|
الاستشهادية عندليب طقاطقة
التي صمّمت على الثأر لدماء إيمان حجّو و
شهداء مجزرة جنين

بيت
لحم – خاص :
في
الساعة السادسة و النصف من صباح يوم الجمعة 12/4/2002 ،
استيقظت عندليب طقاقطة - 21 عاماً - من بلدة بيت فجار التي تقع
على تلال تتوسط محافظتي بيت لحم و الخليل ، و كان كل من في
البيت نائماً ، بعد سهر ليلة طويلة من ليالي شهر نيسان 2002
الذي شن فيه مجرم الحرب شارون أوسع عملية ضد الشعب الفلسطيني و
عرفت إعلامياً باسم السور الواقي.
و كانت بلدة بيت فجار مطوّقة مثل باقي
القرى و البلدات ، في مثل هذه الأجواء استيقظت عندليب و صنعت
شاياً و قدّمت كأساً منه إلى شقيقها أحمد الذي بدأ يتململ في
فراشه .
يستذكر أحمد تلك اللحظات الثمينة : "كان كل
شيء عادياً ، جلبت لي عندليب الشاي و خرجت إلى باحة البيت
لتشرب هي أيضاً كأس شاي" ، و منذ تلك اللحظات لم يرَ أحمد
شقيقته ، التي خرجت من البيت ، و اعتقد الأهل أنها ربما تكون
في زيارة لإحدى شقيقاتها المتزوجات في القرية أو في منزل أحد
الجيران و الأقارب ، و لم يخالجهم خوف عليها رغم تقدّم النهار
و عدم عودتها ، و حتى عندما تواردت الأنباء عن هجوم استشهادي
في القدس الغربية ، لم يخطر ببال أيّ من في البيت أن عندليب
التي لم تكن تبدي اهتماماً استثنائياً بالسياسة ، يمكن أن تكون
هي نفسها بطلة ذلك الهجوم الذي شكّل صفعة قوية و مدوية للجنرال
شارون الذي يحاصر المدن الفلسطينية و يتركب جنوده الجرائم في
جنين و نابلس و بيت لحم و رام الله و يحاصرون كنيسة المهد ...
و في ساعات الليل كانت مخابرات الاحتلال و
جنوده تقتحم منزل العائلة المتواضع الذي خرجت منه عندليب
صباحاً دون أن تترك أي إشارة لعزمها على تنفيذ عملية استشهادية
، و تأكّد في تلك الليلة الصعبة أن عندليب الهادئة الوادعة
صاحبة القلب الكبير كانت قرّرت و نفّذت .
و منذ ذلك اليوم اعتقلت سلطات الاحتلال
العديد من أقرباء و أشقاء عندليب و تم هدم منزل العائلة في
بلدة بيت فجار ، و لكن اللافت أنها بقيت هي محور سكان ذلك
المنزل ، الذين لا يكادون يتحدثون عنها ، سواء كانوا صغاراً أو
كباراً ، و يحتفظ كل منهم بأيّ مشهد أو كلمة أو حوار أو أي
قطعة ملابس تذكّره برائحة الراحلة الغالية ..
عبير .. أقرب شقيقات عندليب إليها تقول :
"كانت شخصية عندليب قوية ، و تمّتعت بعلاقات طيبة و واسعة مع
الأقارب و الجيران ، و في الأيام التي سبقت استشهاد عندليب
ولدت طفلة و تم وضعها في المستشفى في قسم الأطفال عدم كاملي
النمو ، و فجأة بدأت عندليب تلحّ علينا بأن نجلب الطفلة ، و
قلنا لها إن الطفلة سيتم إخراجها من الحضانة يوم السبت فكانت
تجيب لا يوجد وقت للسبت و لم نكن نعرف عن ماذا تتحدث ، و أنها
ستنفّذ عمليتها يوم الجمعة ، و ذهبت هي و أمي رغم الحواجز و
الحصار ، و جلبت الطفلة و في الطريق قالت لأمي : نريد أن نلعب
بأعصاب عبير ، ما رأيك لو قلنا لها إن جيش الاحتلال قتل الطفلة
برصاصة ، و عندما وصلت البلدة حاولت أن تلعب بأعصابي ، و أصبح
كل ذلك الآن من الذكريات المحببة إلى نفسي" ..
و تستدرك عبير : "كان ذلك يوم الخميس قبل
يوم من استشهادها ، و أصّرت عندليب على حمل الطفلة طوال الطريق
من الخليل إلى بلدتنا" ، و عندما استشهدت عندليب بعد يومين من
جلب الطفلة التي كان اسمها إيمان ، غيّرت عبير اسم طفلتها
لتصبح عندليب ، و تتذكّر عبير : "قالت لي عندليب قبل استشهادها
لماذا لا تغيّرين اسم ابنتك و تسمّيها عندليب و لم أكن أعرف
حينها بأن عندليب تودّعنا" .. و تضيف : "قلت لها اسم إيمان
جميل ، و لكنها قالت لي (و اسم عندليب أجمل) ، سمّها عندليب
أحسن" ! ..
و أصبحت عبير الآن أم عندليب ، التي تقوم
بدور الأم و الأب لطفلتها بعد اعتقال زوجها و الحكم عليه بخمس
سنوات بتهمة مقاومة الاحتلال ، و تم إلقاء القبض عليه بعد فترة
قصيرة من استشهاد عندليب ..
و بعد استشهادها تركت عندليب مفاجأة
لشقيقتها عبير ، حيث اكتشف الأهل أنها وضعت هدية للطفلة
الجديدة في خزانتها و هي عبارة عن طقم للصغيرة و آية الكرسي و
بنطلوناً لعبير مع بطاقة تحمل تمنياتها للصغيرة بالعيش في وطن
حرّ ..
الكل في البيت و الحارة يتحدّث عن مرح
عندليب ، و يعود شقيقها أحمد ليكمل ما حدث يوم استشهادها :
"عندما خرجت عندليب صباحاً ، استشعرنا غيابها و جاء الظهر ثم
المغرب و أيقنّا أنها تأخّرت و أنها غابت لسبب قاهر ، و في
منتصف الليل ، داهمت المنزل قوة احتلالية كبيرة و تم اعتقال
العديد منا و أرونا صورة لعندليب و هي ملقى على الأرض و شعرها
منفوش ، فأيقنا بأن شقيقتنا التي خرجت صباحاً و أثارت قلقنا
بغيابها ، هي التي انتقمت لشلال الدماء النازف من شعبنا" ..
و تقول شقيقة أخرى لها : "أعتقد أن أكثر ما
أثّر في شخصية شقيقتي هو مقتل الطفلة إيمان حجّو ، لقد لاحظت
عليها تأثرها الشديد و بدأت تتابع نشرات الأخبار و ربما كان
الأمر الذي حسم خيارها هو ما حدث من مجازر في مخيم جنين ، كان
العالم و العرب يتفرّجون ، و كان لا بد من رد ، فتقدّمت عندليب
التي عابت في وصيتها المسجلة تخاذل الحكام العرب" ..
و بعد استشهادها تبيّن أنها عملت مع مجموعة
مروان زلوم القائد في كتائب شهداء الأقصى في الخليل و الذي
اغتالته سلطات الاحتلال بعد فترة من استشهاد عندليب ، و تم
اعتقال عددٍ من أبناء بلدة بيت فجار مثل حمزة عمر شمارخة - 23
عاماً – و الذي حكم بستة مؤدبات و أمجد كامل طقاطقة - 25 عاماً
– و الذي لم يحكم بعد ، لعلاقة الاثنين المفترضة بعملية عندليب
..
و تقول عبير التي مثل غيرها ، تتحدث و كأن
عندليب حاضرة أو أنها ذهبت في مشوار و ستعود حالاً : "قبل أيام
من استشهادها ، طلبت مني عندليب أن أصنع لها حلوى محلية ، و
بقي بعض من مواد هذه الحلوى لم أصنعه ، و أحتفظ به حتى الآن
كذكرى" ..
ومثل عبير يحتفظ أقارب و أصدقاء عندليب
بأشياء تخصّ عبير تذكّرهم برائحتها العطرة مثل نظارتها ، قميص
، صور ، عقود و حاجيات أخرى .. و بتاريخ 27/7/2002 وصل رفات
عندليب إلى البلدة و تم مواراته بإجلال في مقبرة البلدة ، و
عندما خرجت من منزل العائلة قصدت المقبرة البعيدة نسبياً ،
قرأت الفاتحة على روح عندليب و لم أستطع أن أمنع دمعتين
انفلتتا من عيني على من جعلوا حياتنا ، باستشهادهم ، ذات معنى
..
|