|
عائلة أبو خليفة : اعتقالات .. و اغتيالات
..
تولد عزيمة لا تُقهَر و إصراراً على النصر
جنين – تقرير خاص :
قصصٌ
كثيرة .. و حكايات تتناثر على طول فلسطين و عرضها .. صاغها لنا
اعتقال مقاوم و استشهاد مجاهد تارة .. و هدم بيت تارة أخرى ..
و لكن اجتماع العوامل كلّها لصياغتها من – استشهاد للابن ، و
اعتقال للآخرين ، و هدم للبيت ، و تهديدٍ بالانتقام – لهو
حرِيّ أن نقف عنده لنُرِيَ العالم عظمة هذا الشعب و عنفوان
شبابه .. إنها حكاية تبدأ فصولها من زقاق مخيّم الصمود و
التحدّي – مخيّم جنين القسّام - ، حكاية عائلةٍ أبت الركوع و
الخنوع موقّعة بالدم و الاعتقال عنوان اللجوء ، إنها عائلة
الحاج المرحوم ( أسعد رجب أبو خليفة ) ...
نبذة عن العائلة :
تعود
جذور عائلة أبو خليفة لقرية "كفر لام" قضاء حيفا ، تشرّدت مع
آلاف العائلات الفلسطينية و استقرّ بها المقام في مخيّم جنين
.. و في عام (1965م) ارتبط المرحوم الحاج (أسعد رجب أبو خليفة)
مع الحاجة الصابرة المحتسبة (صبيحة جابر حسين عمار) .. و تمرّ
الأيام لينجبا اثنتان من الإناث و خمسة من الذكور (محمد ، أحمد
، محمود ، إبراهيم و رجب) .. و يشاء الله عزّ و جلّ أن يكون
لكلّ واحدٍ منهم حكاية ، تجمَع في طيّاتها قوة الارتباط و صدق
الانتماء لوطنٍ استلبه أحقد البشر على وجه الأرض ..
و ن هنا تبدأ المعاناة ..
و تبدأ
المعاناة ... اعتقالٌ للأبناء و تغييب في السجون ... و تعتيم
عن أماكن الوجود ...
فهذا
(محمد) الابن الأكبر (28 سنة) يتعرّض للاعتقال ثلاث مرات بحجّة
الانتماء لحركة المقاومة الإسلامية حماس . يمكث في السجن أكثر
من عشر سنين ينتقل فيها بين أكثر من عشرة سجون ... مجدّو ،
الفارعة ، الظاهرية ، الخليل ، نابلس ، عسقلان ، الدامون ،
الجلمة ، النقب ، بئر السبع ، طولكرم ، شطّة ، رام الله ،
ناقِشاً بذلك الذكريات على جدار الزمن ... لتشهد بظلم السجان و
قسوة الاعتقال ..
و هذا
(أحمد) (26 سنة) يُعتقل أيضاً و بنفس تهمة أخيه - الانتماء
لحركة المقاومة الإسلامية / حماس- ليمكث في السجن أكثر من أربع
سنوات يتنقل فيها بين كافة السجون و مراكز التحقيق (مجدّو ،
الظاهرية ، نابلس ، الخليل ، عسقلان ، النقب ، الجلمة) ليخرج
بعدها من السجن بعزمٍ جديد على البناء و التحدّي ..
و ذلك
(محمود) (25 سنة) و الملقّب بشيخ الكتائب و الذي لنا معه حكاية
أخرى تبدأ فصولها في أول يومٍ من حياته .. كيف لا و هو شهيدٌ
باعَ نفسه لله عز و جلّ ..
و
تستمر معاناة العائلة .. و يُعتَقل (إبراهيم) (23 سنة) و يدخل
مراكز التحقيق و تكون المعاناة حكمٌ إداريّ ينقضي و يدخل
المحكمة ليتمّ إعطاؤه شيكاً مفتوحاً و ها هو يربض في سجن مجدّو
.. و التهمة جاهزة ؛ الانتماء لحركة المقاومة الإسلامية / حماس
..
و ذلك
(رجب) (21 سنة) .. القائد الخفيّ في كتائب الشهيد عز الدين
القسّام .. و يشاء الله عز و جلّ أن يعتقل .. و يخضع للتحقيق
ليصدر بحقّه حكماً بالسجن لمدة عشر سنوات .
ليس
هذا فحسب .. فالمأساة لم تتوقّف عند هذا الحدّ من الاعتقالات ،
بل تتعدّى إلى أكثر من ذلك ، فمحمد و أحمد معتقلان و الأهل في
طريقهم للزيارة ، و لكن العدو لا يريد للزيارة أن تتمّ و لا أن
يجتمع الأهل بأولادهم .. تقول الحاجة الصابرة المحتسبة أم محمد
: "كنّا نقرّر الزيارة لإحدى السجون و لكننا نفاجأ عند وصولنا
للسجن الموجود فيه محمد أو أحمد .. أن جيش الاحتلال قد نقلهما
لسجن آخر ، و يتكرّر هذا الأمر مرّات عديدة فقرّرنا تقسيم
الأهل و الأقارب يوم الزيارة على كافة السجون و المعتقلات لكي
يتسنّى لأيّ واحدٍ منّا أن يزورهما و يطمئن عليهما .. فنحن لا
ندري أين يوجدان" ..
فأيّ
ظلمٍ هذا .. و أيّ بشرٍ هؤلاء .. صفتهم واضحة جلية ، غدر و ظلم
و حقد .. لا يريدون سوى الفساد و الخراب .. فهذا هو ديدنهم
دائماً ..
و
تستمر المعاناة للعائلة ... أبناءٌ داخل السجون و الآخرون
يستعدّون لمعركة مخيّم جنين ... و تبدأ المعركة و ككلّ
العائلات تكون عائلة أبو خليفة مستهدفة فيتمّ قصف البيت و من
ثم تجريفه ... لتظلّ العائلة مشرّدة تتذكر "كفر لام" و "حيفا"
و "عكا" ... و كلّ الوطن المسلوب ..
شهيد في زمن المحنة :
لم يكن
يوم الإثنين الرابع و العشرين من شهر أيلول لعام (1979م) يوماً
عادياً للحاجة أم محمد فهي على موعدٍ مع مولود جديد ... إنه
محمود أبو خليفة ... صاحب العينين الهادئتين و السواعد السمر
... نشأ و ترعرع محمود أبو خليفة في بيت خلقٍ و دين ، فأهله
معروفون بالخلق الرفيع و التمسّك بالدين الحنيف ... ذهب إلى
المساجد مبكراً ، و التحق بأسر الإخوان في مسجد مخيّم جنين ...
ينضب من معينها حفظ القرآن و إرشاد المربّين ... تقول الحاجة
أم محمد : "لقد كانت لمحمود طفولة مميزة فقد كان دائماً يقول
(أمنيتي أن أصنع متفجرات) ، و كان ما إن يرى أيّ قطعةٍ
الكترونية حتى يحاول فكّها و معرفة كيفية عملها" ..
و
يلتحق محمود بمدرسة الوكالة في المخيّم و يدرس فيها حتى الصف
الثاني الإعدادي و لكن الظروف التي مرّت بالعائلة من اعتقال
لإخوانه و مرضٍ للوالد جعلته يتحمّل المسؤولية مبكراً فأصبح
المعيل الوحيد للأسرة ... و هنا تبدأ الانتفاضة ... انتفاضة
الأقصى المباركة ... و يسقط الشهداء واحداً تلوَ الآخر ... و
في إحدى الأيام تطلق دبابة إحدى قذائفها على عناصر من الأمن
الفلسطينيّ في حاجز الجلمة على مدخل جنين فيستشهد خمسة منهم
... و يكون تأثير الحادثة عليه عظيماً ، فقد كان يذهب كلّ يومٍ
إلى مكان استشهادهم ... و يقرّر الانتقام من هذا العدو المجرم
الذي لم يترك لأحدٍ مجالاً للفرحة بعد أن سلب كلّ شيء في
حياتنا ... و يذهب للبنك و يستقرض منه قرضاً ... ليشتري به
قطعة سلاح و يقتل بها مستوطنين صهيونيين عند بلدة يعبد
بالمحافظة ... و من هنا ابتدأ مشواره الجهاديّ ... مشاركة
فعّالة في معركة مخيّم جنين ... إصابات في كافة أنحاء جسمه ...
زرعٌ للعبوات حتى أنها قد أثّرت على عينيه فأصبح يلبس نظارات
طبية ... و يستمر محمود في مشواره الجهاديّ بعد انتهاء معركة
المخيّم و يلتحق بصفوف كتائب شهداء الأقصى في جنين ، و تسير به
الأيام يوماً بعد يوم ... و يزداد العزم و الإصرار قائلاً
لوالدته (معركتنا معهم إلى يوم الدين) ... و يصبح محمود هدفاً
لقوات الاحتلال ... يُهدَم البيت و تتشرّد الأسرة و يسكنون في
بيتٍ مستأجَر و لكن قوات الاحتلال تغير عليه يوماً بعد يومٍ
(نريد محمود حياً أو ميتاً) !! .. و تبدأ محاولات الاغتيال ..
ففي
يوم 5 / 7 / 2004م يستشهد خالد سليمان الحاوي و يشارك محمود و
صديقه الحميم أحمد أبو حسن في مسيرة التشييع و إذا بهم
يتعرّضون لرشّ غازٍ في محاولة لاغتيالهم و لكن الله عز و جلّ
يلطف بهم و يتمكّنون من الإفلات و التنكّر ... و في يوم
5/9/2004م يتعرّض البيت الذي كان فيه محمود للقصف و لكنه الله
عزّ و جل ينجيه منه .
و في
اليوم التالي 6/9/2004م يشتبك محمود مع الجنود الصهاينة في
مدينة جنين من الساعة الثانية فجراً حتى التاسعة صباحاً ...
لينسحب بعدها مخلّفاً وراءه عدداً من القتلى و الجرحى في صفوف
الاحتلال حسب ما رواه بعض سكان منطقة الاشتباك ... و يصرّ
الاحتلال على الاغتيال ... ففي يوم 13/9/2004م يبدأ محمود يومه
بالذهاب إلى كافة المناطق التي كان يتدرّب فيها على السلاح و
يتفقّد المخيّم زقاقاً تلوَ آخر و حارةً تلو أخرى و يسلّم على
إخوانه و أهله في المخيّم و كأنه يودّعهم ... و في عصر ذلك
اليوم تستهدف طائرات الاحتلال سيارة في المدينة ... و يهرع
المواطنون إلى الموقع و إذا بثلاثة شهداء ... إنهم محمود أبو
خليفة ، أمجد أبو حسن ، و يامن الكفريني ..
و تتحق أمنية المجاهد بالشهادة ...
تلك هي
بعضٌ من الحكاية .. تقول الوالدة أم محمد : "جاء محمود إليّ في
يومٍ من الأيام و قال لي هذا المصحف أمانة معك إن استشهدت
فضعيه تحت رأسي في القبر ... و أوصيك بأن ألفّ براية لا إله
إلا الله محمد رسول الله ... و أوصيك بعدم البكاء أبداً بل
حوّلي يوم استشهادي إلى يوم عرس ... زغردي و وزّعي الحلوى فأنا
لا أريد من الدنيا شيئاً ... إنما أريد أن أستشهد فأدخل الجنة
و أفوز باثنتين و سبعين من الحور العين" ...
ذكريات
كثيرة مرّت بها العائلة المجاهدة الصابرة ... و عبارات
يردّدونها تدلّ على عمق الإيمان و الرضا بالقدر ، فهذا الشهيد
محمود يقول لأمه بعد أن طلبت له بنتاً من المخيّم لتزويجه :
(لا أريد بنات الدنيا لكنني أريد أن أكسب (72) من الحور العين)
... فهذا ليس غريباً عنه ففي نفس يوم استشهاده يقول و يتمنّى
(أحبّ أن أستشهد شُقَفاً) ..
فما
أعظمه من شعب ... أبى الركوع و الخنوع و سار على درب القادة
العظماء و السادة الشهداء خرّجت للعالم أبطالاً و رجالاً يشهد
لهم القاصي و الداني ... و ما أصدق قول الشاعر :
و إذا كانت النفوس كباراً تعبت في
مرادها الأجسام
|