني الناتج عن عملية  التعرض المستمر لإتلاف النفس و الجسد في سبيل الله بانتظار الإذن والاصطفاء, فإن أذن الله فبها و نعمت, و إن أعرض فلأمر أراده , يعرفه ولا نعرفه، نقبل به و لا نتمرد عليه . لقد أتعب سيف الله المسلول خالد بن الوليد نفسه كي يظفر بالشهادة، ولكن الله لم يشأ له ذلك ، و تلكم إرادته، ولا ينقص ذلك من صحبة خالد و منزلته , و لكن خالد نفسه كان يدرك الفارق الكبير بين الموت على الفراش وبين الشهادة بإهراق الدم في المعارك , و من ثم قال مقولته الشهيرة يَقْرع بها آذان الجبناء : " هأنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء " .

 

قد يحبس الله الشهادة عن عبده لفترة تطول أو تقصر رغم تعريض نفسه لها, و قد يحبسها عن عبده المجاهد في سبيله فلا يظفر بها في حياته ، وتلكم أقدار نؤمن بها , و لا نتخذها أسساً نفرق بها بين عباد الله المقبلين عليه , فنضع أنفسنا في موضع الألوهية نقضي و نزكي ، و نمنع ونمنح ، حاشا لله و تعالى عن ذلك علواً كبيرا, و لكن نعلم من كتاب الله عزوجل أنه مدح الشهداء، و أثنى عليهم، و زكاهم، و نحن على ما قال، و أخبر، نسير و نتبع , و هذا لا ينقص من قَدْر من لم يحظوا بنعمة الشهادة ، لأن الله صاحب النعم و الفضل أدرى و أعلم، و فضله و نعمه أوسع مما نظن أو نتخيل .

 

النبوة رحمة , و دعوة , و حرب على العدوان و الظلم، و من ثم فالأنبياء رحمة الله إلى خلقه, يعرفونهم بربهم و دينهم وعدوهم , وكيف يحيون في هذه الدنيا؟ و كيف يموتون ؟ يطهرونهم ، و يزكونهم ، و يأخذون بأيديهم ليعلوا بهم عن أسر الطين ، وعن مذلة الدنيا, و هوان الشهوة , و في ذلك يجهد الأنبياء جهدهم ،ولا يعتدون ، ولا يظلمون , ولا يتجبرون . الناس كل الناس عندهم سواء , أكرمهم أتقاهم , و أحفظهم لدينه .

 

وفي الشهادة رحمة ودعوة , وحرب على العدوان , وليس في الشهادة اعتداء على الآخرين ,ولا إرهاب أو ظلم أو عدوان,رغم الدم النازف من جراء القتل والمجاهدة والمدافعة , لأن الشهيد إنْ قُتل أو قَتَل ,إنْ سال دمِه أوأ سال دماء الأعداء , إن حقق النصر لأتباعه ، أو تخلف النصر عن الأتباع , إنما هو في حقيقة الأمر يدفع العدوان والظلم ,فهو قَدَر الله يسلّطه الله على الظالمين المعتدين, الذين يسفكون دماء الناس بلا مبرر ,وفي غير غاية نبيلة ,وفي غير ما أمر الله .

  إن الشهيد  بدمه الزكي المهراق في سبيل الله  يحفظ دماء الكثيرين من المؤمنين، ومن غير المؤمنين، من أنْ تهراق ظلما وعدواناَ ، وغدرا وخيانة .إن دمه آية في العدل، لأن فيه ما يردع الظالم المفسد, والكافر الفاجر, ويحفظ على المستضعفين حياتهم ودمائهم .

 

 إن دمه بذلك رحمة للطفل والشاب و الشيخ, رحمة للمرأة والرجل، رحمة للمجتمع، كي يحيا في ظل الحرية والعزة والكرامة, ترفرف عليه رايات الإسلام ، ويجد فيه المسلم مَنْ يعينه على دينه وواجباته, ومن يحفظ عليه دنياه وآخرته, ومن يحفظ عليه فطرته من التشويه والانحراف.

 

إننا نشهد لهم ونزكيهم بعد تزكية الله لهم, علنا نظفر معهم بشيء من الشفاعة التي نالوا والرضا الذي حققوا.

إن شهادة الشهداء حجة علينا، لأنا بذلك نقر بأنه لا طريق إلا طريق الأنبياء, ولا منهج إلا منهجهم, ولا دعوة إلا دعوتهم, ولا فهم متكامل أو رؤية باقية إلا فهمهم ورؤيتهم ، وإن اتباعهم هو السبيل الوحيد ليشهد لنا مَنْ خلفنا شهادة حق. شهادة تقول إننا على الجادة البيضاء, وعلى الصواب والحق, و إنا نسير في طريق الرضا والقبول.

 

إن الشهادة تصديق بالوحي, وتحقيق للاتباع ، وشهادة النفس للنفس،وشهادة على الأمة , وإعلان عن الطريق ، والمنهج ،  إذ تشهد الأمة  أن الشهيد قد أدى الأمانة بقدر ما يستطيع , وسلك الطريق الذي خطه الأنبياء , وأن دين الله عز في نفسه وعلا، فثقل في ميزانه على النفس والجسد والمال والولد والحياة , وفي ذلكم  شهادة للشهيد علينا , وحجة  تأخذ بأيدينا , أو تفضحنا حال تخلفنا عنه , أو متاجرتنا بدمه , أو تقاسعنا عن اتباعه , واستثمار عطائه .

 

إن الشهادة استثمار للنفس والروح, والحياة والمال, والوقت , والأرض والولد في سبيل تحقيق ربح وعائد لا يحققه المال وحده , ولا الولد وحده، ولا الوقت وحده . إنّ تصدق المسلم بكل ماله في سبيل الله استثمار جدير بالاحترام والتقدير، وكذا حال العابد , وحال الداعية الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وحال الزاهد المتصوف, ولكن هذا كله دون الاستثمار في باب الشهادة والاستشهاد, لأن في الاستشهاد من الإنفاق  ما يحيط بأشكال الإنفاق والاستثمار التي يقوم بها الصالحون ، وإن اختلفت أشكالها وتعددت ألوانها ففي الشهادة : العبادة, والدعوة, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, والصدقة بالمال, والأرض, والولد, والزوج, والحياة, والروح.فيها العلم ، والمعرفة ، واليقين ، والحب ، والشوق ، الذي يتحدث عن الدعاة والعباد والزهاد والمتصوفة.

 

الشهادة نعمة في النبوة شفاعة عامة ، وفي الشهادة شفاعة خاصة ، أما الشفاعة التي في النبوة فقد خَصّ بها رب العزة سبحانه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأعطاه نعمة التشفع فيمن أساء من أمته وغيرها من الأمم ممن لقي الله على التوحيد لا يشرك به شيئاً ،ولكن بعض المعاصي غلبته فوقع فيها لسبب أو آخر.

 

وأما الشفاعة الخاصة فقد أعطاها الله سبحانه  للشهداء مكافأة لهم على الدم المراق في سبيله . الدم الذي يعني التصديق الكامل بكلامه سبحانه وتعالى والشوق إليه، وشراء ما عنده ، في حالة تشهد  بانتصار الشهيد على الدنيا وزينتها ودعوتها له بالخلود إلى الأرض . حالة تشهد بانتصاره على نفسه بنفسه لدينه وحرمات ربه. وهذه الشفاعة تستغرق سبعين من آله وأقاربه ممن يحبهم ويتمنى نجاتهم.

 

فمن أراد شفاعة النبي فعليه باتباعه ونصرة دينه ودعوته، ومن أراد شفاعة الشهيد من أهله وذويه فعليه إعانته في الدنيا على ما هو مقبل عليه . إعانته بالكلمة الطيبة والفعل المؤثر : من مال أو تجهيز ، أو حماية أو مساعدة ، أو توفير الجو الآمن له لدفع أعداء الله وصدهم عن حرمات الله، لينجح في مهمته وفي النكاية بأعداء الله وأعداء المسلمين ، أما من أعرض ، أو خذل ،أو استنكر ، أو سخر ، أو استهزأ، فما أحسبه من السبعين المذكورين حتى ولو كان لصيق القرابة بالشهيد ، إذ لا تأتي الشفاعة مع العداوة أو الإعراض أو الخذلان أبداً. 

لذا قيل في الحديث من جهز غازياً فقد غزا ، وفي هذا القول تأكيد لما ذهبنا إليه من مفاهيم وظلال.

وأخيراً وليس آخرا،ً النبوة اصطفاء ووحي, وإيمان, ودعوة, وقوة, وحب, ورحمة, وعزة, ورفعة, وزهد, وتضحية, وواجب ورضا, وقبول, وخوف وخشية, ولين, وطاعة ، ودفاع ,وتحمل للمسئؤلية مع صدق ويقين , وفي الشهادة مقادير صالحة من تلكم المعاني وغيرها, يحظى بها بنسب متفاوتة من اختصه الله واصطفاه لها , فلا نامت أعين الجبناء ، وتجار القضية , والمُخَلّطين.

 

فلسطين وخيار المدافعة والشهادة :

شعب فلسطين شعب مسلم مؤمن مُسيّج بمرجعية الوحي والفتوى، كغيره من الشعوب الإسلامية والعربية حين يجسد الإسلام هويتها ويبني حضارتها، ولا غنى له عن الإسلام ديناً ومنهج حياة، بل إنه أحوج الشعوب الإسلامية إلى الإسلام وعودته إلى الحكم والحياة، ذلك لأنه صاحب قضية، صاحب وطن اغتصبه المحتل الصهيوني، وأقام عليه دولة صهيونية عنصرية كانت سبباً في مآسيه الحياتية والدينية منذ عام 1948م وحتى الآن. وهو شعب مسيّج أيضاً بحق تاريخي عداً عليه المحتل الغاصب على حين غفلة من أصحابه.

 

إن الفلسطيني حين يعيش مأساة نفسه وشعبه ووطنه، بل مأساة دينه ومقدساته معايشة المؤمنين المجاهدين يدرك أنه لا سلامة لدينه ووطنه إلاّ في ظل الخيار الإسلامي المستند إلى مرجعية الوحي والفتوى، ذلك الخيار الذي يقول بأن فلسطين أرض إسلامية منذ الفتح الإسلامي لها في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنها ملك على أجيال المسلمين طال عمر الاحتلال عليها أم قصر، وإن ما يحدث على هذه الأرض من تغيّرات يفرضها واقع القوة والعلو الصهيوني المتقوي بالضعف العربي والإسلامي، والمدعوم بالرؤية والقوة الاستعمارية الغربية و الأمريكية ـ لن يغير من طبيعة الحق الفلسطيني لا على مستوى الدين ورؤيته، ولا على مستوى التاريخ وشهادته، ولا على مستوى الحياة الكريمة التي ينشدها الوطني في أرضه وبين أهله وشعبه.

 

لقد وقعت نكبة فلسطين في زمن غفل فيه أهل فلسطين وغيرهم من الشعوب العربية والإسلامية عن دينهم وحقوقهم، وسكنوا، وصمتوا ،وأسلموا راية القيادة إلى قادة فاسدين لم يقوموا على حراسة الدين أو سياسة الرعية بما يصلح شأنها ويرفع عنها الإثم والفشل، ويحقق  لها العزة والسيادة بين الأمم.

 

اغتصب المفسدون الظالمون القيادة بطرق متنوعة لا مجال هنا لتفصيلها، فكانت النتائج أن تخلّف الوطن العربي تخلفاً مشيناً وهو صاحب الحضارة واليد العليا لقرون طويلة، وضاعت فلسطين، وقويت شوكة المحتل، وفرض في كل عام وقائع جديدة على الأرض حتى غدت فلسطين كلها رهن يديه وإرادته، يصول فيها ويجول، يقرر وينفذ، وقادة العرب والمسلمين يتفرجون على فصول المأساة، حتى أذن الله سبحانه في السنوات القليلة الأخيرة من القرن العشرين للصحوة الإسلامية أن تنمو من ركام الهزائم والفشل العربي ، إنه الفشل الذي لا يقف عند معالجة القضية الفلسطينية، بل يتجاوزها إلى الفشل في البناء وتوفير الحياة الكريمة العزيزة للأمة العربية والإسلامية. الحياة التي ترفض التبعية والعدوان والتسلط الأمريكي والغربي عليها.

 

نمت الصحوة الإسلامية، وأخذت الحياة تدب في شجرة الإسلام، الذي بدأ يعود إلى الحياة بقوة غريبة، وفهم متجدد ينقّر في ميراث النبوة والخلفاء والتابعين ليجدد للأمة دينها وحياتها وفق مرجعية الوحي والفتوى في رؤى معاصرة لا تصادم الزمن ولا تطورات الحياة، بل تسخرهما لخدمة دين الله وإعلاء كلمة الحق، واستعادة النفس والوطن لا في فلسطين وحسب بل وفي غيرها.

 

ومن ثم، وبحكم طبيعة الأشياء وتطورها، عاد مفهوم المدافعة والشهادة إلى الوجود يتقدم الفكر الإسلامي والعقل الإسلامي، وظهرت حركات إسلامية مجاهدة تستظهر بالدين مرجعاً لها في جهادها ودفاعها في علاقتها مع العدو المحتل وأعوانه من ناحية، وفي علاقتها مع الحاكم الظالم من ناحية ثانية، وجعلت للسياسة مرجعاً من الفتوى والوحي يوجه الحركة والقول على مائدة المفاوضات وخارجها، ويحفظ الذات من الضلال والهوى،ويحميها من الوقوع فريسة للقوى المتغطرسة والمصالح الدنيوية المتعارضة، وهنا طرحت الحركة الإسلامية في فلسطين خيار المقاومة خياراً وحيداً، لأنه لا خيار غيره يمكن أن يحقق للوطن الحرية، وللدين العودة والسيادة.

 

إن الفكر الإسلامي الذي تتبناه الحركات الإسلامية في فلسطين لا يرفض السلام العادل الحقيقي، لكنه يرفض خيار المفاوضات الشكلية، التي أفضت إلى مزيد من الضياع للحقوق على مستوى الحياة والوطن والدين، إن الفكر الإسلامي في تناقض حقيقي مع خيار الاستسلام للعدو وللاحتلال لمجرد أن العدو المحتل يملك القوة ويستظهر بالسياسة الدولية المناصرة له من ناحية، وبالسياسة الإقليمية الساكتة عن تصرفاته، المهزومة في عقر دارها وخارج أوطانها من ناحية أخرى ، ذلك لأن مرجعية الوحي والفتوى لا تسمح للمسلم بالقبول بضياع أرضه وتدنيس مقدساته، وهدم دينه وتشريد شعبه. وإن ما وقع خلال السنوات الخمسين المنصرمة من صمت وسكون وسكوت، إنما كان بسبب غياب الإسلام الفاعل، والمسلم المجاهد المتحرك بدينه ومن أجله.

 

 إن ظواهر اليقظة العائدة إلى الإسلام دينا ومنهجاً للحياة في فلسطين أكثر من أن تعد وتحصى، وليس من أهداف كلمتنا هنا إجراء حصر لمظاهرها أ وعدها، فلهذا لعمل موضع آخر إن شاء الله، ولكن يكفينا هنا الإشارة إلى ظاهرتي " المدافعة والاستشهاد" آنفتي الذكر.

 

لقد غدت الشهادة في جيلنا والأجيال الناشئة جزءاً أساساً من مكونات ثقافته وتربيته، يتذوقها ،ويتعرف على كنهها، ويتعمقها، وينفعل بها، ويسعى إلى تجسيدها في الواقع العملي والحياتي. شهادة يتسابق فيه المؤمنون  تسابقا يفوق تسابق الآخرين على الدنيا وزينتها.

 

سعادة هذا الجيل في الشهادة لا في الحياة، في مدافعة العدو والاحتلال لا بقبوله، ولا بالخضوع لآلته العسكرية رغم فارق القوة في العتاد والسلاح. لم تعد قوة العدو مخيفة ومرعبة برغم تفوقها في النيران، بل أخذ المجاهدون يسعون لمجاهدتها وقنصها والتصدي لها، فجعلوا من الشجاعة والتضحية عامل قوة وتفوق يعوّض الفارق الشاسع بين نيران العدو ونيران المجاهدين، وأخذ الأباء و أخذت الأمهات يستقبلون أبناءهم الشهداء بعزة وشموخ ورضاً واحتساب ويقين، احتساب يتلوه افتخار بهم وانتساب لهم، وقد سرت هذه الروح في النفوس سريان النار في الهشيم لا يقف أمامها عائق إلا واقتلعه وتمردت عليه، وصارت الحركات الوطنية بأطيافها المختلفة جزءاً من معادلة الشهادة والمدافعة ترى فيهما الخيار الممكن والمتاح لتحقيق الأهداف الوطنية ولم تعد هذه المعادلة حكراً على الحركات الإسلامية المجاهدة، وإن كان لهذه الأخيرة فضل النشر والتأصيل الشرعي. انتشرت ثقافة الاستشهاد بين مكونات المجتمع الفلسطيني، بل وتجاوزت فلسطين إلى خارجها حيث مواطن الصراع الساخنة في أفغانستان وكشمير والعراق وغيرها. وفي هذه التراجم التي أتلوها عليك بعد قليل تجسيد عملي لتلكلم الثقافة وهذه الروح التي باتت معضلة تحيّر قادة العدو الصهيوني، بل وقادة الاستكبار العالمي في غرب العالم و شرقه على السواء، ولم يعد مكر المستكبرين قادراً على إيجاد حل أو علاج لظاهرة الاستشهاد وإقبال الشباب عليها.

 

إن في وصايا الشهداء التي حرصنا على إلحاقها بالتراجم ، والتي تمثل ظاهرة من ظواهر انتفاضة الأقصى ، ومن ظواهر الوعي العملي التكاملي ، ألق ونور يجذب إليه الملتقي ويحفزه على التأمل ، وتدبر وقع الكلمات والخطاب ، وقد يحس برغبة في البكاء أحياناً، أو يستشعر داعي الفخر والإعجاب ، أمام كلمات يخطها الدم قبل المداد ، تنبئك أن الشهيد الحي صاحب الوصية قد امتلك الشهادة وامتلك الشفاعة في أهله، وامتلك سبعين من الحور العين ، امتلك هذا كله وغيره امتلاك يقين لا امتلاك خبر، لذا نراه يعد والديه وأخوته بالشفاعة وكأنه وهبها ورزقها وصارت بين يديه ينفع بها نفسه وأهله. وليس  في هذا افتئات على الله أو مبالغة في الخطاب ، لأنه خطاب اليقين المتوكل على الله والمصدق بكتابه وقول نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الباب.

 

إن هذا اليقين المتشوق للقاء الله والجنة وما فيها هو عينه الذي خط هذه الوصايا قبل أن يخطها القلم على القرطاس، وهو الذي دفع هؤلاء الشباب ممن هم في مقتبل العمر وربيع الحياة إلى طلب الشهادة، والتعرض لها، والبكاء عند تأخرها ولو لأشهر أو أسابيع، وهو اليقين الذي أرخص في نفوسهم الدنيا وزينتها فجعلوها وراء ظهورهم وهي تدعوهم إليها فلا تظفر منهم بالتفاتة أو اهتمام، وهو اليقين الذي أذهب من نفوسهم الخوف والرعب في أثناء المواجهة مع العدو وآلته العسكرية الضخمة وهم بأسلحة خفيفة لا حول كبير لها ولا قوة، ولكنهم جعلوا من الإرادة وحب الشهادة قوة يقارعون بها آلة العدو وجنده فظفروا به أحياناً، وأوقعوا فيه جراحاً وخسائر جعلت العدو المحتل في حيرة من أمره، وجعلته في قلق وخوف على مشروع وجوده في فلسطين.

 

إنها روح تفجرت في انتفاضة الأقصى، واتسعت، وتشكلت في أشكال مختلفة، وبلغت مبلغاً رسالياً لم تبلغه من قبل في تاريخ النكبة، وذلك مع نمو حالة المدافعة وتطورها وتشكلها وفق مراد الشارع الحكيم وتوجيهاته استجابة لآيات الله وتجسيداً لسننه الكونية والحياتية.

 

إنها روح تمخضت عن رحلة طويلة من الدعوة والتربية والجهاد، رحلة ربما تجاوزت في عمرها الزمني خمسين عاماً تميزت بالدعوة والإعداد، لتعطي بعض نتائجها في هذه الأيام فيما عرف في فلسطين بانتفاضة الأقصى، التي أثمرت تلكم الكواكب والأقمار والنجوم من شهدا فلسطين ، ممن سنقف بعد قليل على سيرهم نتعرف عليها ونعتبر بها .