|
استشهد صائماً وحافظاً 11 جزءا
من القرآن
الشهيد عبد الله الإفرنجي جمع
بين الطفولة والرجولة.. وعصافيره لازالت تنتظر معيلها؟!!
أطفال الحارة يفتقدون صديقهم
ويتساءلون لماذا قتلوا عبد الله؟ وأين ذهب؟ وهل سيعود؟!
غزة- خاص: 
منذ الثامن من الشهر الجاري لم تجد المواطنة أم كمال ذاك الطفل
المرح من سكان الحي الذي كان يساعدها في حمل رضيعها عندما
تذهب إلى السوق وتقضي حاجياتها ..في الصباح أجهشت في البكاء
وزوجها ينظر إليها متسائلاً ... فأدركت ما يريد وقالت "لقد
قتلوا عبد الله الإفرنجي.. إنه فاكهة الحارة".
الطفل عبد الله محمد الإفرنجي ذو الأربعة عشر ربيعاً من عائلة
فلسطينية أصيلة وبسيطة ملتزمة بدينها ، ليلة استشهاده أكد على
والدته أن توقظه لصلاة الفجر لأنه ينوي الصيام ليفطر في مسجد
السوسي مع إخوانه، ردت عليه والدته بالقول "وأُسَمِّع لك سورة
الروم".. نظر إليها مبتسماً وقال:"اتسحر و أصوم وأصلي
واُسَمِع" ، وفعلاً استيقظ وتوضأ وخرج للصلاة .. فقد كان
مواظباً على الصلاة في المسجد لاسيما صلاة الفجر.
تقول والدته الصابرة أم زهير "عاد من الصلاة وتلا السورة عليَّ
وطلبت منه تثبيت حفظه.. ووعدني أن يفعل في الغد الذي لم يأت".
على غير عادته لعب عبد الله قبل خروجه إلى المدرسة مع شقيقه
محمد –9 سنوات- وكأنه يودعه ، اطمأن على عصافيره وحمامه ويمامه
وصيصانه ووضع لهم الطعام ثم انطلق إلى مدرسته "الزيتون"
الإعدادية.
قبل ظهر الإثنين الأسود خرج طلاب الجامعات الفلسطينية في مسيرة
سلمية ضد الحرب الأمريكية الصليبية على أفغانستان المسلمة
وتصدت لها الشرطة الفلسطينية بعنف خلال عودة التلاميذ من
مدارسهم المقابلة للجامعات ، يقول صديق عبد الله :"حاولنا
العودة إلى المنزل لكن قنابل الغاز والرصاص الذي أطلقته عناصر
في الشرطة أرعبتنا فأخذنا نجري في شارع الثلاثيني باتجاه شركة
(ترست)".
في هذه الأثناء اتصل ابن عم عبد الله بوالده طالباً منه أن
يرسل الباص ليأخذه وإخوته وأولاد عمه من المدرسة لأن اليهود
هجموا على المدرسة.. لم يميز الطفل بين الشرطة والاحتلال ،
فالصورة الماثلة في ذهنه والتي يجب أن تبقى كذلك أن اليهود
المحتلين هم الذين يطلقون الرصاص على الشعب الفلسطيني، ووصلت
نور شقيقة عبد الله إلى والدتها تتحدث عن نفس الموضوع ووالدتها
تقول لها إنهم ليسوا اليهود والطفلة تؤكد "بل يهود!! رموا
غازاً رائحته خنقتنا".
عاد إخوة عبد الله وأخواته وأولاد عمه وأولاد حارته لكن عبد
الله لم يعد، عبد الله وصديقه وقفا قبالة "محلات العم عماد"
لبيع الفواكه في شارع الثلاثيني وهناك يقول صديقه "الجميع شاهد
شرطياً فلسطينياً (على ركبة ونص) ويقنص على المتظاهرين"، خاف
الأطفال .. لكن عبد الله بقي واقفاً وفجأة وقع على الأرض.. لم
ينتبه له أحد .. الجميع هرب.. لحظات ثم استدرك صديقه أن عبد
الله بقي هناك.. عاد فوجده مضرجاً بدمائه.. أخذ يبكي ويصرخ..
"قتلوا عبد الله.. قتلوا عبد الله". انتفض الشبان إلى الصراخ
وحملوا عبد الله إلى سيارة إسعاف ومنه إلى مستشفى الشفاء.
الأم أخذ قلبها ينقبض وهي تسمع أن المسيرة قمعت من الشرطة وحدث
فيها إطلاق نار وما قاله أخوه عبد الله وأضافت "لم يخطر على
بال أحد أن تطلق الشرطة -التي من المفترض أنها تحمينا- الرصاص
علينا وعلى أطفالنا، من أطلق الرصاص هم مجموعة مرتزقة لا ضمير
لهم ولا ينتسبون للشعب الفلسطيني والإسلام".
طردت أم زهير الوساوس عن ذهنها وأخذت تتوضأ استعداداً لصلاة
الظهر حتى رن جرس المنزل ليخبرها صديق لعبد الله أن طفلاً يشبه
عبد الله أصيب ..، لم تدرِ الأم ماذا تفعل واتصلت بشقيقها الذي
يسكن قرب المستشفى ليبحث عنه، ثم انطلقت كل الحارة تبحث عن عبد
الله الذي أحبه الجميع.
لم يعثر أحد على عبد الله بين الجرحى، وصديقه الذي كان معه لم
يستطع السير على قدميه من هول مشهد صديقه العزيز ودمائه تروي
تراب الوطن ، وفي المستشفى أكد لهم أن عبد الله أصيب وأخذته
سيارة الإسعاف وهنا تدخل الأطباء بأن طفلاً مجهول الهوية موجود
في ثلاجة الموتى الأمر الذي كان وقع الصاعقة على الجميع..
زملاؤه أصيبوا بالذهول .. والدته تتمتم "قتلوك .. قتلوك"..
والده مصدوم لا يصدق ما يرى!!
تقول والدته "كان الأمر له وقع السيف على قلبي والشبان يقولون
لي أن الله أعطاك أمانة ثم استردها.. لم أجد مُصيراً لي سوى
"حسبنا الله ونعم الوكيل.. إنا لله و إنا إليه راجعون".
أكثر ما كان يميز عبد الله عن الجميع هي طاعته الشديدة لوالديه
وجيرانه وللحارة كلها، وتضيف والدته "كان يحب تقديم المساعدة
للغير ومحبوب من الجميع ، يلعب كرة القدم ويستمع إلى الندوات
الإسلامية ويحفظ القرآن ويواظب على الصلاة وصاحب نكتة مع
الكبار والصغار".
لحظة وداع عبد الله كان وجهه يشع نوراً ، حمله الرجال على
أكتافهم إلى مسجد السوسي الذي قضى جل وقته فيه وصلى عليه الأهل
والأحباب ثم انطلقت مسيرة حاشدة بالآلاف لتشيعه إلى مقبرة
الشهداء وهي تردد غاضبة شعارات ضد القتلة المجرمين ، وما إن
بدأ مواراة جثمان الشهيد التراب حتى رفع الآذان لصلاة المغرب
ليفطر هناك.. هناك. في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. على مائدة
الرحمن يشكو إليه ظلم الظالمين.
عندما تقترب من قصص الشهداء تكتشف كم هم عظماء رغم صغرهم أو
كبرهم ، عبد الله جمع بين الطفولة والرجولة في قالب عجيب تجده
يتابع قناة الأطفال (سبيس تون) وفي نفس الوقت تمتلئ صفحات كتبه
المدرسية بعبارات مقاومة الاحتلال وفي إحداها كتب "فتنت روحي
يا شهيد.. علمتنا معنا الصمود" ، وهي بالمناسبة النشيدة التي
أذيعت مراراً في بيت عزاء الشهيد.
كتب في كراسة اللغة العربية بابا و ماما ، وفي كراسة أخرى رسم
المجاهدين يطلقون الرصاص على الاحتلال ، وفي المقابل يحفظ 11
جزءاً من القرآن الكريم فقد كان يسعى لخوض مسابقة في الحفظ
أعلنت عنها وزارة الأوقاف.
يقول والده وعيناه تفيض من الدمع "كل يوم أخرج لصلاة الفجر مع
أبنائي وفي اليوم التالي لاستشهاده خرجت لصلاة الفجر ، و أخذت
أبحث في الشارع وأركان المسجد لعلي أراه.. لكن لم أجده"، وأضاف
"هو الوحيد من أطفالي الذي كان يأخذ بثأره في أي مشكلة مع كبير
أو صغير، عبد الله الآن استشهد ولم يأخذ أحد بثأره".
وقال:"خلال أيام العزاء وقف صديق لعبد الله ينظر إلى صورته
المعلقة على الجدران.. ثم وضع يده على الصورة كأنه يحاكيها ثم
أخذ يبكي ويضم الصورة إلى صدره .. شاهدته فبكيت".
والد الشهيد عبد الله يعتقد أن المسئول عن مقتل طفله ليس فقط
من أطلق النار من الشرطة بل من أعطى الأوامر بإطلاق النار،
وقال "الشعب الفلسطيني لا يواجه بالرصاص بل بالورود مهما كانت
الظروف والأسباب ولا مبرر لإطلاق النار ضد أطفالنا". وأكد أن
تفويت الفرصة على الاحتلال والدس بين الشعب الواحد هي بإعدام
القتلة.
زهير شقيق الشهيد –16 عاماً- وشقيقته نعمة الله –17 عاماً-
الحافظان للقرآن سيشاركان خلال أسابيع في مسابقة الأقصى في حفظ
القرآن الكريم ، عبد الله لن يشاركهم كما كان يريد ، والعصافير
والطيور التي أحبها عبد الله لا تجد من يرعاها الآن وحتى أطفال
الحي يفتقدون عبد الله ولا أحد يدري منهم لماذا قتلوا عبد
الله؟!! لا أحد يدري؟!!.
|