|
مجاهد قسامي يروي صور البطولة و التضحية في
معركة مخيم جنين
المجاهدون أثبتوا وحدة وطنية لا مثيل لها
.. و تخطيطا عسكريا ميدانيا فاق كل التصورات بشهادة العدو قبل
الصديق
جنين – تقرير خاص :
لم تكن المقاومة الفلسطينية في مخيم جنين
لتحقق ما حققته من إنجازات شهد بها العدو قبل الصديق دون تخطيط
محكم و إدراك واعٍ لطبيعة المعركة و استعداد استمر لعدة أشهر ،
إذ يكفي أن يقال إن المقاومة الموحدة في مخيم جنين بدأت بتحضير
نفسها لهذه العملية عبر جمع السلاح و تدريب المقاتلين و وضع
الخطط و ما إلى ذلك منذ نهاية الاجتياح السابق للمخيم ، و الذي
اندحرت فيه قوات العدو الصهيوني من المخيم بعد ستة أيام من
المعارك الشرسة دون أن تتمكن من اقتحامه ، و ذلك في ما سمي
بحرب المخيمات ، المقاومة في المخيم أدخلت في حساباتها كل شيء
، و لم تترك أمرا واحدا دون تدبير ، فبادئ ذي بدء كانت هناك
غرفة العمليات المشتركة للمقاومين ، و هي التي تدير مقاتلي
كتائب القسام و كتائب شهداء الأقصى و سرايا القدس ، رغم وجود
مرجعية ميدانية لهؤلاء المقاتلين كل حسب قيادته التنظيمية ،
فكان الشهيد محمود أبو حلوة ، قائدا ميدانيا لمجموعات القسام
العاملة في هذه المعركة ، و كان الشهيد محمود طوالبة قائدا
ميدانيا لسرايا القدس ، و كان المعتقل جمال حويل قائدا ميدانيا
لكتائب الأقصى في أرض المعركة ، أما الشهيد يوسف ريحان قبها
"أبو جندل" فكان يرأس فرقة من الأمن الفلسطيني تخوض بقيادته
المعارك في المخيم خلال الاجتياحات المتتالية السبعة له ،
أحد المقاتلين الناجين من هذه المعركة و
الذين تمكنوا من الانسحاب في الأيام الأخيرة للمعارك حدثنا عن
هذه المعركة قائلا :
"بداية قمنا بإحصاء جميع الأخطاء الناجمة
عن الاجتياحات السابقة ، و ذلك إثر الاجتياح السابق "السادس" ،
و وضعنا ملاحظات لتفاديها و منها : يقوم القوات الصهيونية و
عند بدء اجتياحها للمخيم في كل مرة بقطع شبكة الهاتف ، و تعطيل
شبكة الهواتف النقالة "الجوال" ، و تعطيل شبكة الكهرباء ، و
ذلك حتى تتمكن من قطع وسائل الاتصال بين المقاتلين أنفسهم من
جهة و عزل المخيم عن محيطه من جهة أخرى ، و عليه فقد تقرر أن
يحمل المقاتلون هواتف نقالة من نوع "أورنج" و هي صهيونية
مفتوحة للاتصال بالهواتف الفلسطينية و بالجوال بشكل مفتوح ، و
عليه فقد تم تفادي عملية قطع الاتصالات ، أما قطع الكهرباء و
التي لا تلزم في هذه المعركة سوى في شحن بطاريات الهواتف
النقالة ، بإحضار ماتور كهرباء و بطاريات سيارات لهذا الغرض و
تخصيص أناس معينين للقيام بهذه المهمة" ..
و أضاف هذا المقاوم و هو يتحدث عن شبكة
الاتصالات بين المقاتلين : "لقد تم ربط المجموعات المقاتلة
بهواتف لاسلكي "ميرتس" و تم توزيعها بشكل جيد ، و تم تشكيل فرق
خاصة للاتصالات وظيفتها إيصال كل ما يجري داخل المخيم إلى كل
مجموعة على حدة ، فيثبت المقاوم في موقعه و هو يعرف و بدقة
متناهية ما يجري في المواقع الأخرى ، و لهذا دور كبير في ثباته
، إضافة إلى أنه يكون على دراية تامة بتحركات الجيش الصهيوني
في محيطه ، و عليه يكون جاهزا لقنصهم و الانقضاض عليهم ما وقع
الهدف في الفخ"
و يقول القسامي إن هناك قسم محاربة الإشاعة
داخل المخيم ، إذ كثيرا ما كانت تصل إلى المقاتلين أخبار
مغلوطة بقصد أو بدون قصد خلال الاجتياحات السابقة ، تجعلهم إما
يخطئون الأهداف أو يودون بعدد من المقاتلين إلى التهلكة دون
جدوى نتيجة الخلل في تحديد الهدف ، لذلك فقد تقرر ألا يتم
الاتصال من قبل أي مراقب إلا على حدث شاهده ، أو أن يقوم اثنان
من المقاتلين بالذهاب إلى موقع الحدث و مشاهدته و من ثم تعميمه
، و عليه فقد تم الضرب بيد من حديد على هذه الظاهرة ..
أما عن توزيع مخازن الذخيرة و الأطعمة ،
ففيما يتعلق بمخازن الأسلحة و الذخيرة فقد كان لكل فصيل مخازنه
الخاصة مع التنسيق مع الفصائل الأخرى ، و وضع على هذه المخازن
أمناء حيث تم الإعداد لذلك جيدا ، و قبل الاجتياح بيومين
اجتمعت اللجنة العسكرية المكون من الألوية الثلاث ، و أحصت ما
لديها من أسلحة مجتمعة .. و تم وضع خطة تقديرية للمدى الذي
يمكن أن يصمد به المخيم بهذه الأسلحة وسط ترشيد مخطط لاستعمال
السلاح حتى تكون الرصاصة برأس جندي دون إهدار عشوائي لها ، و
تم تشكيل لجنة تنسيق بين الحارات المختلفة لتغطية النقص لديها
في الذخيرة ..
و أضاف المجاهد القسامي أنه كان هناك
"تحديد قائمة ملاحظات تم توزيعها على المقاتلين و المدنيين
منها "قواعد عامة " : "عدم الهرب عند رؤية جنود الاحتلال و
اتباع التعليمات بدقة و الاتصال بباقي أفراد المجموعة بالدقة
المتفق عليها ، عدم فتح الهواتف النقالة في حالة وجود تحليق
للطائرات في سماء المخيم ، إطاعة القائد الميداني لكل حارة و
عدم التنقل إلا بتنسيق مباشر ، إذ لا يجب أن يترك المقاتل
موقعه إلا إذا أحضر بديلا له في ذلك الموقع لئلا تكون ثغرة
ينفذ منها العدو إلى داخل المخيم" ، و أضاف : "و من القواعد
الأخرى إبقاء جميع منازل المخيم مفتوحة على بعضها لتسهيل حركة
تنقل المقاتلين من مكان إلى آخر ، و قد تم الاتفاق على إشارات
معينة يفهمها الجميع داخل المخيم منها على سبيل المثال : أن
يصدح الجميع بتكبيرة العيد عندما يتمكن المقاتلون من قتل أي
جندي أو حصار جنود داخل منزل أو كسب جولة في أحد الحارات فيبدأ
الجميع بتكبيرة العيد و تبدأ تنتقل حتى يصدح بها بشكل جماعي كل
سكان المخيم و تدوي عاليا في سماء المخيم و في آذان الجنود
الذين تصيبهم حينها حالة من الإرباك و خاصة أولئك الذين في
داخل المخيم ، أما التكبيرة العادية فكانت إيذانا بسقوط شهيد
في ساحة المواجهة" ..
أما حول كيفية نوم المقاتلين خلال المعارك
فأضاف : "لم تكن فرصة النوم تتاح للمقاتل كل يوم ، إذ كانت تمر
ثلاثة أيام متتالية لا يغمض فيها لمقاتل جفن ، فالقصف و
الاشتباكات لم تتوقف لحظة واحدة لا ليلا و لا نهارا ، أما
النوم بعد السهر المتتالي لثلاثة أيام فلم يكن يتجاوز الساعة
الواحدة ، فإما أن يضع المقاتل رأسه على حجر و يخلد للنوم
بينما يأخذ آخر موقعه ، و إما أن ينام في الشارع على عمود
الكهرباء أو تحت أحد الجدران و كأنه حجر أو برميل" ..
و أضاف هذا المقاتل القسامي : "في الحقيقة
كنا نمارس بعض الجوانب الإنسانية حتى في ظل أعتى المعارك ،
فكثيرا ما كنا نفتح الدكاكين و نخرج منها الحلوى و نعطيها
للأطفال المحاصرين داخل البيوت ، إضافة إلى قراءة القرآن و
الأوردة بصوت مرتفع ، كل مقاتل في مكانه و بشكل جماعي متناسق ،
حيث تتم قراءة القرآن ، إضافة إلى أن معظم شباب المقاتلين
كانوا يصومون كل يوم رغم أنهم في قتال" ، و قد قاد هذا الكلام
إلى الحديث عن طعام المقاتلين فقال : "لقد كان المقاتلون
يأكلون وجبة واحدة في اليوم و عادة ما تكون خفيفة "شاندويش" و
هي طبعا وجبة إفطار الصائم ، باستثناء اليوم الأول للاجتياح
الذي كانت تقوم النساء فيه بطهي الطعام للمقاتلين ، حيث خصصت
نساء في كل حارة للقيام بهذه المهمة" ..
و استطرد قائلا : "إن روح الفكاهة و الضحك
و المرح لم تفارق المجاهدين حتى في ظل أعتى الاشتباكات ، فقد
كانوا يلاحقون الجنود الصهاينة بمرح ، و كثيرا ما كانت تحدث
بعض النوادر بيننا و بين الصهاينة ، ففي ذات مرة كنا نقوم بهدم
جدران أحد المنازل للتنقل و الوصول إلى وحدة صهيونية متمركزة
داخل أحد البيوت للانقضاض عليها ، و في نفس الوقت كان جنود
الوحدة يقومون بهدم الجدران للتنقل بين البيوت ، و من قبيل
الصدفة التقينا نحن و هم في غرفة واحدة بعد أن كنا نهدم أحد
الجدران من جهة و هم يهدمونه من جهة أخرى ، فما كان منهم إلا
أن القوا سلاحهم و هربوا و دارت بيننا و بينهم معركة عنيفة
تكبدوا خلالها عدة قتلى في صفوفهم" ..
و في معرض إجابته حول الحالات التي كان
الجنود يقومون خلالها بقصف بعضهم البعض نتيجة موجة الإرباك
التي سادت بينهم حدثنا قائلا : "لقد حدثت خلال هذه المعركة
ثلاث حالات قامت خلالها الطائرات الصهيونية بقصف جنودها بالخطأ
، أما الحالة الأولى فكانت قرب مدرسة الوكالة في أول المخيم ،
و في أول أيام الاجتياح و ذلك عندما تمكنت المقاومة من إعطاب
دبابة و حرقها بالكامل حيث التجأ المقاتلون إلى أحد المنازل
المجاورة و كان يرافق الدبابة جيب عسكري قريب من المنزل فما
كان من الطائرة سوى قصف هذا الجيب و الجنود بداخله بدل قصف
المنزل الذي يحتمي به المقاومون ، أما الحادثة الثانية فتمت في
حارة الدمج ، حيث كان الجنود يقومون بوضع لاصق تكشفه الطائرات
على المنازل التي يتمركزون بداخلها حتى لا تقصفها الطائرات ، و
في ذات الوقت يقوم العملاء بوضع بخاخ غير مرئي على المنازل
التي فيها المقاومون لتقوم الطائرات بقصفها ، و عند ذلك و في
حارة الدمج تمركز الجنود في الطابق الثالث لأحد المنازل ، فما
كان من المقاومين إلا أن أزالوا هذا الشريط اللاصق عن المنزل
و أطلقوا النار من جواره على الطائرات التي قامت بقصفه مباشرة
، أما الموقع الثالث فكان في منطقة الساحة و بالقرب من المسجد"
..
و يحدثنا المجاهد عن شدة الاشتباكات قائلا
: "لقد وصلت الاشتباكات في بعض الأحيان إلى حد التلاصق حتى أنه
حدث مرة أن كان الجنود متمركزين في الطابق الثالث لإحدى
البنايات و المقاومون في الثاني و دارت بينهم اشتباكات عنيفة
جدا" .. و أضاف : "في بعض الأحيان كانت تتم عمليات استدراج
الجنود إلى داخل المخيم بشكل مخطط ، إذ يقوم عدد من المقاتلين
بمهاجمة الجنود بشكل مباشر على أطراف المخيم و من ثم الانسحاب
إلى داخله و عندها يدخل الجنود الحارات و هم مشتبكون معهم و
عندها تخرج لهم مجموعات الكمائن و تذيقهم الويلات" .
و من حالات الاستدراج التي تمت للجنود ما
حدث في محيط منزل الشهيد محمود طوالبة و الذي يقع على أطراف
المخيم ، حيث تمركز من 4 - 6 جنود صهاينة في محيط المنزل و بعد
اشتباك قصير تمركزوا داخل البيت ، و عندها قام المقاومون و من
ضمنهم الشهيد طوالبة بحفر أحد جدران المنازل المجاورة لإدخال
عبوة كبيرة إلى داخل منزل طوالبة الذي فيه الجنود ، و في نفس
الوقت كان المقاومون مشتبكين مع الجنود لإجبارهم على البقاء
داخل المنزل ، و الجنود يستغيثون بالمقاتلين و يقولون : "يا
شيخ ، يا حج" و يلحون بالعفو و ذلك بعد أن نفذت ذخيرتهم و لم
تتمكن الفرق الأخرى من الوصول إليهم لشدة نيران المقاومة ، و
المقاومون إذ ذاك يكبرون تكبيرة العيد بشكل جماعي و هم يمطرون
الجنود بالرصاص حتى أن أحد شبان المقاومة أصيب في يده و هو
يطلق النار على الجنود هناك ، إلا انه استمر في إطلاق النار و
يده تنزف و رفض الانسحاب من موقعه ، و بعد أن تمكن المقاومون
من إلقاء العبوة الكبيرة داخل المنزل و تفجيرها هدأت الأصوات و
عم السكون على المكان و انسحب المقاومون بعد أن غنموا عددا من
الأسلحة و "مهدة باطون" و أدوات إسعاف أولية ، و بعد حوالي نصف
ساعة تم إخراج الجنود من داخل المنزل ، و حسب من رأوه فقد كانت
ما بين أربعة إلى ستة أكياس سوداء ..
ويضيف المجاهد : "التفخيخ كان السمة
البارزة لكل أزقة المخيم ، فما إن يتم استدراج الجنود إلى أحد
الأزقة حتى ينسحب منه المقاتلون و يتم تفجيره بالجنود و هذا ما
حدث في زقاق بيت الوشاحي يوم السبت رابع أيام المعركة ، حيث
قتل الجنود بالعبوات وسط إطلاق كثيف للنيران عليهم" ..
أما عن القائد الرحل يوسف ريحان قبها "أبو
جندل" فقال في حقه : " لقد قام أبو جندل و نتيجة خبرته
العسكرية بالإشراف على عملية تقسيم المقاتلين على المحاور ، و
كان ذو حنكة شديدة ، إذ كان يحدد لكل مقاتل موقعه ، و يخبره
أنه من الناحية العسكرية لا بد أن يمر الجنود الصهاينة من هذا
المكان ، و عليه فإن عليكم التمركز هنا لمباغتتهم ، و كانت
جميع توقعاته صائبة و كأنه على علم دقيق بتحركات الصهاينة" ، و
يقول هذا المقاتل إنه في إحدى المرات و بينما كان أبو جندل
يتمركز و مجموعته في أحد الأحياء ، دخل أحد الجنود الصهاينة
إلى زقاق الحارة بعد أن كشف عدم وجود مقاتلين في المنطقة ، و
هو يعطي ظهره للخلف ، و عندها تجهز المقاتلون لقنصه ، فأمرهم
أبو جندل بألا يطلقوا رصاصة واحدة ، فاغتاظ المقاومون ، و ما
هي إلا لحظات حتى دخل جندي ثان و بنفس الطريقة ، و عندها أمرهم
أبو جندل أيضا بعدم إطلاق النار ، حتى أن أحد المقاتلين أخذته
الشكوك في أبي جندل ، و ما هي إلا لحظات حتى دخلت الفرقة كاملة
إلى الزقاق و توغلت فيه ، فأمرهم حينها أبو جندل بإمطارهم
بالرصاص و العبوات ، فقد كان رجلا عسكريا محنكا و شجاعا" …
رحم الله شهداءنا ، و أيد لنا فيهم خيرا ،
و ما هي إلا مرحلة من رحلة طويلة من الجهاد الفلسطيني المشرق ،
لا بد و أن تكلل في نهاية المطاف بالنصر و التمكين ، "ولينصرن
الله من ينصره" .
|