|
في ذكرى اغتيال الشهيد هاني عابد :
الصهاينة يلوّحون باغتيال أمين عام الجهاد الإسلامي رمضان شلّح
بيت لحم –
خاص :
في هذه
الأيام التي (تسرّب) فيها حكومة الاحتلال أنباء عن وضع الدكتور
عبد الله شلح أمين عام الجهاد الإسلامي على لائحة الاغتيال ، و
كأنه لم يكن موجوداً أصلاً على تلك القائمة ، تمر ذكرى أول
اغتيال نفّذته حكومة الاحتلال بعد اتفاق أوسلو و الذي ذهب
ضحيته الشهيد هاني عابد .
ففي
الساعة الثالثة من عصر يوم 2/11/1994 خرج هاني عابد أحد مسئولي
الجهاد الإسلامي ، الذي كان يدير مكتب أبرار للصحافة بغزة ، ذو
العلاقة بحركة الجهاد الإسلامي و يعمل محاضراً في كلية العلوم
و التكنولوجيا بخانيونس ، من الكلية بعد انتهاء عمله و ركب
سيارته من نوع (بيجو 104) و عندما أدار محرّكها انفجرت السيارة
و سقط هاني عابد شهيداً ، و الذي اتهمته حكومة الاحتلال بتدبير
عملية عسكرية استهدفت جنديين قرب حاجز بيت حانون (آيرز) في
العشرين من أيار 1993 . و وصفته صحيفة هآرتس الصهيونية بعد
اغتياله أنه رئيس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في
قطاع غزة .
و فور
اغتياله ، اتهمت الفصائل الفلسطينية حكومة الاحتلال بتدبير
الاغتيال ، و في صيف 1997 قال الوزير في السلطة الفلسطينية
فريح أبو مدين أثناء ردّه على منتقدين للسلطة في اجتماع مفتوح
في قاعة الاتحاد النسائي العربي في مدينة بيت لحم ، إنه أعطى
مسدسه الشخصي للشهيد عابد و حذّره من الاغتيال ، و ربما عنى
بذلك أن السلطة كانت لديها معلومات حول المستهدفين من قبل
حكومة الاحتلال .
و عابد ،
المولود في عام 1960م في غزة لأسرة فلسطينية بسيطة و متدينة ،
واحد من جيل فلسطيني خطا خطواته الأولى مع الاحتلال الصهيوني
لباقي الأراضي الفلسطينية عام 1967م ، و كان مقدّراً لهاني أن
يشهد اعتقال والده عام 1971م على يد الاحتلال بتهمة مقاومة
الاحتلال ، و سيتذكر فيما بعد دائماً الزيارات التي كان يقوم
بها مع والدته لوالده في السجن .
و في عام
1980م التحق بالجامعة الإسلامية بغزة ، و هناك اقترب من مجموعة
طلابية صغيرة في ذاك الوقت ، بخلاف الأطر الطلابية الوطنية و
القومية و اليسارية المتعددة ، كان اتجاهها إسلامياً .
و حسب
سيرة شبه رسمية ، فإن عابد خلال اقترابه من هذه المجموعة عرف
أن فلسطين و الإسلام توأمان لا ينفصلان ، و أن مرحلة جديدة سوف
يحمل فيها أبناء الإسلام راية الدفاع عن فلسطين آتية لا محالة
.
و في تلك
الأثناء التقى مع الدكتور فتحي الشقاقي ، الذي أسّس حركة
الجهاد الإسلامي في فلسطين ، تلك الحركة التي كان مقدراً لها
أن تلعب دوراً بارزاً بجانب فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية
الأخرى .
و بعد
تخرجه في الجامعة عام 1984م من كلية العلوم قسم الكيمياء ،
أكمل دراسته للماجستير في جامعة النجاح الوطنية عام 1988م ، و
كان التيار الإسلامي في الحركة الطلابية في تلك الجامعة يتعاظم
دوره .
و اعتقل
عابد لأول مرة عام 1991م ، و أمضى ستة أشهر في معتقل النقب
الصحراوي ، و بعد خروجه تولى مسؤولية الجماعة الإسلامية ، و هي
الإطار الطلابي السياسي العلني لحركة الجهاد الإسلامي في
الجامعات الفلسطينية ، و فيما بعد أصبح مسؤولاً إعلامياً في
حركة الجهاد الإسلامي من خلال تأسيسه لجريدة الاستقلال في قطاع
غزة و لمكتب أبرار للصحافة .
و بعد
قيام السلطة الفلسطينية أصبح هاني عابد أول معتقل سياسي لدى
السلطة ، بعد قيام مجموعة عسكرية تابعة للجهاد الإسلامي بتنفيذ
عملية عسكرية شمال قطاع غزة أسفرت عن مقتل ثلاثة من جنود
الاحتلال ، و اتهام حكومة الاحتلال لهاني عابد بالتخطيط
للعملية .
و كان هذا
الاعتقال مرحلة هامة في حياته و في مسيرة الحركة الوطنية
الفلسطينية ، و كانت بداية لخلافات من نوع جديد بين فرقاء
الحركة الوطنية و الإسلامية الفلسطينية ، فالسلطة الفلسطينية
كانت محكومة باتفاقيات و رؤى ، و تحاول فرض تصوّرها للعلاقة مع
الكيان الصهيوني على الآخرين ، في حين كانت فصائل أخرى و من
بينها الجهاد الإسلامي التي ينتمي إليها عابد ، ترى أن من
حقّها الاستمرار في النضال و القيام بعمليات ضد الاحتلال ،
الذي أعاد تموضع قواته في الأراضي الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو
الذي أفرز السلطة الفلسطينية ، و لم ينسحب منها .
و شكّل
الاعتقال ما يشبه (الصدمة) لأوساط في الرأي العام الفلسطيني لم
يكن بمقدورها هضم مسألة أن تقوم السلطة الفلسطينية باعتقال أحد
(لأسباب وطنية) . و يمكن استشفاف ذلك من البيان الذي أصدرته
حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في اليوم التالي للاعتقال ، في
(القدس 27/5/1994م) . و تميّز البيان بقسوة نسبية تجاه السلطة
(لقد أقدمت أجهزة الأمن الفلسطينية في غزة و التي يترأسها
المدعو أمين الهندي على اعتقال الأخ هاني عابد ، أحد الشخصيات
و الفعاليات الإسلامية البارزة و المعروفة في مدينة غزة ، حيث
اختطفته من مقرّ عمله ، و أودعته سجن غزة المركزي و هكذا تفتتح
أجهزة القمع الصهيونية التي يفترض أنها غادرت غزة قبل أقل من
أسبوعين و لكن يبدو أنها تركت وكلاءها و مندوبيها لإكمال الدور
الصهيوني و لأجل الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني) .
و يمضي
البيان غاضباً مستهجناً رابطاً بين سلطة الاحتلال و السلطة
الفلسطينية الجديدة (ليعلم أمين الهندي و غيره من الزبانية
الجدد أنهم برغم مديح و ثناء إسحاق رابين لهم بأنهم يقومون
بدورهم على أكمل وجه ، فإنهم ارتكبوا عملاً خطيراً و غبياً
عندما اختطفوا الأخ هاني عابد ، فالذين قاوموا الاحتلال و
الإرهاب الصهيوني ببسالة شهدها و شهد لها العالم لن ينكسروا
أمام أي إرهاب جديد) .
و رأت
مصادر في الجهاد الإسلامي في حينه أن اعتقال هاني عابد بمثابة
(رهينة سياسية حتى نوقف عملياتنا الجهادية) كما قال الأمين
العام للحركة الشهيد فتحي الشقاقي في تصريح نشرته صحيفة الحياة
اللندنية (5/6/1994م) .
و أشار
الشقاقي في تصريحه ذاك إلى أنه أجرى اتصالات غير مباشرة مع
الرئيس عرفات و قيادة منظمة التحرير لإطلاق سراح هاني عابد ، و
أنه أبلغ تلك القيادة و عرفات بشكل غير مباشر أيضاً أن أي
اعتقال (لإخواننا سيصعّد من العمل العسكري ضد الاحتلال كي
نبرهن لهم بأنه لا يمكن ابتزازنا عن طريق اعتقال أحد إخواننا
في الحركة ، و أنه طالما بقي عابد معتقلاً فسنصعّد العمل
العسكري و لن يكون استمرار إيقاف عابد سبباً لإيقاف العمل
العسكري) .
و بهذه
المناسبة اعتبر الشقاقي أن العمليات التي نفّذها الجناح
العسكري للجهاد المعروف باسم (قسم) ، كشفت أن (الانسحاب
الصهيوني من غزة لم يكن حقيقياً ، و السيادة الصهيونية لا زالت
موجودة و أن مرجعية الإدارة الفلسطينية هي "إسرائيل") .
و خرج
هاني عابد ، أول معتقل سياسي فلسطيني لدى السلطة الفلسطينية من
السجن ، و في حين كانت سلطات الاحتلال فشلت باعتقاله قبل إعادة
تموضع قوات الاحتلال في قطاع غزة بنحو أسبوع ، بعد أن حاصرت
منزله في حي الغفري بمدينة غزة ، و لكنه كان قرّر عدم تسليم
نفسه لهم ، فإنها نجحت باغتياله بعد أن أنهى عمله في كلية
العلوم و التكنولوجيا ، و ركب سيارته متوجّهاً لعمله الإعلامي
، و ما إن أدار المحرك حتى انفجرت به السيارة و خرّ شهيداً ،
ليكون أول شهيد يتم اغتياله في المرحلة التي أطلق عليها مرحلة
"السلام" ، مثلما كان أول معتقل سياسي فيها .
و رغم أن
حكومة الاحتلال التزمت الصمت حول حادث الاغتيال ، لكن هناك لدى
متّهمي الاحتلال بتدبير الاغتيال مبرّرات لاتهامهم خصوصاً و أن
الاغتيال جاء بعد تهديدات أطلقها إسحاق رابين ، رئيس وزراء
الكيان وقتذاك ، باتخاذ إجراءات ضد نشطاء حماس و الجهاد
الإسلامي بعد عملية "تل أبيب" الاستشهادية في حينه ، على نحو
ذكر بما فعله بن غوريون في الخمسينات و غولدا مائير في
السبعينات .
و بتاريخ
23/10/1994 أكدت صحيفة (الأوبزيرفر) البريطانية أن رابين أعطى
أوامره بملاحقة قادة فلسطينيين . و في مقال افتتاحي بعد اغتيال
عابد كتبت صحيفة هآرتس بعنوان (الثواب و العقاب) مذكّرة بسلسلة
الاغتيالات التي نفّذتها حكومات الاحتلال بعد عملية ميونخ .
و اعترفت
هآرتس أن عمليات الانتقام الصهيونية قد تخطيء هدفها أحياناً (و
هو أمر مؤسف) حسب الصحيفة و لكنها قالت بوضوح و هي تتخلّى عن
رصانتها (النسبية بالنسبة للصحف العبرية الأخرى) : (إذا كان
هاني عابد قد تورّط في عمليات قتل فإنه لا يستحق اعتذاراً ، بل
لقي العقاب الذي يستحقه) .
و ربطت
معظم الصحف الصهيونية التي خصصت مساحات واسعة لتغطية حادث
اغتيال عابد ، بين تهديدات رابين و حادث الاغتيال . و هو ما
يؤكّد مسؤولية الاحتلال عن اغتيال عابد بعملية إعدام غير قضائي
كما تسمّي ذلك منظمات حقوق الإنسان . و أن الكيان الصهيوني
مستمر به حتى أثناء (العملية السلمية) و هو ما أكّده الواقع
بعد ذلك .
و بعد
حادث الاغتيال ، قال الدكتور الشقاقي إن الموساد الصهيوني وضع
هاني عابد على رأس قائمة التصفيات بناء على قرار رابين ، و
تنفيذاً لتهديداته ضد حماس و الجهاد الإسلامي .
و أضاف
الشقاقي في حديث لصحيفة العرب (10/11/1994م) أن قادة الكيان
يدّعون أن (هاني عابد مسؤول عسكري في الجهاد الإسلامي ، و كان
مسؤولاً عن مقتل عددٍ من الجنود الصهاينة ، و نحن نؤكّد أن
هاني كان من نشطاء الجهاد الإسلامي بالفعل ، و لكنه كان
سياسياً ، إضافة لكونه أستاذاً جامعياً و صحافياً ، و عندما
فشلوا في معرفة القادة العسكريين قاموا بتصفية هدف سياسي سهل)
.
و ردّاً
على سؤالٍ للصحيفة إذا كانت حركة الجهاد تتهم السلطة
الفلسطينية بالتعاون في قتل هاني عابد ، أجاب الدكتور الشقاقي
(لا نتهم السلطة بمحاولة القتل ، و لكن السلطة تغضّ النظر عن
عملاء الموساد الذين يحملون ضمانات بعدم التعرّض لهم ، بل إن
عملاء الموساد يخترقون هذه السلطة بقوة و في مستويات عديدة و
هامة و من المفروض أن تتحمل السلطة مسؤولية حماية المواطنين أو
تعلن عن عجزها لتقوم القوى المجاهدة بهذه المسؤولية) .
و مثلما
يحدث عادة ، فإن الصهاينة ينسون أنهم لا يستطيعون وحدهم رسم
معادلة (الثواب و العقاب) حسب تعبير صحيفة هآرتس العبرية ،
فبعد أيام قليلة من اغتيال عابد ، و في حين كان أصدقاؤه و
مناصرو القوى الوطنية و الإسلامية يحضرون حفلاً لتأبينه في غزة
(11/11/1994م) ، انطلق أحد تلامذة الشهيد عابد و اسمه هشام حمد
، راكباً دراجته الهوائية متمنطقا بالمتفجرات في عملية
استشهادية ، مقتحماً تجمعاً عسكرياً قرب مستوطنة نتساريم ،
ففجّر نفسه فيها ، انتقاماً لهاني عابد ، فقتل خمسة من جنود
الاحتلال ، و أصاب عشرة آخرين ، حسب مصادر صهيونية .
و أعلنت
حركة الجهاد أن تلك العملية هي واحدة من سلسلة عمليات جهادية
انتقاماً لعابد ، و هو ما حدث بالفعل خلال الأشهر التالية ، في
عمليات كان لها صدى كبير ، مثل العملية التي فجّر فيها الشهيد
خالد الخطيب سيارة كان يقودها في حافلة عسكرية في مستوطنة كفار
داروم أسفرت عن قتل عشرة جنود يوم (9/4/1995م) ، و العملية
الكبرى في بيت ليد التي نفّذها الشهيدان : صلاح شاكر و أنور
سكر ، و فيما بعد اعتبرت سلطات الاحتلال هذه العمليات و غيرها
مبرّراً لقتل زعيم الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي .
عندما
استشهد هاني عابد ، كان أربعة من البنين و البنات ، و كانت
زوجته حاملاً ، ولدت بعد استشهاده بنتاً ، أسموها (قسم)
تماهياً مع اسم الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ، و التي
خرج منها استشهاديون كانوا مع غيرهم من الاستشهاديين ، أنبل
ظاهرة في عصر الانحطاط العربي .
|