|
ورث الأرض
و حبّها عن والده و أبدع في مواجهة الاستيطان
حكاية
الفلسطيني الشاب يوسف بشير مع صراع الاستيطان
نابلس –
جينصافوط – خاص :
لم تكن
الأعوام التسعة عشر من صراع المواطن الفلسطيني مصطفى يوسف بشير
– رحمه الله - من جينصافوط بين نابلس و قلقيلية كافية لثني
ولده يوسف عن مقارعة الاستيطان و التصدّي للمستوطنين دفاعاً عن
أرضه التي يحاول المستوطنون ابتلاعها في وضح النهار و يواصل
جهوده الحثيثة لحمايتها حيث اضطر لترك العمل في الخط الأخضر
قبل اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة و فضّل العمل كحارسٍ
لمدرسة البلدة قريباً من أرضه التي أحبّها وفاء لها و لوالده .
مراسلنا
تجوّل مع المواطن الشاب يوسف بشير في أرضه المهدّدة و اطلع على
واقع الخراب الذي أحدثه الاستيطان فيها و هاله الجفاف الذي لحق
بأشجار الزيتون الفتية و تدمير الحياة في الأرض المسماة "رأس
عامر- الظهر" .
و على
الشارع الرئيسي الموصل بين نابلس – قلقيلية و تحديداً خلف محطة
الوقود اليهودية التابعة لمستوطنة "قرينة شمرون" تختفي مجبرة
ما مساحته 40دونماً من الأرض البكر التي اغتصبت أطرافها و
يملكها ورثة مصطفى بشير و يتابع شؤونها الشاب يوسف .
تنزرع
صامدة فيها أكثر من 200 شجرة زيتون تحاصرها مصانع يهودية تنتج
المواسير البلاستيكية و مصنع للطباعة يدعى "بالفوت" شكّل بؤرة
للإسقاط للعاملين فيه من الشباب تمهيداً لتدميرهم إضافة لمحطات
غسيل كلّ أنواع المركبات و غيار الزيوت المعدنية و الشحوم
الصناعية التي تفيض على الأرض على شكل أمواجٍ تنطلق فيها بين
الحين و الآخر .
و لا يألُ
أصحاب المصانع المذكورة جهداً في إلقاء نفاياتهم و مخلّفات
البناء الصلبة و كلّ ما يطلق عليه اسم أوساخ و نفايات في أرض
رأس عامر تعلوها كميات من الأتربة يتم جرفها و بسطها لتزداد
صلابة و يتم إضافة أجزاء جديدة لتلك المصانع فوقها دون اهتمامٍ
بوجود مالكين للأراضي .
و يقول
الشاب مصطفى إن المصانع المذكورة تتوسّع بشكلٍ دائم خلال ستة
شهور على حساب أرضه ، و يشير بألم إلى "برك" المياه العادمة و
مخلفات الزيوت التي تجمّعت في مواقع شتى بأجزاء الأرض و
أطرافها .
و لاحظنا
برك الزيوت و المياه العادمة تحاصر أشجار الزيتون التي لم تسلم
من النفايات الصلبة و طمرت أجزائها حتى أن أشجار الخروب و
الخروع المعروفة بتحمّلها لقساوة الظروف و شظف الحياة لم تقوَ
على مقاومة المياه العادمة فاستسلمت و توقّفت عن النمو و جفّت
بل و شاخت قبل أوانها .
و كانت
بداية المعركة عام 1980م عندما تصدّى مصطفى بشير – رحمه الله -
لقطعان المستوطنين من "قرنيه شمرون" الذين استهدفوا أراضي
المنطقة و كانت أرضه جزءاً منها و رفض الرضوخ و الخضوع للأمر
الواقع و عربدات المستوطنين و رفض السماح لهم بزراعة الأرض
بأشجار حرجية تمهيداً لوضع أيديهم عليها بالكامل و تصدّى
لمحاولاتهم و وقف أمام الجرافات مرّات و مرات كلما حاولت غرس
أسنانها في أرضه حتى يئسوا منه و اعتدوا عليه بالضرب و ألقوه
في إحدى الحفر و غادروا المكان .
و لم يطل
غياب المستوطنين الذين عادوا فجأة و اقتلعوا آلاف الأشجار من
أراضي قرى حجة و كفر لاقف و جينصافوط منها بينها حوالي 150شجرة
زيتون للمواطن بشير .
و في
أجزاء قليلة متناثرة تسرّبت إليها مياه العادم التي تحتوي على
كميات من المياه الملوّثة و الصرف الصحي نبتت أنواع من
النباتات كالبوص الذي ارتفع خمسة أمتار فوق الأرض و نباتات
أخرى متشابكة أغلقت لاحقاً مساحات من الأرض لا يمكن الدخول
إليها ناهيك عن تغلغل المياه العادمة في الأرض و باتت مستنقعاً
لها لا يجرؤ أحد على المشي فيه .
و يقول
الشاب مصطفى إنه شاهد بين أكوام النباتات المتشابكة حيوانات
برية ، خاصة الخنازير التي أطلقها المستوطنون في الموقع و
تهاجم الإنسان و المزروعات .
و عمد
المستوطنون إلى تدريب هذه الخنازير على عمليات حفر ما حول
أشجار الزيتون و اقتلاعها حيث تكون بداية التدريب بوضع الطعام
لها قرب الساق ثم يوضع بعد ذلك على عمق بسيط ثم تتوالى عملية
التدريب على أعماق أكبر و هكذا حتى تصبح لدى تلك الحيوانات
قناعات بأن طعامها موجود تحت أعماق شجرة الزيتون التي ما تلبِث
أن تقع جراء الحفر تحتها و حولها من الخنازير .
و يؤكّد
أنه لا يستطيع إحضار جرافات لإجراء تغيير في بنية الأرض
الجديدة الناجمة عن مخلّفات المصانع بسبب ارتفاع التكاليف
أولاً و الخطر المفروض عليه من العمل فيها أو إقامة أية
بركسات أو نشاطات زراعية فيها بدعوى وقوعها في المنطقة "C"
، عدا عن الوضع الأمني الحالي الذي يحول دون أية نشاطات أو
خدمات للأرض الأمر الذي يخدم المستوطنين المجرمين .
و يتساءل
: "هل أصحاب الأرض ممنوعون من العمل فيها و استخدامها في الوقت
الذي يسمح فيه للمستوطنين القادم من أصقاع الدنيا بحق العمل و
البناء و الاستيطان ؟؟" ..
و في عام
93 قام المستوطنون بنشر بعض أشجار الزيتون عن وجه الأرض و سكب
مواد كيماوية على باقي الساق و الجذور لضمان عدم نموها و قتلها
للأبد .
و لم
تتوقّف أطماع المستوطنين إلى هذا الحد بل تعدّاه إلى إعلان
بعضهم في الصحف عن عزمه تسجيل الأرض باسمهم خلال 45 يوماً تحت
ادعاءات كاذبة بملكية الأراضي عبر بيعها بوكالة دورية من
سماسرة و عملاء لليهود .
و دخلت
عائلة بشير في صراعٍ جديد مع المستوطنين من حيث النفقات
المالية المرتفعة كأتعاب المحامين و مسح الأراضي و إخراج
القيود للملكية و تقديم اعتراضات و الذهاب للمحاكم و هكذا .
و يقول
مصطفى إن المحاكم "حبالها طويلة" و جلساتها أطول و تم تأجيل
الجلسات مرات و مرات بهدف إعطاء الفرصة للمستوطنين لفرض مزيد
من الوقائع على الأرض و ترتيب أوراقٍ جديدة من التزوير .
و حصلت
العائلة على قرار حكم بملكية الأرض و عدم تدخل المستوطنين فيها
و سمح لهم بطريقٍ للوصول إليها و لكن كأنها لا تملك تلك الأرض
لأن القرار لم يتضمّن أوامر بعدم إلقاء المخلّفات الصناعية و
المياه العادمة إليها و التي تشكّل احتلالاً و سيطرة جديدة
عليها ، بهدف تخريبها و إجبار العائلة على هجرانها تمهيداً
لسرقتها مجدّداً .
و حاول
المستوطن "موشيه زوهر" الأب الروحي لمستوطنات منطقة قلقيلية
التي تعتبر الأكثر و الأنشط في فلسطين ، حاول إغراء يوسف بشير
"أبو حلمي" و عرض عليه إغراءاتٍ مالية بدل الأرض و مبالغ
خيالية إضافية لرواتب مدى الحياة له و لأولاده و حسابات شهرية
مباشرة من الحكومة اليهودية إلا أن أبو حلمي – رحمه الله - هجم
على المستوطن "زوهر" الذي لاذ بالفرار بسيارته في المكان .
و أراضي
رأس عامر ليست القطعة الوحيدة التي تعرّضت للمأساة من
المستوطنين المجرمين ، فقد استهدفت منطقة القرن الشمالي التي
أقام عليها "زوهر" قصره المشرف على المنطقة بالكامل حيث تعرّض
في أعوام الثمانينات منذ بدايتها لمحاولة اغتيال فشلت بعدما تم
علاجه و حكِم على الذين نفّذوا المحاولة بسنوات في سجون
الاحتلال .
و حاصر
حقول الألغام الموجودة قصر "زوهر" التي تعتبر عنصر حماية آخر
له إضافة للحرس الموجودون في القصر و على طول الطريق القريب
جداًً من مستوطنة "قرينه شمرون" .
كما نشط
المستوطنون عام 82 إبان حكم بيغن و استولوا على أراضي جبل
الذيب من أراضي جينصافوط و دير استيا و أنشأوا مستوطنة عمنوئيل
الاستعمارية و التي تعني "معنا الله" و التي توسّعت لاحقاً
بشكلٍ كبير و بنيت منازلها الحجرية على شكلٍ هندسي و نسق غربي
واضح .
و يتضح أن
الأراضي التي استولى عليها المستوطنون في "عمونئيل" هي عشرة
أضعاف حجم المستوطنة في أبنيتها خاصة الطريق المؤديّة إليها و
مصانع تابعة لها .
و مؤخّراً
أقام المستوطنون نواة استيطانية على أراضي خلة دجة التابعة
للبلدة و المطلة على وادي قانا بهدف ربط المستوطنات مع بعضها
البعض للاتصال مع "جينات شمرون" و "معاليه شمرون" و "يكير" و
"نوفيم" و "عمنوئيل" و "قرينه شمرون" مشكلة فاصلاً استيطانياً
متواصلاً على طول الحدود الشرقية لخط الهدنة .
و في
منطقة القرنين الجنوبي يهاجم المستوطن "زوهر" أصحاب الأراضي
الذين يذهبون لخدمة أراضيهم و العمل فيها بدعوى أنه قام
بشرائها . و تبقى حالة المواطن مصطفى بشير تتطلب المساندة و
المساعدة في كافة المراكز و المؤسسات الحكومية و الشعبية
لتمكينه و غيره من الحفاظ على أرضه و عدم تركها نهباً
للمستوطنين و الاستيطان الذي لا يشبع في ظلّ الوضع الحالي الذي
يعلم المستوطنون أنه لا مجال لأحدٍ أن يصل للمحاكم و الأرض و
هو ما يشكّل عنصراً مساعداً لهم .
|