|
عائلة الشهيد القائد إسماعيل أبو شنب :
تفتقد الأب الحنون في رمضان

صحيفة القدس الفلسطينية 21/11/2003 :
لا
يملك المرء إلا أن يبكي من شدة التأثّر ، حينما يبصر الطفلة
مسك ابنة العامين التي حرمها الاحتلال الصهيوني حضن والدها
المهندس إسماعيل أبو شنب الذي اغتالته طائرات الأباتشي بقصف
سيارته ، كلما سمعت رنين الهاتف تجري إليه مسرعة و تقول :
"بابا .. بابا .. ردّوا على التلفون .. بابا على التلفون" ، إذ
لا تستطيع بعقلها البريء أن تدرك بعد أن الشهيد لا يمكن أن
يعود أو يتصل بالهاتف ، و هي لا زالت تنتظر عودة والدها الذي
تأخّر عليها هذه المرة .
هكذا وصفت زوجة الشهيد إسماعيل أبو شنب أم الحسن حال صغرى
بناتها ، و قالت : "كانت مسك متعلّقة بوالدها جداً و بشكلٍ غير
عادي ، فقد كان - رحمه الله - يعطيها حقّ طفولتها و لم يكن
يخجله أبداً أن يحملها و يقبّلها و يخرج ليشتري لها حلواها
المفضّلة و لو ليلاً ، اعتادت دوماً أن تنام في حضنه ، لكنها
اليوم لا تجده بيننا" .
الطفلة
مسك صاحبة العيون الجميلة البريئة و التي تحمِل قسمات وجهها
أجمل معاني الطفولة ، كلما سألت عن والدها تجيب أنه في الجنة
الآن ظانّة أنه في زيارة سيعود منها ، الطفلة حديثة العهد
بالكلام تتحدّث بكلمات متكسّرة جداً فتقول : "إن الطائرات قصفت
سيارة والدها بالصواريخ ، لكنها لا تدرك معنى ذلك" .
تقول
أمها : "إن مسك أكثر من يفتقده في المنزل نظراً لصغر سنّها و
عطفه عليها و اعتيادها أن تجري بمجرد وصوله ليحملها و يقبّلها
، بالأمس فقط رأته في منامها بنفس المشهد حيث حلمت أنها تجري
إليه مسرعة و استقبلها بضحكاته ثم حملها و قبّلها و قال لها
(لا تغلبي ماما)" .
ثم بثّت بعض الدفء و الشوق في حديثها و هي تقول : "كلنا في
البيت نفتقده و كلما مرّت الأيام أكثر نفتقده أكثر ، خاصة و
نحن الآن في رمضان ، لقد مرّ علينا أول أيام الشهر الفضيل صعبة
قاسية ، فهو أول رمضان نقضيه بدونه ، لكننا آثرنا تذكّره
بالخير و الرحمة و إعداد الطعام الذي كان يحبّه و حاولنا أن
نتصرّف و كأنه موجود بيننا" .
و
تابعت : "اعتاد - رحمه الله - زيارة الأرحام خاصة في رمضان ، و
في هذا العام قام ابني حمزة (19عاماً) و شقيقتاه الكبريان
بزيارة الأرحام على درب والدهما ، نسأل الله أن يتابعوا دربه
طيلة حياتهم" .
و
أضافت و قد لاح على وجهها ظلّ ابتسامة : "لقد قضى العام الأخير
من حياته في تجهيز منزلنا الجديد هذا و أبدى في الأيام الأخيرة
استعجالاً غير عاديّ للسكن فيه حتى قبل أن يجهّز أثاثه ، لكنه
لم يسكنه سوى أسبوع واحد ، و استشهد بعدها ، أسأل الله أن
يتغمّده بواسع رحمته" .
أم الحسن بدت بابتسامتها الهادئة التي لم تفارق وجهها طوال
الحديث معها نموذجاً للمرأة الفلسطينية الصابرة المرابطة ، أمّ
لثمانية أبناء أكبرهم يدرس الماجستير في الهندسة في جامعات
الولايات المتحدة ، تحدّثت عن زوجها فقالت بشوق و هي تستعيد
ذكرياتها : "كان - رحمه الله - نموذجاً يحتذى ، فمنذ بداية
زواجنا جمعتنا المودة و الرحمة ، كلانا كان يعي دوره جيّداً و
يؤدّيه على أكمل وجه ، و كنا نتشاور في كلّ صغيرة و كبيرة و
نتبادل الآراء في كلّ الأمور" .
ثم
ابتسمت بشوقٍ و تابعت : "حتى مع أبنائه كان صديقاً ناصحاً
للكبار ، حنوناً عطوفاً على الصغار ، و قد كان بطبعه - رحمه
الله - يعشق الأطفال بشكلٍ غير عادي ، و كان يستمع إلى آراء
أبنائه في كلّ ما يتعلّق بشؤون البيت و حين يكون رأيه مختلفاً
كان يسعى لإقناعهم و دوماً كان أبناؤه في النهاية يقتنعون
برأيه" .
ثم بدأ
التأثّر على قسمات وجهها و خفّت ابتسامتها و هي تقول : "لطالما
قام بدور من يحلّ مشاكل العائلة و يمثّلها في أفراحها و
أحزانها ، لقد ترك فراغاً كبيراً في العائلة و داخل بيته
خصوصاً" ، ذبلت ابتسامة أم الحسن أكثر فأكثر و هي تتابع : "لا
زلت أفتقد شريك العمر حتى اليوم ، أشعر أن حياتي كلّها انقلبت
، ليس سهلاً عليّ أبداً اعتياد نموذج آخر من الحياة ، لقد كنت
أوقظه من نومه كلّ صباح ، أحضّر له ملابسه و طعام إفطاره ، كنت
أصل معه حتى باب المنزل عند خروجه" ، لكنها استدركت : "تمنى
الشهادة طيلة حياته و نالها ، نسأل الله أن يتقبله فيمن عنده
من الشهداء" .
و تابعت بلهجة حازمة : "رغم ذلك إلا أنني مطالبة بإظهار القوة
و الصبر أمام أبنائي فجميعهم يفتقده لكن الأم هي مصدر قوة
الأبناء لو انهارت سينهار الأبناء جميعهم" .
ثم
بدأت تستذكر الماضي القريب قبيل استشهاده فقالت : "منذ قصف
الاحتلال سيارة الدكتور إبراهيم المقادمة شعرت بخوف شديد عليه
و قد صرّحت له بذلك فسعى إلى طمأنتي و قال (ليس لهم بي حاجة)"
... و عقّبت : "ربما كان يدرك في قرارة نفسه ، أنه ضمن
المطلوبين لكنه لم يكن يرغب في أن نعيش بخوفٍ خاصة و قد كانت
لديه قناعة أن الأعمار بيد الله و أن الشهادة شرف لا يعادلها
شرف" .
و
تابعت و قد اختفت ابتسامتها : "نفتقده كثيراً كثيراً ، يومياً
نذكر اسمه مراراً ، لا نجلس إلا في المكان الذي كنا نجتمع فيه
مع أبنائنا ، و أركّز على إعداد المأكولات التي كان يحبّها و
كأنه سيأتي ليشاركنا كلّ أمور حياتنا ، حتى طفلتاي الصغيرتان
لا تنامان إلا بعد أن أحكي لهما قصة عن والدهما و كأنها حكاية
قبل النوم التي يطرب الأطفال بسماعها" .
|