|
الأسير
" حسام بدران" مدرس التاريخ الذي لبى نداء الجهاد
نابلس
- تقرير خاص
"على
بعد أمتارٍ قليلة من المكان الذي كان يجلس فيه بالنصّارية
الغورية قرب نابلس ، رنّ هاتفه النقال ، أبقاه بعيداً عنه
لتجنّب عمليّات الرصد الإلكتروني، تقدّم أحد الموجودين لإحضار
الهاتف فتناثر الجهاز إلى شظايا ، لقد أصابه الصاروخ الأول
الذي ما كاد ينفجر حتى انفجر الصاروخ الثاني بين الشبّان
الخمسة ، و سال الدم و تناثرت الجراح" ..
هكذا
تروي نعمة قطناني "أم عماد" زوجة الأسير القسّامي حسام بدران
.. قصة اعتقال زوجها بعد أسبوعين من اقتحام نابلس الأول في
مطلع نيسان 2002 ، و تستشهد على عظم بلائها بمقولة أحد قادة
جيش الاحتلال : "يكفينا إنجازاً بعملية السور الواقي أن
اعتقلنا حسام بدران" ..
بطاقة هوية :
وُلِد
الاسير حسام عاطف علي بدران في العام 1966 لأسرةٍ عَرِفت
اللجوء و ظلمة الخيمة ، إذ تعود أصوله إلى مدينة اللد المحتلة
عام 1948 ، و حصل على تعليمه الأساسي و الثانوي و الجامعي في
نابلس ، ثم التحق ببرنامج الماجستير لدراسة التاريخ في جامعة
النجاح الوطنية .
امتهن
التدريس في مدارس نابلس الحكومية ثم توجّه للعمل الصحافيّ
فأصبح مديراً لمكتب نابلس للصحافة و الإعلام الذي أغلقته
السلطة الفلسطينية قبل اقتحام نابلس من قِبَل قوات الاحتلال
بأيام .
"أبو
عماد" متزوّج منذ عشرة أعوام و له من الأبناء جمان (5 أعوام) و
عماد الدين ابن العامين و الذي وُلِد قبل اعتقال أبيه بشهرين ،
أي أنّ الطفل لا يعرف والده إلى اليوم .
رحلة العذاب
و
تواصل أم عماد سردها لحكاية زوجها مع قيود الاحتلال و تمرّده
على سياطه بالقول : "اعتُقِل أبو عماد في حياته أربع مرات ، لم
يسجّل عليه موقفٌ واحد قدّم فيه اعترافاً للمحتلين و لهذا
السبب كان يحوّل بعد كلّ عملية تحقيق معه للاعتقال الإداري ،
بل إنّ اعتقاله الإداري الأخير دام ثلاث سنوات" .
و تضيف
: "كان يعيش بيننا بشكلٍ طبيعيّ ، لم نكن يوماً لنشكّ بأنه
يعمل في الإطار العسكريّ ، كان واضحاً أنه قياديّ في صفوف
(حماس) لكن لم يكن لدينا أيّ شكٍّ أنه من قادة كتائب الشهيد عز
الدين القسام" .
و حضرت
غربان الليل ، و غطّى دخان الدبابات و الآليات العسكرية سماء
مدينة نابلس ، و أهلكت المجنزرات العسكرية الحرث و النسل في
المدينة مع أول أيام الاجتياح الكبير الذي لا زالت معالمه تضفي
مسحةً من الألم على وجوه كلّ من عايشوه و استيقظوا من كابوسه
على وقع رحيل أحبائهم ..
تقول
أم عماد : "أصرّ حسام على مغادرة المنزل عند الاجتياح .. كنت
مع طفلي في بيت عائلتي ، رحل برفقة شقيقي محمد و ابن عمّي علي
و شابين أحدهما هو الذي قصّ عليّ ما جرى" .
و تسرد
أمّ عماد الحكاية على لسان الشاب الذي حضر و أبلغها بما حصل
قائلاً : "توجّه الخمسة عند دخول جيش الاحتلال للمدينة إلى
منطقة النصارية في غور الأردن .. أقام الخمسة فيها بضعة أيام ،
حرصوا أن تبقى أجهزتهم الخلوية بعيدة عنهم حتى جاء يوم
17/4/2002 رنّ الهاتف النقّال الخاص بحسام ، و قام اأحد
الحاضرين لإحضاره ، فانفجر الصاروخ الأول عنده ، كان أحد
الشبّان يشير لشيءٍ بأصابعه حين سقط الصاروخ الثاني بين الخمسة
، انتشرت الدماء في المكان حالاً ، أصيب عليّ بساقه و تهشّمت
عظامه و قطعت ثلاثة أصابع لأحد الشباب الذي كان يشير بها و
أصيب في صدره ، و أصيب الخامس و هو راوي القصة بساقه كذلك ،
أمّا الذين آووا و نصروا فقد استشهد منهم رجلان هم أصحاب
البيّارة و كانوا قد أحضروا الطعام للشبان الخمسة و أغلقت
الدائرة" .
بقية ...
و
تواصل حكاية الأسير بدران سرد تفاصيلها على لسان زوجته بالقول
: "شقّ أبو عماد قميصه ، و حمل و ربط ساق الشاب الجريح و حمله
على كتفه ، كانت الطائرة تحلّق فوق المكان و تصبّ الرصاص على
الرؤوس و لم يستطع حسام مواصلة الهرب و هو يحمل الجريح الذي
طلب إليه أن ينزله و يواصل الطريق و هذا ما حدث ، غادر حسام
البيّارة الأولى و التي كان يختبئ و رفاقه فيها و تمكّن برفقة
أحدهم من دخول بيّارة ثانية لكن المنطقة كلّها كانت محاصرة
بالآليات و الرصاص و الكلاب البوليسيّة ، نال الإجهاد و الجراح
و أصوات الرصاص من حسام نيلاً عظيماً فجلس تحت إحدى الأشجار
فيما كانت مكبّرات صوت الاحتلال تطالبه بالاستسلام ، أمّا أحد
الشباب فقد جلس فوق الشجرة التي كان تحتها حسام ، و تفرّق شمل
الخمسة ، أحدهم جريحٌ لا يقوى على الحراك من مكان إصابته في
البيّارة الأولى ، و الشاب الراوي جريحٌ في ساقه عند طرف نفس
البيّارة ... حسام و اثنين من الشباب تمكّنوا من مغادرة
البيّارة الأولى و الاختباء في بيّارة ثانية ، جيش الاحتلال
ينادي علينا بمكبّر الصوت (عرّف عن نفسك) .. (أنا جريح تعالوا
إلى هنا فأنا لا أستطيع السير) ، يطالبه الجنود بالخروج و إلا
أجهزوا عليه ، إنهم لا يرغبون بالتوغّل داخل البيارة بعد أن
علموا أنّ صيدهم الثمين في البيّارة الأخرى ، خرج عليّ – و اسم
أحد الشباب - و اعتُقِل رغم جراحه" ..
"انتقل
جنود الاحتلال صوب حسام و اثنين آخرين ، و اعتقلوا أحدهما ثم
الثاني ويدعى حسام و أخذوا يستجوبونه
تحت الشجرة التي كان يعتلي أغصانها الشاب الخامس ، لم يشاهده
رغم ساعاتٍ من البحث المضني عنه ، و لم تشمّ رائحته كلابهم
التي عبقت أنفاسها رائحة الدم الذي نشرته الصواريخ في المكان .
و
اعتقل أبو عماد ، و نجا الجريح الذي كان محمولاً على ظهره قبل
ساعاتٍ فقط و نجا الشابّ الذي كان يجلس على الشجرة" .
في نابلس :
و في
نابلس كان حسام بدران أحد أهمّ أهداف عمليّة الاجتياح - إنهم
يدركون من هو عدوهم - ، حاصروا البيت في أول أيّام الاقتحام
هدموا جزءاً منه و أحرقوا ما تبقى .. "أين زوجته إذن ؟؟" ..
تساءلوا طويلاً ، كانوا يبحثون عن طرف خيطٍ يقودهم لهذا العدو
الصامت .
تقول
أم عماد : "لم يترك الجنود في بيتنا شيئاً إلا فكّكوه و بحثوا
فيه ، الإلكترونيات بين كاميرات التصوير و جرس الباب و
الإنارات و حتى أجهزة البيت الكهربائية العادية و المصابيح
كلّها فتحت و فتشها الجنود ، كانوا يبحثون عن السلاح" .
اعتقل
جيش الاحتلال والد حسام و أمّه – أبو هشام و زوجته عجوزان في
الثمانينات من عمرهما ، لم يعفُ التقدّم في السنّ الرجل العجوز
من جولات تحقيقٍ لأربعة أيام في مستوطنة (ألون موريه) .
و تضيف
أمّ عماد : "لقد بلغ بهم الحقد على حسام مبلغاً كبيراً ،
فحينما أحرقوا المنزل حاولت سيارات الإطفاء إخماد الحريق
فمنعوها ، تقدّم الجيران لإطفائه بما لديهم من ماءٍ ادّخروه
للشرب إذ انقطع الماء في الاجتياح منعوا كذلك ، لكنهم أخيراً
تمكّنوا من إلقاء القبض على حسام" ..
في التحقيق :
بعد
اعتقاله مباشرة نُقِل حسام إلى معسكر الحمرا في الغور ثم نُقِل
إلى منشأة تحقيقٍ لا يعرفها حتى الآن ، ما زال مكان التحقيق
معه سراً لكن ما يذكره عن أيام التحقيق أنها استمرت أربعة أشهر
متواصلة تناوب على التحقيق معه خلالها 40 محقّقاً بينهم قائد
طاقم التحقيق .. و كانت جلسات الاستجواب معه تستمر أحياناً
لأكثر من 22 ساعة منع خلالها من مقابلة أيّ كائنٍ حيّ من غير
المحقّقين بما في ذلك أفراد عائلته و المحاميّ .
محرومون :
بعد
انتهاء التحقيق معه نُقِل الأسير حسام بدران إلى سجن الجلمة ،
عائلته كلّها ممنوعةٌ من الزيارة ، لم ترهُ زوجته إلا في
محكمته في سالم ، ادعى قضاء الاحتلال أنّ حسام هو أكثر أعضاء
الجناح العسكريّ لحماس حنكة فنسبوا إليه تقديم خدماتٍ للكتائب
و القيام بدور همزة الوصل بين مطاردي القسّام و قيادتهم
العسكريّة في الأردن .. كما وجّهت له تهمة المسؤولية عن عمليّة
حيفا التي نفّذها الشهيد ماهر محي الدين حبيشة و أسفرت عن مصرع
18 صهيونياً ...
غاب
أبو عماد في سجن جلبوع و مُنِعت زوجته من زيارته أو لقاء
أشقائها الأسرى إبراهيم و محمد الذي اعتقل بعد عودته للبيت من
رحلة العذاب في النصارية ، عائلتها كلّها ممنوعة من زيارة سجون
الاحتلال التي يغيب فيها معظم الأبناء ، لكنّها تتحدّث عن
زوجها باستمرار و تقول إنها سترسل طفلته (جمان) لزيارته في
السجن برفقة عائلات أسرى آخرين .
|