|
أبو فايز القريوتي
نموذج لإنسان عشق الأرض ودافع عنها
خاص
تنبئك
ملامح وجهه وحركات يديه، والحرقة التي تبدو في حديثه، عن وجع
قديم تضرب جذوره في أعماق جسده النحيل، الذي خبأ خلفه عزيمة
فولاذية تحدت صلف المستوطنين، وقطعت أسلاك المستوطنة، وواجهت
الكلاب المدربة وصمدت أمام طغيان الأدوات الحادة التي اخترقت
خاصرته، وأخرى تركت آثارها في رأسه وأنفه.
تلك هي
ملامح شخصية المزارع الفلسطيني الصلب، أبو فايز القريوتي، من
مواليد عام 1932 في بلدة قريوت، المطلوب رقم واحد للمستوطنين
في منطقة مشاريق نابلس، والذي اعتاد المستوطنون أن يطلقوا عليه
"كلب عرفات" أثناء الاعتداء عليه وضربه بوحشية.
ويشير
أبو فايز القريوتي، إلى آثار الضرب على رأسه ويرفع حطته
البيضاء لترى تحتها خارطة أشبه بالطرق الالتفافية أو "تموجات"
جبل "الرؤوس الطوال" القريب، الذي ابتلعته مؤخراً نواة
استيطانية سرطانية أطلق عليها "جلعاد".
ولا
زالت آثار الضرب بادية على أنفه الذي أصابه بعض "الاعوجاج"
نتيجة للضرب بالعصي وقبضات المستوطنين، ناهيك عن كسر عظمة
الأذن وإزالتها وتحطيم أسنانه.
وقد
اشتبك عدة مرات مع المستوطنين بيديه العاريتين وبعض الحجارة من
أرضه وعصا الحراثة. وذات يوم جاءه مختار مستوطنة "شيلو" ومعه
سبعة من أوغاد المستوطنة، يحملون العصي ومعهم الكلاب المدربة
وطلبوا منه المغادرة، وقبل أن يكمل أحدهم الحديث التهديدي،
سبقت عصا مستوطن على ظهره ليقفز مثل المجنون تمتد يديه إلى
حجارة الأرض ليدافع عن نفسه، وما هي إلاّ لحظات حتى سقط على
الأرض مغشياً عليه وتركوه غارقاً في دمائه.
وكان
برفقته عدد من المزارعين الذين يقومون برعي الأبقار والأغنام،
واستيقظ ليعلم بعد ذلك أن المستوطنين قاموا بسرقتها وأدخلوها
إلى المستوطنة .. وبعد أن استرد عافيته في ذلك اليوم، ومع
انطلاق المؤشر "العقرب" في ساعته، مشيراً إلى الساعة الثانية
عشر ليلاً، توجه أبو فايز وبيده مقصاً حديدياً نحو سياج
المستوطنة وقطع الأسلاك بالمقص، ودخل في الليل البهيم يبحث عن
الأبقار والأغنام حتى عثر عليها وساقها عائداً إلى البلدة.
وبعد
ذلك انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم، وبات أبو فايز
مطلوباً للجيش والمستوطنين، لكنه كان أذكى منهم بكثير فقد قام
ببيع الحيوانات ودفع ثمنها لأصحابها حتى لا يتمكن الاحتلال
ومستوطنيه من سرقتها مجدداً، وأصبح منذ تلك اللحظة مطارداً
لهم. وبلغ عدد الأبقار ستة رؤوس وخمسة عشر رأساً من الأغنام.
ولم
يطل الأمر بأبي فايز، حتى وقع في الفخ واعتقل مرات عديدة وتعرض
لأساليب قاسية من التعذيب أبرزها استخدام الكهرباء، وسكب الماء
البارد وهجوم الكلاب في ساحة الفورة.
ويروي
أبو فايز، قصة أخرى حول معاركه مع الاستيطان عندما طلع عليه
المستوطنون وكان برفقته ولده "الأسمر" وطردوا جميع المزارعين
الذين يحرثون وبقي هو وولده، فتوجهوا نحوهم وضربوا "الأسمر"
بكعبة البندقية، تقدم أبو فايز نحو المستوطنين وخاطبهم قائلاً
وبشكل جدي، أنا رئيس نقابة الحراثين في قريوت "، من أنتم ؟؟
قالوا… مستوطنون من "شيلو" … قال اذهبوا وأحضروا المسئول عنكم
غداً، لأني لا أتحدث سوى مع مسئولين، وبالفعل غادروا ليعودوا
في صبيحة اليوم التالي، مع مختار المستوطنة وجرافة تقدمت نحو
عود الحراثة وداسته وحطمته … لم يتحمل أبو فايز، ما جرى، وحمل
عصاه والمنساس (أداة حديدية تستخدم لإزالة الأعشاب والتراب عن
جانبي العود)، وهاجمهم وتمكن من طردهم بعد أن اشتبك معهم بعراك
بلغ الصياح فيه أطراف البلدة، التي لم يجرؤ أحد منهم على
الاقتراب من شدة الخوف كما يقول.
ويقول
أبو فايز: "عدت صبيحة السبت لإكمال الحراثة، وعاد المستوطنون
ومعهم كلاب الحراسة ثم جاء لحراستهم جيب أبيض به عشرة مستوطنين
وكان العمل يومها في أرض تسمى موارس القبور والجامع العمري …
وبدون مقدمات، هاجموني وهم يصرخون "ياكلب عرفات" ودافعت عن
نفسي بالطورية وأصبت أحدهم، فزاد غضبهم وأطلقوا كلابهم
المسعورة علي، وضربني أحدهم بالسبخة (وهي أداة حديدية مدببة
الرأس تستخدم في فوهة السلاح)، ودخلت إلى خاصرتي، وعلا صوتهم
فرحاً "مات كلب عرفات"، ويومها كذلك سرقوا الأغنام والبقر ولم
يجرؤ الأهالي على نقلي إلى المستشفى خوفاً من الاعتقال وعولجت
في مستشفى رام الله وتم تجبير رأسي وبقية جسدي".
ويعرب
أبو فايز، عن الأسى عندما أكمل المستوطنون سرقة أرضه المسماة
"سيلون" ومساحتها 312 دونماً، ويملك بها "كوشان تركي"، وأقيمت
عليها الكرفانات وزرعت بالتفاح والعنب والخوخ والأجاص، ورغم
صعوبة فصول المأساة على نفسية أبو فايز، إلاّ أنّ الجنود
اليهود لم يتركوه وحالة إذ أقدموا على خطف نجله راتب 12 عاماً،
وضربوه بشدة وألقوة على الأرض، وتعدى ذلك باقتحام المستوطنون
لمنزل أبو فايز، من جهة النواة الاستيطانية في جبل المراح،
وأطلقوا النار بعشوائية على أولاده وأصابوا اثنين بالرصاص،
أحدهم في فخذه والآخر في الحوض، وأدخلا إلى المستشفى ولا
يزالان قيد العلاج في مستشفى رفيديا.
ويؤكد
أبو فايز، على خطورة الوضع هناك حيث يحمل أطفال المستوطنين في
جبل المراح السلاح الناري ويهاجمون الأهالي والمزارعين،
ومؤخراً قاموا بمهاجمة أطفال الروضة التابعة للجمعية الخيرية.
ولا زال
أبو فايز، يعاني الأوجاع المشتركة في جسده ومشاهدة الغرباء
الذين سرقوا أرضه وهم يروحون ويجيئون كأنهم المالكون وليسوا
أكثر من لصوص وغرباء.
|