|
"الجريح أحمد أبو شلال .. رأى الموت بأم عينيه، ثم عاد إلى
سفينة الحياة"
"حتى اللحظة لا يذكر شيئا عن المجزرة ... و ينكر أن جمال منصور
و جمال سليم قد استشهدا"
تقرير خاص :
عيون تشع تحديا و إيمانا ، و إصرارا على مواصلة المشوار ، رغم
كل المآسي و النكبات التي مر بها ، صاحب تلك العيون هو المصاب
أحمد إسماعيل أحمد أبو شلال المولود بتاريخ 12/12/1970 في
الكويت . حيث ترعرع و نشأ هناك ، و أنهى دراسته الثانوية فيها
، و بعد حرب الخليج عاد إلى فلسطين و بالتحديد إلى مخيم بلاطة
في نابلس .
"أبو شلال ينتمي لعائلة تعود جذورها إلى جماسين" :
ليس غريبا على أحمد أن يهتم بشؤون اللاجئين و المهجرين عام 48
، فهو عانى ما عاناه كل اللاجئين ، فهو أصلا ينتمي لعائلة تعود
جذورها إلى بلدة جماسين الشرقية .
و هو متزوج منذ عام 1994 من فتاة خلوقة من مخيم العين تعود
جذورها هي الأخرى إلى بلدة جماسين الشرقية . بعد أربع سنوات من
زواجه منها أنجب إسماعيل و عمره ثلاث سنوات ، و ريما عمرها سنة
و ثلاثة شهور ، أما صلاح الذي كانت أمه حاملا به في شهرها
التاسع ، يوم أصيب والده بمجزرة نابلس و عمره الآن ثلاثة شهور
.
محمد أبو شلال الطالب في كلية الشريعة في السنة الرابعة ، هو
الشقيق الوحيد لأحمد ، و له من الأخوات خمس جميعهن متزوجات ،
إحداهن تسكن في الكويت لم تتمكن حتى الآن من القدوم إلى الضفة
للاطمئنان على وضع أخيها الصحي .
والدة أحمد بينت لنا أن والد أحمد كان قد دخل المستشفى نتيجة
لوعكة صحية تعرض لها إثر تلقيه خبر إصابة أحمد مع العلم أنه
كان قد أجري له عملية قسطرة قبل الحادث بأقل من أسبوع . و
أضافت أم أحمد أن ابنها المصاب يتمتع بعلاقاته الجيدة مع جميع
التنظيمات و هو محبوب لدى الجميع و خير دليل على ذلك أن
النائبة دلال سلامة أحضرت له قبل أسبوع كرسيا متحركا ساعده
كثيرا على التنقل .
" أحمد أبو شلال لم يحضر حفل تخرجه بسبب إصابته" :
تروي أم أحمد قائلة : إن أحمد تتلمذ في مدارس حولي في الكويت ،
و أنهى الدراسة الثانوية فيها و حصل على معدل جيد . إثر حرب
الخليج اضطر هو و عائلته للعودة إلى أرض الوطن ، و لشدة حبه
للصحافة اختار هذا التخصص فدرس في كلية الروضة سنة ، إلا أن
الأوضاع السياسية التي كانت سائدة في تلك الفترة أدت إلى
إغلاق الكلية . و لم يتمكن أحمد من إكمال دراسته في هذا التخصص
في كلية الروضة في رام الله بسبب الانتفاضة الأولى التي كانت
في أوجها ، و تضيف أم أحمد : " انتسب أحمد بعد ذلك الى جامعة
القدس المفتوحة ، و قد تخصص التربية الإسلامية و أحب هذا
التخصص و كان من المتفوقين في الجامعة و تخرج منها عام 2001 ،
إلا أنه لم يحضر حفل تخرجه بسبب إصابته .
صمتت أم احمد برهة من الزمن و بدأت الدموع تنهمر من عينيها و
هي تنظر إلى صورة أحمد المعلقة و أخذت تقول :" إن أحمد قبل
أسبوع من إصابته أحضر روب التخرج و التقط صورة تذكارية لأنه
أحس بأن شيئا ما سوف يحدث و خاصة لأنه يعيش في ظروف الكل فيها
مستهدف " .
أما بالنسبة لعمله فقد عمل أحمد في مؤسسة حقوق الإنسان و كان
عضوا ناشطا في لجنة "سنعود" للاجئين . و للمعتقلين و الأسرى في
السجون نصيب من عمله حيث عمل باحثا في المؤسسات التي تعنى
بشؤونهم . و عمل أبو شلال مراسلا لمجلة العودة للاجئين التي
تصدر في الخارج . و بالنسبة لأعماله الثانوية ، كان في بعض
الأوقات يعطي دروس دين مجانية في مسجد المخيم . و كان يعقد
دورات لتحفيظ القرآن الكريم بالإضافة إلى إعداده المسابقات
الرمضانية في شهر رمضان المبارك .
" أحمد أبو شلال نجى من الموت بأعجوبة " :
لم يكن يعلم أحمد أن يوم الثلاثاء الحادي و الثلاثين من شهر
تموز لعام 2001 م كان يخبئ له كل هذه المآسي ، ففي صباح ذلك
اليوم توجه أحمد بخطى الواثق من نفسه ، و من رضى ربه و أمه ،
توجه إلى المركز الفلسطيني للإعلام للمشاركة مع زملائه محمد
البيشاوي و عثمان قطناني ، في إجراء لقاء صحافي مع كل من الشيخ
جمال منصور مدير المركز ، و الشيخ جمال سليم من لجنة التنسيق
الفصائلي . وما إن بدأ اللقاء حتى اقتحمت صواريخ العدو الغاشم
المركز فكان يوم عرس جماعي حيث استشهد الجميع إلا أحمد أبو
شلال ، فقد نجى من الموت بأعجوبة بالإضافة إلى المصاب جهاد
سليم شقيق الشيخ جمال سليم فهو الآخر كتبت له الحياة من جديد .
و تقول والدة أحمد ( ما إن سمعت دوي الصواريخ حتى خفق قلبي على
أحمد و شعرت بأنه لا بد و أن يكون بصحبة جمال منصور لأن عمله
الصحافي يتطلب منه ذلك ، و هرعت إلى المستشفى ، و هناك سمعت
الناس يتحدثون عن أحمد ، فوقفت لأعرف أن ابني قد أصيب فانهارت
أعصابي و خاصة عندما قال الطبيب بأنه مات موتا سريريا و ربما
لا أمل في أن يعيش ، حيث أكد الأطباء إن الثريا التي كانت
معلقة في سقف المركز قد سقطت و تكسرت على صدره بالإضافة إلى أن
هناك 180 شظية أو ما يزيد دخلت في جسمه بشكل متفرق واحدة منهن
دخلت في الدماغ و استقرت في المنطقة المسؤولة عن النطق ، فهي
لم تبعد سوى 0.5 ملم و إزالتها يشكل خطرا كبيرا على حياته لذا
وقف الأطباء عاجزين أمامها و لم يتخذوا حتى الآن قرارا
بإزالتها ، و قد عملت على إحداث شلل في رجله اليسرى و يده
اليسرى ، و من الإعاقات التي أصيب بها أيضا كسرا في الفك أدى
إلى صعوبة في النطق و حرق في اليد اليمنى من الكف إلى الكتف
مما أدى إلى انكماشها ، لذا اضطر الأطباء الى شقها حتى لا
تنتفخ و تؤدي إلى مضاعفات سلبية .
" كان يستعد لوضع اللمسات الأخيرة على منزله الجديد" :
أحمد أبو شلال كغيره من الشباب كان يحلم أن يكون له بيته الخاص
، حتى يستقر به هو و زوجته و أطفاله و يكونوا أسرة سعيدة ، و
بدأ أحمد بتحقيق ذلك الحلم كما أخبرتنا زوجته ، فبنى بيتا فوق
بيت والده . و كان قبل إصابته بفترة بسيطة ، يستعد لوضع
اللمسات الأخيرة على منزله ، إلا أن صواريخ العدو أبت إلا و أن
تمنعه من ذلك . و تضيف زوجته "إن لأحمد أصدقاء يحبونه كثيرا و
لم يفارقوه منذ أن أصيب ، فساهموا بطلاء المنزل و تبليطه ، و
تركيب الأبواب و النوافذ ، و المنزل الآن جاهز لا ينقصه سوى أن
يعود أحمد إلى حالته الطبيعية و إلى ممارسة نشاطه كما كان في
السابق .
"سلطات الاحتلال تمنع أحمد من العلاج في الخارج " :
بني شارون الصهاينة الحاقدون ، لم يشف غليلهم قصف المركز
الفلسطيني و تدميره بالكامل و استشهاد ثمانية شهداء و إصابة
أكثر من عشرين ، فالحقد الذي يملأ قلب شارون يطمح دائما إلى
أكثر من ذلك ، فهو يمنع المصاب أحمد من العلاج في الخارج ، كما
و منعت سلطات الاحتلال نقل أحمد إلى مستشفى المقاصد بالقدس ،
رغم أن صواريخهم هي التي مزقت جسده الطاهر . و ها هو الآن يخضع
إلى العلاج الطبيعي مع مساجات في المنزل ، و يشرف عليه الطبيب
مظهر دروزة . الذي أكد أن رجله اليسرى بدأت تستجيب للعلاج
الطبيعي بفضل الله .
"لا يذكر شيئا عن المجزرة … و ينكر أن جمال منصور و جمال سليم
قد استشهدا " :
أحمد أبو شلال حياته مليئة بالمصاعب و المشقات . و حياته كجريح
تختلف عن قصة حياة أي جريح آخر ، و ما يلفت الانتباه في قصته
أنه لم يذكر شيئا حتى الآن عن المجزرة ، و عندما سألناه عن سبب
إصابته قال لنا " أصبت على يد الاحتلال" . لكن كيف و لماذا و
متى و أين ، لا يذكر !! .
و لشدة حبه للشيخين جمال منصور و جمال سليم فهو ينكر أنهما قد
استشهدا . و عندما سألناه عن مكانة الجماليين بالنسبة له قال "
إنهما شخصيتان اعتباريتان و قياديتان" . و على حد قول الطبيب
مظهر دروزة إنه بحاجة إلى سنة تقريبا حتى يبدأ يتذكر أحداث
المجزرة .
" الجريح الفلسطيني … بحاجة ماسة إلى مؤسسة ترعى شؤونه" :
المصاب أحمد أبو شلال كان هو المعيل الوحيد لعائله تتكون من
عشرة أشخاص ، و لكن بعد إصابته و عجزه الكامل فقدت هذه الأسرة
معيلها ، و أفراد العائلة أيضا يتعففون عن طلب العون من أحد ،
و يؤمنون بقدرة الله و أن الله هو المعيل الوحيد الذي لا ينسى
عبده . و عندما نقف أمام ما يزيد على عشرة آلاف جريح فلسطيني
الأغلبية منهم معاقون نتساءل فقط : هل من معيل لهؤلاء الجرحى
؟؟؟؟ .
ألا يستحق الجريح الفلسطيني أن يكون له مؤسسة ترعاه و تتكفل
أفراد أسرته بالرعاية ؟؟؟ . فلماذا هناك مؤسسة ترعى عائلة
الشهيد ، و مؤسسة ترعى شؤون الأسير ، أما الجريح فيعيش منسيا
بين جراحه الدامية و آلامه ، لا يعلم بحاله سوى أقرب الناس
إليه ؟؟ . و ها نحن نحيا على أمل تأسيس مؤسسة الجريح الفلسطيني
.
.
|