الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة 

من قصص البطولة والفداء

 

 

أسامة حميد .. شهيد الانطلاقة السادسة على درب بعلوشة و الزايغ

غزة – خاص :

تذكّر يوم حدثه والده عن قدومه إلى الأرض و قال له : "يا بني حلّت النكبة عام (1967م) و كان عام ميلادك" . ترى ما هذا التزامن بين ميلادي و عام النكبة ؟؟ .. و ماذا قصد والدي بحديثه هذا ؟؟ .. فهل حقاً سأكون ممن يساهمون في مسح آثار النكبة و مراراتها ؟ هل يحدث ذلك و أنا العبد الضعيف قليل العتاد ؟؟ ..

هذا هو حال الشهيد المجاهد أسامة حمدي حميد ليلة تنفيذه لعمليته البطولية على الخط الشرقي لمدينة غزة مع حلول الذكرى الخامسة لانطلاقة حركة المقاومة الإسلامية حماس .

تمتم في لحظة شموخٍ و تحدٍ رائعة ستبدي : (لك الأيام ما كنت جاهلاً) ... و تذكّر يوم رحل إلى فلسطين المحتلة للعمل فيها حيث كان يجيد الدهان .. كان يستمع إلى أحاديث ركاب الباص حول بلدانهم التي هجروها في زمن التشريد الأول، يشعر (أسامة) أنه واحد منهم رغم أنه لم يهاجر من بلدته الأصلية غزة ، إلا أن شعوره كان أسمى من الحدود ، ففلسطين في قلبه و فؤاده رقعة واحدة و أرض إسلامية .. حرام على الدخلاء ، و على الغاصبين دفع الثمن .

و سرح حين ذلك بتذكار أبيات من الشعر في القدس و فلسطين و الأقصى ، فقد كان محباً للشعر و قراءته و حفظه و يرى فيه متنفساً للحرية المفقودة على بوابة (إيرز) و رداً للظلم المتمرس خلفه أدعياء الزمن الحاضر و الحقبة الصهيونية الجديدة ..

 

شخصية مبدعة مميزة :

و عدا عن كتابة الشعر فقد كان يدوّن المقالات و الموضوعات التي يزيّن بها مسجد (المحطة) كي يتزوّد الناس بالعلم لمواصلة رحلة الجهاد و العطاء .. و قد أثرى هذه الموهبة لدى (أبي مصعب) امتلاك أهله لمكتبة ، حيث يرتزقون من بيع الكتب مما فتح له مجالاً خصباً كي يرتشف من معين العلم و الإيمان ما شاء الله .

كان (أسامة حميد) يحمل كل الهم ، فذكرى انطلاقة الحركة في الرابع عشر من ديسمبر من العام 1993 ، يجب أن لا يمرّ هذا اليوم دون احتفال بهيج على طريقة حماس و كتائبها خاصة بعد أن تعوّدت الجماهير هذه الاحتفالات منذ استل (الشهيد مروان الزايغ و الأسير أشرف البعلوجي) الخناجر و أراقوا الدماء الصهيونية في يافا الساحل عام 1992 .

كان الأرق قد بلغ مداه مع (أبي مصعب) ، فقد أعدّ العدة جيداً للقاء الغد المنتظر ... و ليس كأيّ لقاء ، إنه لقاء الدم و النار و البارود ، تململ الرجل و استوى و أعدّ نفسه للصلاة و بدأ في اتصال مع الله تبارك و تعالى و ابتهالٍ عجيبٍ راجياً المولى عز و جلّ أن يقبله في المصطفين من عباده و أن يوفّق خطوته الميمونة .

 

مهمة صعبة :

و كان أشدّ ما يؤرّق (أبا مصعب) الاستعداد المكثّف لقوات الاحتلال الصهيوني .. فمنذ حرب الأيام الستة .. أي على امتداد أيام و سني (أبي مصعب) على هذه الأرض لم تنتشر قوات الاحتلال الصهيوني بهذه الكثافة تحسباً لعمليات (كتائب القسام) في ذكرى انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) .. خاصة و أن ذكرى الانتفاضة تأتي هذا العام بلونٍ مختلف ، فالعام 1993م كان حافلاً بالهجمات العسكرية الدامية بين قوات الاحتلال الصهيوني و كتائب الشهيد عز الدين القسام ، و غدا جند القسام شوكة مرهوبة الجانب تنخر في عظام الصهاينة و تصيب منهم موضعاً حساساً .

بقي (أبو مصعب) على حاله من القلق و الترقب و الانتظار .. حيناً يفزع إلى الصلاة ، و حيناً آخر يلجأ إلى الذاكرة تعيد إليه أنسام الماضي المعبق بحلاوة الجهاد و المصابرة و المرابطة على ثرى الوطن الحزين ، فما علم (أبو مصعب) في حياته عدا الرجولة و الفدائية .

الليل يمضـي متثاقلاً في مساء إحدى ليالي كانون الباردة ، خاصة في (غزة) التي تخضع لنظام منع تجوّلٍ ليلي مستمر ، غير أن الليل أكثـر تثاقلاً لدى (أبي مصعب) ذلك الشاب الذي يحمل همّ الإسلام و الوطـن و خاصة تلك الليلة التي يحمل فجرها واقعاً جديداً و سنة إضافية في عمر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي اقتنع بها (أبو مصعب) و عاش حياته من أجل عزّها و مجدها .

 

تاريخ جهاديّ حافل :

فيوم انطلقت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كان (أبو مصعب) بارزاً في منطقة التفاح حيث التحق بجهاز الأمن و الدعوة (مجد) و نفّذ العديد من الهجمات التي استهدفت أوكار الفتنة و الفساد ، حتى اعتقل في ضربة شهر (مايو) 1989 الشهيرة ، و مكث في السجن خمسةً و أربعين شهراً ، كانت بمثابة سنوات جامعة و معهدٍ للتعليــم العالي تخرّج منه شهيدنا بامتياز مع مرتبة الشرف ، صبر و صلابة و صمود و عزم و إيمان و علم و تضحية و أخوّة ، فكان (أسامة) لا يشقّ له غبار ، خرج بعدها بعزم و إرادة من حديــد أكسبته قسم الثأر بالمواصلة .

و في اليوم الثاني لخروجه في العام 1992م كان أبو مصعب يلحق بركب المجاهدين من (كتائـب الشهيد عز الدين القسام) ، ليعمل ضمن خلية عسكرية مسلّحة تحت إمرة و إشراف القائد القسامي "عوض سلمي" (أبو مجاهد) حيث كان سائقاً شخصياً له في العديد من المهام الجهادية لعلّ أبرزها عملية الهجوم على مركز شرطة العباس بعد استشهاد القائد عماد عقل و كان ذلك في أول شهر 12/1993 م ، إضافةً إلى معايشته للقائد القسامي الجنرال "كمال كحيل" أبو محمد .

 

دراسته في الجامعة :

و تذكر رحلته المتواضعة مع العلم ، فقد التحق بكلية العلوم في الجامعـة الإسلامية ، و كان من الطلاب المتفوقين ، و لكنه لم يكمل المسيرة لانشغاله بهمـوم الوطن و أبجديات المقاومة .

كان العزم ديدناً معروفاً لدى (أبي مصعب) ، فما تراجع عن موقفٍ تقدّم نحوه و ما تردّد في قرارٍ اتخذه ، يمضي متوكّلاً على الله تبارك و تعالى .

و ها هو اليوم يمضي متوكلاً على الله في خطوة جريئة ، مواجهة ملحمية مع بني اليهود و هم في كامل استنفار و تحدًّ و عنجهية .. إنه التحدّي المقبول و الجريء .. لكنه التوكّل عنوان (أسامة) ما جعله يتوانى أو يتراجع بل بسط كفيه إلى السماء داعياً مولاه راجياً منه التوفيق و السداد ، "اللهم سدّد رميتي ا ذلك في صحائف عمل" .

كان رغم كل ذلك يشعـر بالغربة .. يودّ لو تطويه الأيام كي يلقى الله تبارك و تعالى ، فخاطب ربّه تائباً نادماً راجياً .. "من حلكة الليل المضيع في الهوى .. و التائهين و حيرة الأوهـام يا مولاي جئت .. حباً لأنك خالقي و علـى بابك قد طرقت .. متوسلاً عطفاً لديك و من لكسري لو ردِدت .. ضاقت عليّ مواجعي في غفلتي و البعد موت .. ميراث أمسي بات يكويني .. و لكن سلوتي أني رجعت . و اليوم يا مولاي عدت - اليوم عدت .. فلئن بسطت يداً إلىّ فخافقي أنا ذا بسط" .

كان يحلم من كلّ هذا العمل بالمغفرة و الرضوان .. ليس أكثر من ذلك ، و كم تمنّى أن ينال الدرجة العالية و يسقط شهيداً على ثرى الوطن المقدس .. يا لها من أمنية غالية .. أنراها تتحقق غداً .. كم يعشق الشهادة .. هذا المتيّم بحب الأقصى و فلسطين .

 

ذكريات ماضية :

و رحل (أبو مصعب) قليلاً إلى الأيام الخوالي التي انصرفت حيث اشتعلت فلسطين لرحيل الشهيد (عماد عقل) .. و ساورته نفسه .. هل حقاً يرحل إلى (عماد) و الراحلين من قبله .. هل تراه ينضمّ إلى قافلة النور التي أذنت في سماء العالمين بمولد الفجر الجديد .

رحل (أسامة) في خياله إلى ما بعد استشهاده ، و كيف سيلقى (عماداً) و الأحبة ، و كيف سيدخل جنة ربه دون سؤال أو حساب بإذن الله . و هل حقاً سيدخل الجنة .. آه .. آه .. آه ما أجمله من فوز و ما أكرمه من نصر .. ليته يحدث .. ليته ..

ثم يغيب (أسامة) في عالم ذكرياته .. في (النقب الثائر) .. و في (مسجد المحطة) ، و كيف استطاع أن يساهم في نشأة جيل إسلاميّ كامل ، أبى الوهن و الظلم فانتفض و ثار و كسر قواعد اللعبة الدولية و حطّم أسس المعالجة اليومية و أعاد التاريخ إلى (داوود و جالوت) متجاوزاً كل التقدّم العلميّ الرهيب و الأسلحة الفتاكة المدمّرة .

و عاد بالذاكرة إلى طفولته و تذكّر إخوانه و أخواته ، والده و والدته ، و كيف سيكون حالهم لو رحل عنهم .. و لكنه توقف سريعاً عن التفكير في هذا الاتجاه ..

 

اللحظات الأخيرة :

بدأت الساعة تقترب رويداً من انبلاج صباح يوم الثلاثاء الموافق الرابع عشر من ديسمبر من العام 1993م ، و (أسامة) يتقلّب في انتظار ساعة الصفر من أجل الرحيل الأعظم و الأكرم في رحلة الخلود الأبدي .. كم كان ينتظر هذا اليوم .. و يرحل إليه كلّ يوم . و ما إن تفتحت أزهار هذا النهار و غدا الناس ينطلقون إلى مواقع عملهم لكسب قوت يومهم .. حتى انطلق أسامة إلى عمله المنتظر و مهمته المقدسة (شبه المستحيلة) التي يسعى لتنفيذها في يوم استنفار رهيب لقوات الاحتلال .

هكذا قضى (أبو مصعب) ليلته الأخيرة متقلّباً على جمر الانتظار للرحيل الأعظم و اللقاء الأكبر.. متبتلاً .. داعياً .. ذاكراً .. قلقاً .. متمنياً ..

 

و حان اللقاء :

فأعدّ (أبو مصعب) سيارته المرتقبة و زوّدها بكلّ ما يلزم من متفجرات و صواعق و أنابيب غاز و انطلق بها إلى منطقة (القبة بالشجاعية) ، الخط الشرقيّ لمدينة غزة ، و هناك أوقف سيارته الملغومة و اختفى خلف شجيرات على الطريق في انتظار صيده الثمين .. كان كلّ شيء يبدو معدّاً بعناية و اقتدار ، (فأبو مصعب) صاحب تجربة عريقة في العمل العسكري ، و لكن الانتشار الصهيوني و الإعلام الحذر كان ينبئ بخطورة المجازفة في هذا اليوم ، فالطير في السماء يرغّب الجيش الصهيوني بإيقافه و التدقيق في أوراقه و التحسّب من انتمائه لخلايا القسام .. لكنه التحدّي من رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. و ما إن اقتربت دورية عسكرية صهيونية من المكان حتى لفت انتباهها وجود سيارة على قارعة الطريق ، و في لحظات كان المكان محاصراً و الجنود ينتشرون و الطائرات تحلّق في الأجواء ، فأفسح (أسامة) لإخوانه سبيل النجاة و مثّل لهم خط الدفاع الأخير و بدأ بإطلاق صليات رشاشة من كلاشنكوف حمله (أسامة) لهذا الاحتمال ، فأصاب ضابطاً صهيونياً لكن نيراناً غزيرةً انطلقت خلف الجبل الشامخ بمعاني العزة و الإيمان و الرجولة أصابت (أبا مصعب) بعدة إصابات استشهد على إثرها في نفس المكان .

ثم قدمت قوات معزّزة من الجيش الصهيوني و قام خبير المتفجرات بتفجير السيارة ، و قد اعترف راديو العدو الصهيوني بالعملية و أعلن عن إصابة ضابط ، و أن (كتائب الشهيد عز الدين القسام) مسئولة عن العملية و أنها نفّذتها في الذكرى السادسة لانطلاقة حركة (حماس) .

 

خبر الاستشهاد :

و قد زفّت مكبّرات المساجد في غزة إلى الأمة الإسلامية نبأ استشهاد أحد قادة العمل العسكري القسامي الذي كان يعمل في الخفاء ، فلم يكن مطارداً أو مطلوباً بل كان (أبو مصعب) جندياً مجهولاً ، و ارتقى في ميدان الشهادة و الإباء و الشموخ عملاقاً أبياً عصياً على الملاحقة و المطاردة . و قد وقف حيّ التفاح و مسجد (المحطة) بالتحديد على ساحة واحدة بعد سماع نبأ استشهاد درة المنطقة و شمسها التي لا تخبو ، فأقاموا سرادق العزاء الذي أمّه المواطنون من كافة أنحاء قطاع غزة مودّعين الشهيد و يقدّمون له التحية العسكرية التي يستحق ، بينما وقف (آل حميد) شامخي الرؤوس مرفوعي الهامات بولدهم و قالوا كلمة الحمد للمولى تبارك و تعالى على ما أخذ و على ما أعطى و على ما أبقى ، و أجمعوا على أنه شرف عظيم أن يمثّل أحد أبنائهم حلقة في سلسلة الخلود التي لا تنقضي ، سائلين المولى عز و جلّ أن يجمعهم به في الفردوس الأعلى .

 

رائحة المسك تفوح :

و بعد يومين و في تمام الساعة العاشرة و النصف من ليلة يوم الخميس الموافق السادس عشر من ديسمبر من العام 1993م ، و تحت الحراب الصهيونية المشرعة و بحضور تسعة عشر شخصاً من ذوي الشهيد (أسامة) امتلأت في المكان رائحة الشهيد الغالي الممزوجة بعبير المواجهة و التحدّي ، فغدا المكان روضة معبقة بأريج الشهادة و عطرها الفواح و كان وجه الشهيد كما في حياته يطفح بالنور و الإيمان .

و إكراماً للشهيد و لدمه المراق على أعتاب الانطلاقة الماجدة أقامت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حفل تأبينٍ مهيب للشهيد المقدام ، أمّه الآلاف من جماهير قطاع غزة في لحظة وداع مؤثّرة .