|
"كل ذهب العالم لا يساوي قيمة أرضي"
عبد الله البشير
دفع ضريبة الدفاع عن أرضه عدة سنوات
في السجون
فلسطين –
خاص :
لا يجد
السائل عن شخصية عبد الله البشير - أبو أحمد - صعوبة في الوصول
إلى منزله في قرية جينصافوط غرب نابلس على طريق المؤدية
لقلقيلية ، و ما أن يقع نظره عليه لأول وهلة و يرى جسمه الضخم
تعلوه تعاريج و تجاعيد تستوطن جبينه و وجهه العريض تحمل هموم
المنطقة و تحكي قصة أشجار الزيتون مع جرّافات الخراب و غول
الاستيطان ، تمتد يده الضخمة لتصافحك فيما تقبض يسراه على عصا
يتوكأ عليها جرّاء آلام خلفتها سنون الاعتقال في سجون الاحتلال
..
و عند
الحديث عن النشاطات الاستيطانية و مصادرة الأراضي في منطقة غرب
نابلس و قلقيلية لا يمكن للباحث و المتابع إلا أن يعرج على
معاناة البشير و عددٍ من أهالي جينصافوط الذين أصبحت حياتهم
اليومية مليئة بالقصص و الخداع و التزوير و الاحتيال و
المواجهات التي لن تتوقّف مع المستوطنين و الجيش الصهيوني مما
حدا بالجمعية الفلسطينية لحماية حقوق الإنسان و البيئة –
القانون - (مؤسسة الأرض و المياه سابقاً ) لإصدار كتيب صغير
يحمل صورته على الغلاف و يتضمّن معاناته و بطولته التي خطّ
سطورها في مقاومة الغول الاستيطاني ..
بداية رحلة
العذاب :
و يقول
البشير المولود في جينصافوط عام 39 و الأب لثلاثة عشر ابناً :
إنه يملك مساحات شاسعة من الأراضي إذا ما قورنت بالملكيات
الصغيرة داخل المجتمع الفلسطيني و الريفي و المنتشرة على أطراف
قريته و بعضها يقع داخل حدود القرى المجاورة و التي وصلت إليه
بالوراثة عن والده أو عبر الشراء منذ سنوات بعيدة ..
"كنت أعيش
حياتي الاعتيادية في فلاحة الأرض كونها مصدر رزق الوحيد و في
عام 79 لم تشأ سلطات الاحتلال لي الاستمرار في نمط حياتي
المعهود و أرادت تجسيد ما حصل مع الشعب الفلسطيني في 5 حزيران
67 في شخصي بعد 12 عاماً عندما استلمت يوم 5/6/79 إشعاراً من
الحكم العسكري يتضمّن شق طريق يوصل بين شارع قلقيلية - نابلس و
مستوطنة عمنوئيل و ستمرّ عبر أرضي و دعونني لاستلام تعويض لقاء
الأضرار" ، و يضيف البشير : "شقت جرافات الغول الاستيطاني تلك
الطريق و مزّقت قطعتين من أرضي بعد إعدامهم لمائة شجرة زيتون
مثمرة حيث قدّرت الخسائر آنذاك بنحو 25 ألف دولار و تقدمت
باعتراض لدى المحاكم الصهيونية و كانت المفاجأة عندما أقرّت
تعويضاً لي عن الخسائر و الأضرار دون إيقاف التخريب للأرض" ..
و رفض البشير استلام التعويض لكونه يمسّ السمعة و الكرامة و
الشرف و الانتماء للوطن و طريقة ملتوية للبيع و الموافقة ..
حلقات
المسلسل :
و تطوّرت
الأحداث و تلاحقت الاعتداءات الاستيطانية كما يوضح البشير في
عام 81 عندما استولى المستوطنون على دونمين و نصف من أرضه
المسمّاة "رأس عامر - الظهور" المسجلة في قيد المالية الأردنية
تحت رقم 20 من حوض 11 من أراضي حجة و مساحتها 42 دونماً و 627
متراً .. عندما أقام المستوطنون مصنع "أديرت" للنسيج في
مستوطنة قرنيه شمرون جرفوا الجزء المقتطع من أرضه و تمت تسويته
و فرشه بالرمل و الحصى و إلحاقه بحدود المصنع ..
و وقف
البشير للمستوطنين بالمرصاد و أوقف العمل في أرضه و تصدّى
للجرافات و في مقدّمتهم مشيه زوهر المستوطن الأول في المنطقة و
أحد أعضاء التنظيم الإرهابي اليهودي المتهم بالمشاركة في
محاولة اغتيال بسام الشكعة - أبو نضال - رئيس بلدية نابلس
المنتخب ..
لا يوجد في
العالم ما يساوي أرضي :
رفض
البشير التنازل عن أرضه فعرض عليه المستوطنون إغراءات كبيرة
للتنازل عنها و أهم تلك الإغراءات تسجيل أسهم في مصنع "أديرت"
و منحه رخصة بناء لمنزله الذي ترفض السلطات الصهيوينة منحها له
منذ فترة ، و مدّ شبكة مياه لأرضه لتحويلها من الزراعة البعلية
للمروية و تعيينه مسؤولاً عن عمال المصنع و البالغ عددهم 200
عامل و براتب مدى الحياة إلا أن جرأته و تمسكه بأرضه وقف
حائلاً أمام إغراءاتهم و قال لهم : "ليس هناك في العالم كله ما
يمكن أن يساوي أرضي" ..
و أمام
رفض المستوطنين إخلاء أرضه أوكل البشير المحامية فيليتسيا
لانغر لرفع قضيته ضد المستوطنين في محكمة العدل و صدر القرار
لصالحه ، و أثناء عملية تسليم الأرض جدّد الحكم العسكري عرض
إغراءاته السابقة للتنازل عن الأرض و لوّحوا له باستصدار قرار
عسكري لمصادرة الأرض لحفظ ماء الوجه لكنه مرة أخرى أطلقها دون
خوف و قال : "لو عرضتم عليّ كلّ أموالكم لرفضتها و لو
أعطيتموني قطعة الذهب بحجم الجبل ما تنازلت عن ذرة تراب من
أرضي" .
عدوان على
أرض البهلول :
و يروي
البشير تفاصيل اعتداء جديدٍ آخر على أرض جاره سيف البهلول في
إحدى ليالي تموز من عام 82 حيث هرع برفقة سيف ليطاردوا
المستوطنين بالحجارة و ردّوهم على أعقابهم رغم أن عددهم 50
مستوطناً و معهم ثمانية آليات للتجريف و وصف ما قام به أنه
"انتفاضة مبكرة" .. و لم يكتفِ البشير بهذا الدور فقط بل وظّف
ما اكتسبه من خبرات قانونية لخدمة المزارعين الآخرين الذين
تتعرّض أراضيهم للمصادرة كأحد النشيطين في الدفاع عن الأرض ..
تهديد
بالإبعاد :
و في عام
1982 وجّهت إليه السلطات الصهيونية تحذيرات بالإبعاد عن البلاد
إلا أن نهاية التحذيرات أخذت اتجاهاً آخر و في طريق ثانية
تعرّض المستوطن مشيه زوهر لمحاولة قتل في 25 / آذار 83 بالقرب
من مستوطنة قرنيه شمرون و حسب لائحة الاتهام فإن الإدارة
المستخدمة انتقلت من البشير إلى منفّذ العملية من نفس القرية و
هو محمد أبو سعيد و اعتقلت البشير في نفس اليوم و صدر بحقّه
حكماً بالسجن لمدة عشرة شهور و تابع سماسرة الأراضي المستوطنين
ملاحقته داخل السجن و عرضوا عليه إغراءات و عروضاً مختلفة
لبيعها للمستوطنين و تعرّض للتهديد لمؤامرة جديدة بعد خروجه من
السجن عبر رسل المستوطنين له في السجن و مع اقتراب موعد
الإفراج عنه بحوالي 40 يوماً أعيد للتحقيق من جديد و قدّمت له
لائحة اتهام جديدة ورد فيها أنه حرّض شريكه أبا سعيد على قتل
المتعاون صادق بليل من قرية الفندق و حكم لمدة 30 شهراً فعلية
و 24 شهراً مع وقف التنفيذ حيث قال له القاضي العسكري : "لماذا
أنت عنيد إلى هذه الدرجة و ترفض بيع أرضك ؟" ، فأجابه : "ليس
هنالك في العالم كله مال يمكن أن يساوي قيمة أرضي".
و أصيب
البشير أثناء سنوات سجنه بأورام في ساقه اليسرى و لم تجرَ له
أعمال العلاج و طلب منه طبيب السجن تخفيف وزنه حيث لا يستطيع
ثني ساقه التي تعيق حركته حتى الآن رغم الإشارة الطبية بضرورة
إجراء عملية جراحية لاستبدال ركبته بأخرى صناعية و ما زال
يستخدم عكازاً تساعده على التنقل ..
شوكة في
الحلق :
و يؤكّد
البشير أنه شوكة في حلق المستوطنين و السماسرة الذين رأوا فيه
سبباً معطلاً لهم في عمليات المصادرة و أنه لا بدّ من تحطيم
هذا الرجل و عناده و يروي البشير الدلائل المؤيدة لحديثه و
يقول : "أثناء وجودي في السكن المركزي في نابلس عام 85 قدم
المستوطن موشيه زوهر حجة بيع مزورة لمحكمة نابلس لتسجيلها" ،
تحت مزاعم أن البشير باعها له و طلب البشير من عائلته توكيل
محام لإبطال عملية التزوير و تم إسقاط الدعوى لصالحه .. فيما
تم عرضٌ آخر عليه داخل السجن من شقين الأول بيعها بثمانين ألف
دينار أردني و الثاني إخراجه من السجن فور موافقته على البند
الأول ، و رفض العرض و عاش سنوات اعتقاله صابراً محتسباً ليجد
عائلته قد باعت أملاكها من المواشي و الدكان الخاص للدفاع عن
الأرض بالإضافة للديون المالية ..
فقدان الزوجة :
و اشتدت
المعركة ضراوة مع زوهر عندما اعترض زوهر و شركة - همنوتا
الصهيونية على تسجيل البشير لقطعة أرض و ادعى أن القيد مزوّر و
أبرز زوهر أوراقاً من المحكمة المركزية في القدس ضد البشير و
أبو سعيد يحجز بموجبه على هذه القطعة و أدرك خطورة القرار و
عاد لبيته حزيناً شارداً و ما إن علمت زوجته بالحادثة حتى أخذت
تشدّ شعرها بعصبية و أصيبت بحالة تشنج و نقلت للمستشفى و توفيت
بعد ذلك بأيام حيث يعتقد البشير أن الحادثة أدت لفقدانه زوجته
التي أنجبت له ثلاثة عشر ولداً و بنتاً ..
و ما زال
البشير لا يعرف معنى للراحة يجوب الأرض يعمل هنا و هناك و
يوجّه أبناءه للتحلّى بالصبر ، و يخفي خلف ابتسامته قصة
المعاناة الطويلة لرفضه التنازل عن أرضه و تعلقه بها أمام كل
المحاولات الهادفة لابتلاعها و النيل من كرامته و عناده ..
|