|
الشيخ علي أبو الرب : يخطّ و أسرته صور
العطاء المشرقة من أرض قباطية عاشقة القسّاميين

جنين –
خاص :
كثيرون هم
المعتقلون .. و لكن جلّهم لهم قضايا يحاكمون عليها باستثناء
الإداريين منهم … و لكن ما بالكم بمعتقل تحتجزه قوات الاحتلال
في سجونها للعام الحادي عشر على التوالي دون حجج مقنعة ، و تحت
دواع مختلقة باهتة ، و السبب أن هذا المعتقل هو من النوع الحار
في نظر الصهاينة … إذ توجد لدى الشاباك قناعة بأنه خطير على
أمن الكيان … و ربما شكّلت دراسته سبباً في طول احتجازه …
بعيداً عن الزوجة و الأبناء و الأب و الإخوة ، رهين زنازين
العدو ... إنه الشيخ علي أبو الرب "أبو دجانة" من بلدة قباطية
شرقي جنين "عاشقة القساميين" .
الشيخ علي
أبو الرب في أواخر العقد الثالث من العمر ، يحمل شهادة
البكالوريوس في الهندسة الكيماوية من الأردن ، داعية إسلاميّ
متوقّد لنشر فكر الإخوان ، حفظ كتاب الله في سن مبكرة ، عاد
إلى أرض جنين ليشارك في بناء لبنات الجسم الإسلامي في بلدته
قباطية و في محافظة جنين عموماً إبان الانتفاضة الأولى ، حيث
عمل إماماً لمسجد قباطية القديم يلهب المشاعر بكلامه الإيماني
و نهجه الثوري .. سليط على العدو لا يخشى في الله لومة لائم ..
صعب المراس قويّ الشكيمة … و كما يقال إن الحكم الحقيقي الذي
أصدره الصهاينة بحقّه هو "الموت البطيء" و ليس مجرّد السجن
فليس في مقدورهم أن يتخيّلوه حياً خارج القضبان …
بداية
المشوار :
رحلة
المعاناة بدأت بتاريخ 6/9/1992 .. و كان الشيخ أبو دجانة و عدد
من رفاقه من أوائل القائمين على إنشاء اللبنات الأولى لكتائب
القسام في المنطقة برفقة الشهيد القائد عبد القادر كميل و
الشيخ نصر جرار و الشهيد المهندس يحيى عياش و الذي احتضنته
قباطيه في بداية مسيرته الجهادية ، حيث عرف عنه أنه كان يعمل
مدرباً للمقاومين و كلما اعتقلت مجموعة قالت إن الشيخ علي هو
مدرّبها .. اعتقل الشيخ علي و خضع لتحقيق عسكري قاسٍ مدة ثلاثة
أشهر في سجن جنين المركزي سجن عسقلان ، و كان الصهاينة حينها
يحاولون فكّ ألغاز كثيرة حول الخطط الأولى للقسام لدخول مرحلة
التفجير ، شكّل الشيخ علي ظاهرة في عالم التحقيق ، الاعترافات
تصبّ نحوه من كلّ جانب ، أصابع الاتهام تشير إليه .. لكنه لم
ينبس ببنت شفة ، و خرج من التحقيق كما دخل … و ما بين سجن جنين
و سجن مجدّو قضى الشيخ المرحلة الأولى من اعتقاله و البالغة
ثمانية أشهر ، و ما إن كادت تنقضي تلك المدة حتى أعيد إلى
التحقيق و حكم عليه بالسجن ثلاثة سنوات و نصف ، حرِم في فترة
كبيرة منها من زيارة ذويه نتيجة نشاطاته الملحوظة داخل السجن .
طغيان و
استكبار :
و لما حان
موعد الإفراج في صيف عام 1996 كانت المؤامرة المخابراتية
جاهزة .. اتهام بالتحقيق مع عملاء داخل السجن و حكم قاسٍ جديد
بالسجن 17 عاماً إضافية ، الخبر نزل صاعقاً على الجميع و لكنه
إجراء متوقّع بحق الشيخ علي ، نقل الشيخ إلى سجن كفاريونا و
منه إلى العزل و منذ سنوات طويلة لم يرَ أفراد أسرته ، ابناه
يكبران و لما يعرِفا والدهما بعد إلا من خلال حديث الأم :
الزوجة الصابرة المرابطة .. و لكن مسلسل المعاناة ممتد إلى ما
هو أكبر من ذلك : رحلة طويلة من الألم و الحرمان عصفت بكامل
أسرة الشيخ أبو دجانة رسمت خيوطها و هو مغيّب بين القضبان و
الأسلاك الشائكة.
عائلة داخل
السجن :
فترات
كثيرة مرّت على هذه الأسرة و جميع أبنائها داخل السجون يرسمون
خارطة الوطن في كلّ ناحية و مرقد ، وهيب ، الأخ الذي يلي أبو
دجانة معتقل منذ عام 1994 إثر قيامه بقتل مجنّدة صهيونية في
مغتصبة العفولة حيث حكِم عليه بالسجن المؤبد ، و منذ اعتقاله
قبل تسعة أعوام لم يسمح الصهاينة لذويه بزيارته ، فهو محتجز في
قسم العزل منذ اعتقاله ، حتى المنظمات الحقوقية فشلت في لقائه
، وهيب كان قد اعتقل خلال الانتفاضة الأولى مرتين حكم عليه في
المرة الأولى بالسجن لمدة ثلاثة سنوات و حكِم عليه في المرة
الثانية بالسجن لمدة ستة أشهر ، كما أن الأب عبدالله أبو الرب
، و رغم تقدّمه في السن كان اعتقل مطلع العام الجاري لمدة شهر
بدعوى القيام بفعاليات مناهضة للاحتلال ، و لم تفرِج عنه
السلطات الصهيونية إلا بعد دفع غرامة مقدارها 2000 شيكل . كما
اعتقل ابنه الآخر نذير (27 عاماً) لمدة سبعة شهور و دفع غرامة
مالية مقدارها 1300 شيكل ، فيما اعتقل مجيب عدة مرات آخرها
سنتين انقضتا منذ فترة وجيزة .
ابتلاء من نوع آخر :
ليس
الاعتقال وحده نكبة هذه الأسرة ، فهذا البيت المعطاء يعيش على
أنقاض منزل مهدّم أتت عليه متفجّرات العدو قبل تسعة أعوام و
ذلك ردّاً على قيام وهيب بقتل المجنّدة الصهيونية ، بداية
القرار كان إغلاق الطابق الثالث من المنزل و الذي يعود لوهيب ،
إلا أن تطبيق القرار بالديناميت أتى على كل البناية ، لتغدو
هذه الأسرة بلا معيل و لا بيت ..
الأب و قد
أعياه المرض بعد أن أتى عليه الكبر ، فهو في العقد السادس من
العمر ، أما الأم فقد لحقت بالرفيق الأعلى و هي في غربة عن
أبنائها قبل نحو عام .. يكبر دجانة "الابن الأكبر للشيخ علي" و
هو يتربّى في أحضان المسجد القديم في قباطيه على ذات التراتيل
التي خطّها والده ، أما أبو دجانة فلم ينل السجن من عزيمته
شيئاً إلا من بعض المرض الذي نال من الجسد و الذي ترفض إدارة
السجن علاجه منذ سنين خلت ، فهو بحاجة ماسة إلى عملية جيوب
أنفية ، و لكن لا مجيب ..
يكاد
البعض في زحمة الاعتقالات أن ينسى الأصلاء الأوائل الذين
اختطوا أول الدرب ، و لكن الصفحات المشرقة لا يحجبها عتمة ليل
و لا قهر الزمان … و لكل من بدأ الطريق وفرة في دعاء اللاحقين
به فهو المشكاة تضيء الدرب ، و نقطة البداية إذا اختلطت
المسالك .
|