الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة 

من قصص البطولة والفداء

 

 

عائلة "ريحان" تتوشّح نياشين الشهادة

 

 و ترتدي أوسمة المعتقلين و تسطّر أسفار البطولة

 

خاص :

خنساء فلسطينية أخرى تعضّ أصابع يديها و تتمنى لو أن ابنها الشهيد عاصم تزوّج و أنجب مثل شقيقه الشهيد محمد أبو مؤمن ، و تقول : "لو كان حصل لضمنت أن أربّيهم معاً على طريق الآباء الشهداء و يأخذوا بثأرهم و ثأر قوافل الشهداء" .. و الزوج أبو عماد الذي يرقص يحمل الراية الخضراء و العلم الموشح بعبارة التوحيد في يوم التأبين لا يقلّ رجولة عن أبنائه السبعة ، منهم اثنان في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر و اثنان خلف القضبان و اثنان يصارعان الحياة و مصاعبها دون أن يحنو لم قيد أنملة .. و تستمر الحكاية .

هذه المقدمة ليست فصلاً من فصول الحكايات القديمة … تلك التي يمضي بها التاريخ دامية أليمة ، بل فصول بطولة لعائلة فلسطينية من قرية تل حنوب غرب نابلس 7 كم ، و هي عائلة ريحان التي تمنّت أن تسطر سجلاً لها في سجلات الخلود و روعة البطولة غير عابئة بما يعيقها في الطريق نحو القدس و الكرامة و الحرية .

عائلة يوسف محمد ريحان المواطن العادي الذي امتهن أبناؤه البناء و المقاولة و الدراسة الجامعية للجميع كانت من العائلات العريقة التي قدّمت وأعطت للوطن و الإسلام و لم تنلْ سلسلة المحن و المطاردات و التهديدات المتواصلة بالقتل و جريمة هدم المنزل و حلقات الاعتقال لدى المحتلين و السلطة من عزيمتها و ظلت على عهد الشهداء و المعتقلين .

 

عماد النواة الأولى :

عماد النجل الأكبر للعائلة يقبع حالياً في سجن عسقلان و ألقي عليه الحكم الظالم "عشرة أعوام كاملة" منذ العام 1998 و تنقّل بين العديد من السجون و التقى آلاف المعتقلين و الأسرى منذ ذلك الحين و هو متهم بالضلوع في مسؤولية الخلية العسكرية التابعة لكتائب القسام "ذراع حماس العسكري" التي نفّذت عملية يتصهار عام 98 و تمكّنت من قتل اثنين من المستوطنين و العلاقة مع الشهيد القائد عادل عوض الله . و الأسير عماد متزوج و له من الذكور اثنان و مثلهم من الإناث إحداهن مبدعة في الخطابة و إلقاء الأشعار .

الابن الثاني للعائلة و هو عصام "أبو البراء" اعتقل أربع مرات و كذا الحال مع الشقيق جعفر الذي لم يترك سجناً أو مركزاً للتحقيق إلا و أدخل إليه و لم يعتب عليه بواقع ستة اعتقالات بينما معتصم يقبع في الاعتقال الإداري بالنقب حالياً كانت بدايتها أربعة شهور جدّدت لخمسة أخرى و اليوم أربعة أخرى و محمود اعتقل مرتين .

الشهيدان القساميان محمد و عاصم لهما حكاية خاصة مع الاعتقال و المطاردة و البطولة و حتى التميز في الشهادة . و قدر لكاتب التقرير أن يعيش مع أربعة منهم في سجون الاحتلال و يتعرّف إلى آخرين بسجون السلطة الفلسطينية .

و تم هدم منزل العائلة مع منازل آخرين في القرية و هي منازل عائلات الشهداء "نصر الدين عصيدة و إبراهيم رمضان و أحمد حمد" خلال فترة الانتفاضة الحالية و جميهم من الاستشهاديين و قادة العمل العسكري في مناطقهم .

اعتقل الأسير عماد و معه الأسيران القساميان نزار و خويلد رمضان لدى سجون الاحتلال بينما اعتقل بقية أفراد الخلية محمد ريحان و ياسر عصيدة و نصر الدين عصيدة لدى الأمن الفلسطيني "جهاز المخابرات" و نقلوا بعد التحقيق إلى سجن جنيد المركزي و كان ذلك في العام 1998 .

 

في سجن الجنيد :

و في سجن جنيد توطّدت العلاقة مع المعتقلين و القادة الذين قضى العديد منهم شهداء و كان على رأسهم الشهيد القائد الفذ الأستاذ جمال منصور و الشهيد القائد صلاح دروزة و الشهيد القائد يوسف السركجي قائد القسام بالضفة و الشهيد فهيم دوابشة و الشهيد عمر منصور و الشهيد إبراهيم عبد الكريم بني عودة و الشهيد جميل جاد الله و الشهيد محمد بشارات و الشهيد القائد إياد الحردان و الشهيد أنور حمران و الشهيد طاهر نصر و الشهيد القائد مهند الطاهر و غيرهم .

الشهيد محمد "أبو مؤمن" كان له صفات من العطاء و الهدوء عرفها إخوانه المعتقلون في سجن جنيد ، فهو الخادم لهم و صاحب البسمة و المتعلق بكتاب الله و الصامت الدائم و كان لا يرى إلا بلباسه الأنيق و رائحته الطيبة الزكية و كان من أسبق المعتقلين لاستقبال الزوار في السجن تسبقه ابتسامته العريضة حتى نال محبة الجميع .

و قدر للشهيد محمد أن يخرج مع نحو ستين معتقلاً من حماس و الجهاد كانوا يقبعون في سجن الجنيد في العام 2000 إثر استهداف المحتلين للمراكز و السجون الفلسطينية و نتيجة للضغوطات الشعبية و التنظيمية و غاب منذ ذلك الوقت عن الأنظار مع العديد من المعتقلين أبرزهم رفقاء الجهاد الشهيدين نصر الدين عصيدة و ياسر عصيدة .

 

محمد شهيد :

و في ليلة ليلاء من ليالي البطولة الفلسطينية و هو يوم 12/11/2001 عمد الغرباء المحتلون القتلة و بعد جمع المعلومات من الخونة لمحاصرة تل حصاراً محكماً لم تشهده القرية و كان الهدف منزل الشهيد محمد الذي أحس بالعدو يتحرّك بعد منتصف الليل فلم يجزع و لم تهتز من جسده شعرة إذ إنه على موعد مع الشهادة و غافل المحتلين و أمطرهم بالنار بعد أن وضع العائلة في زاوية أمينة و فاجأهم مرة أخرى يفتح الباب تسبقه هتافات التكبير و الاستعانة بالله الكبير و تدور المعركة و يسقط على مدخل منزله مضرجاً بدمائه جريحاً و يمنع المحتلون والده و العائلة من التقدم لإسعافه و إنقاذه حتى لقي ربه شهيداً طاهراً مطهراً .

و في ذات الليلة اعتقل والده و جميع أشقائه باستثناء الشهيد عاصم الذي كان يعد نفسه و يواصل التخطيط لملاحقة المحتلين و تطهير أرضه منهم .

 

كرامات الشهيد عياناً :

و بعد مائة يوم من استشهاده وفق شقيقه جعفر و بعد استشهاد رفيق الجهاد ياسر عصيدة كان الجميع على موعد مع بناء الضريح حيث كانت الوصية لمحمد و ياسر أن يدفنا بجوار بعضهما البعض و وسط إصرار جعفر الذي لم يودّعه أو يره لأنه كان معتقلاً تم فتح القبر و كانت المفاجأة : "كان نائماً نومة العروس المطمئنة و العرق يتصبّب من على جبينه و دمه طريّ كأنه ينزف من لحظته و رائحة المسك الأطيب التي سبقت فتح اللحد تملأ المقبرة و شعر لحيته قد طال كثيراً عن الحالة التي دفن بها" ، بينما كان المئات من أهالي تل لا يستطيعون منع دموعهم و القشعريرة تسيطر على جلودهم و هم يكبرّون و يهللون و يشكرون الله على نعمة الشهادة و إكرام الشهيد .

و يوضح جعفر : "لو لم أكن متأكداً بأن أخي محمداً شهيد وأن الله سيكرمه ما تجرأت على فتح القبر و يكفي أن قلب الإنسان و حاسته دليله و الحمد لله على الكرامة" .

 

مؤمن على خطى أبيه :

أما حال طفله "مؤمن" الذي يبلغ الآن من العمر نحو عامين ، يتابع جعفر يقول : "دخل الجيش المحتل القرية قبل أيام و ما إن سمع بالخبر حتى غادر المنزل و هرول نحو الشارع يحمل الحصى و الحجارة و الجميع يسألونه إلى أين يا مؤمن فيكون الجواب (بدّي أرمي عاليهود حجار لأنهم قتلوا بابا الشهيد)" .

و في حادثة أخرى يقول جعفر : "خرجنا نقصد نابلس و الطريق إليها صعبة طويلة و كان برفقتنا مؤمن و ما إن وصلنا إلى إحدى الحواجز التي تخنق نابلس حتى بدأ يتململ للنزول و عندما فعل ذلك حنا جسمه على الأرض يلتقط الحصى يضرب الجنود و وكز أحدهم بغصن زيتون كان في يده و الجنود يملؤهم الغيظ و القهر" .

 

أسد فلسطين المسلمة :

أما عاصم فكان له قصة أخرى ، إذ إنه أعدّ العدة مع كتائب القسام للثأر انتقاماً لأخيه و الشهداء و قصد مستعمرة عمنوئيل و شرع بإطلاق النار و إلقاء القنابل اليدوية على حافلة المستوطنين و سيارات حرس الحدود ، بل و دخل إلى الحافلة يجهز على من لم يمت و قد كان في يده العديد من أمشاط الذخيرة و مسدسه ، مكبّرا و مهللاً .

و تقول العائلة إن أحد شهود العيان شاهد "24" جثة على الأرض عدا عن المصابين ، فيما نقلت العائلة عن الناطق باسم قوات الاحتلال قوله عند المطالبة بتسليم جثمان الشهيد عاصم لدفنه وفق الشريعة الإسلامية : "كيف نسلم جثة من قتل 24 و ترك 11 آخرين في حالة موت سريري" .

 

اعتقال الشهيد :

و حاولت العائلة مجتهدة البحث عن وسيلة للحصول على الجثمان دون جدوى و رفعت القضايا بواسطة محامين و مراكز حقوقية كانت تصطدم بعقبات كبيرة تتشدّد في رفض التسليم .

و تقول العائلة إن الصحف العبرية نشرت تقارير نقلاً عن أطباء يهود أنهم كلما يهمون بفتح الثلاجة يصابوا بالرعب و الهلع ، و تقول العائلة إن الشهيد أرعب المحتلّين حياً و ميتاً ، فطوبى للشهداء .

 

جثامين معتقلة :

و يعتبر الشهيد عاصم الشهيد الأول الذي يمنع تسليم جثمانه من الذين نفّذوا عمليات داخل مناطق أراضي عام 1967 ثم تلاه أربعة آخرون من نفس القرية و هم الشهداء "نصر الدين عصيدة – استشهد يوم 18/3/2003 و الشهيد أحمد حمد استشهد في عملية جبل الطور "جرزيم" و الشهيد سعيد رمضان استشهد يوم 2/2/2002 و الشهيد عاصم عصيدة استشهد يوم 17/7/2003" .

و قدّمت قرية تل في انتفاضة الأقصى 16 شهيداً حتى الآن منهم سبعة من حماس و الباقون من فتح . و مع هذه المعاني المشرقة تستحق والدة الشهيدين و أم المعتقلين أن تنال لقب خنساء فلسطينية جديدة من خنساوات فلسطين اللواتي صبرن على ما أصابهن و لم تضعف إحداهن أو تلين لها قناة .

 

الطريق إلى عمنوئيل :

و قد خصّص الصحافي أسامة العيسة كتاباً حول بطولة العائلة و عملية الشهيد عاصم أسماه "الطريق إلى عمنوئيل" نشره المركز الفلسطيني للإعلام على الإنترنت نقتطف بعض الفقرات التي تستحق النشر و القراءة لغناها و تسجيلها للحقائق و المشاعر الفياضة .

"اليوم هو : 12/12/2001 ..

كان العام الأول في القرن الجديد ، و الأول في انتفاضة الأقصى ، يستعدّ للرحيل ليفسح المجال أمام عامٍ جديد ، سيكون من أكثر الأعوام دموية في تاريخ فلسطين الحديث .

و بينما كان العالم يتفرّج على جرائم المحتلين ضدّ أبناء الشعب الفلسطيني ، في مشهدٍ غريبٍ و عجيبٍ و مفجعٍ ، ربما لم يشهده التاريخ البشريّ ، و إن كان مشهداً طبيعياً يتكرّر كلّ يومٍ في عالم الغابات حيث الغلبة للحيوانات الوحشية ، و يستعد لتوديع عامٍ و استقبال عامٍ آخر سعيداً ، كان أمر آخر يثقل طالباً جامعيّاً شابّاً و مقاوم اسمه عاصم ريحان .

اتصل عاصم بأفراد أسرته في صباح ذلك اليوم و تحدّث معهم واحداً واحداً ، و توقّف للحديث مع الطفل الصغير (مؤمن) و هو ابن شقيقه الشهيد محمد ، و لا بدّ أن عاصم بذل جهوداً استثنائية كي لا تنزل دموعه تأثّراً و هو يعلم بأنه سيستمع لصوت (مؤمن) ، الذي تربطه به علاقةٌ خاصةٌ و وثيقةٌ ، و باقي أفراد العائلة ، للمرة الأخيرة ، و مثلما يليق بمقاومٍ و كادرٍ مدرّب مثل عاصم فإن أيّاً من أفراد عائلته لم يعرف لماذا اتصل عاصم و حرص على الحديث مع الجميع ، و قال لهم إنه يستعد لامتحانٍ موعده غداً . و بعد أن أنهى عاصم مكالمته كان عليه التقدّم لامتحانه .. !

و قبل ذلك بثلاثة أيام وقف ، مثلما فعل كثيرون غيره في أشهر (انتفاضة الأقصى) ليقرأ وصيته و هو ممسكٌ بسلاحه و مرتديٌ لباساً عسكرياً و على رأسه خوذة حديدية" .

 

عاصم ... النشأة و الإمارة :

ولد عاصم يوسف ريحان في قرية (تل) قرب نابلس عام 1981م ، و عندما أنهى دراسته الثانوية التحق بقسم التسويق في كلية الاقتصاد بجامعة النجاح الوطنية ، و اختاره رفاقه (أميراً) للكتلة الإسلامية في كلية الاقتصاد ، و هذه الكتلة تضمّ نشطاء حماس و المتعاطفين معها في الكلية ، و لقب أمير محاكاة لتجارب حركات إسلامية في بلدان أخرى ، و إن كان لا يحمل هذا اللّقب في فلسطين نفس الدلالات عند تلك الحركات .

و انتخب في المؤتمر العام لمجلس الطلبة ، و كان هذا الصّعود في العمل الطلابيّ العلنيّ ، يرشّحه لصعود مستقبلي أكبر في العمل العام ، و لكنه اختار وجهة أخرى .

كان ذلك في فجر الإثنين 12/11/2001 بعد 12 يوماً من تصفية عصيدة عندما جرّدت حكومة الاحتلال قوة أخرى لمواجهة فردٍ هذه المرة ، و طوّقت قرية (تل) و احتلتها بالكامل و التي كانت تخضع حينها للسيطرة الأمنية الفلسطينية ، و يمكن الإشارة هنا ، و كما أثبتت الأحداث الدموية فيما بعد ، أن الحديث عن (سيطرة أمنية) هو مصطلح إعلامي أكثر منه حقيقة على الأرض .

فجر ذلك اليوم شنّت قوات الاحتلال حملة مداهمات لمنازل قرية (تل) و نفّذت عملية اعتقالات واسعة بين شبان القرية و اعتقلت نحو 40 منهم ، و داهمت أيضاً منزل الشهيد ياسر عصيدة و هدّدت أهله بهدم المنزل ، و بالتزامن مع ذلك كان الهدف الرئيس من الحملة ينفّذ في مكان آخر ، في أحد منازل القرية : منزل محمد ريحان .

كانت قوات الاحتلال طوّقت المنزل و اقتحمته بعد رفض محمد ريحان الاستسلام ، و قامت وحدة خاصة من المحتلين بإطلاق نارٍ كثيف عليه أمام زوجته و طفله (مؤمن) و تركت ريحان ينزف حتى الموت ، و منعت قوات الاحتلال التي تحاصر القرية سيارات الإسعاف من الدخول لنحو سبع ساعات كان محمد ريحان خلالها لحق برفيقه عصيدة ، و نال ما تمناه : الشهادة .

و حسب المصادر الصهيونية فإن محمد ريحان كان مشتركاًً مع عصيدة في (جريمة) قتل المستوطنين على طريق (يتصهار) قبل ثلاث سنوات . و باستشهاد محمد ريحان ، تمكّنت المخابرات الصهيونية من توجيه ضربة قوية لخلية (تل) ، و إن لم تكن قاصمة ، كما ستثبت الأحداث فيما بعد .

و مثلما حدث مع عملية اغتيال عصيدة ، فإن المؤكّد أن اغتيال محمد ريحان كان نتيجة لعمل استخباري صهيوني دؤوب مكّنهم من رأس ريحان . و في اليوم التالي : الثلاثاء ، انطلق موكب تشييع جثمان محمد ريحان من مستشفى رفيديا في نابلس ، إلى ميدان الشهداء ، و سار الموكب على نفس درب موكب تشييع عصيدة و سلك نفس الطريق إلى قرية (تل) حيث ووري الثرى بجانب رفيقه الذي سبقه .

كان عاصم ريحان يحضّر لعمليته الاستشهادية ، مثلما فعل كثير من رفاقه و من بينهم زملاؤه في جامعة النجاح الوطنية أمثال : هاشم النجار ، حامد أبو حجلة ، جمال ناصر ، مؤيد صلاح الدين ، و غيرهم .

 

يلقى ربه صائماً :

و عندما وقف صباح يوم (9/12/2001) في أحد أيام رمضان ، صائماً ، بين الصخور ليقرأ وصيته كان يعرف بأنه لا يفصله الكثير من الوقت لينضم (لرفقاء الدرب) .

وقف مرتدياً لباساً عسكرياً و خوذة حديدية ًحاملاً وصيته في إحدى يديه ، بينما تدلى رشاشه من كتفه ، و خلفه كان رشاش آخر معلقاً بأحد الصخور ، و بدأ وصيته بآيات من القرآن الكريم تحض على الجهاد ، و حمد ربه الذي جعله من فلسطين و جنودها المجاهدين و من الاستشهاديين ، و حيا أهله و أصدقاءه و إخوته المجاهدين و أخواته المجاهدات و طمأنهم بأن النصر قريب .

و قال : إنه يقدّم نفسه (رخيصة في سبيل الله و دفاعاً عن أرض فلسطين الحبيبة و انتقاماً لأخيه المجاهد محمد أبو المؤمن و أخيه ياسر و القائد محمود أبو هنود) .

 

وصية و الوعد و الوعيد :

و خاطب (السّفاح) شارون كما وصفه و زمرته و حاشيته ، قائلاً : "إن ملاحقتهم للمجاهدين لن تجدي و أنها تزيد المقاومين إصراراً على المقاومة" .

و بعد أن أنهى عاصم آخر كلمات وصيته وقف ممسكاً سلاحه يتفحّصه ثم خطر له أن يقول أموراً أخرى ما دامت هذه فرصته الأخيرة ليتحدث مع من سيتركهم ، إلى الأبد ، فقال مرتجلاً (أيها الأخوة أوصيكم بتقوى الله .. أوصيكم بالجهاد في سبيله .. أوصيكم برفع راية الله عز و جل .. أوصيكم بأن تكونوا قابضين على الزناد .. قبضة المجاهد محمود أبو هنود .. و قبضة المجاهد يحي عياش .. أوصيكم بأن تحرسوا هذه الأرض و أن تدافعوا عنها و أن تبذلوا الرخيص و الغالي لأجلها .. في سبيل الله عز و جل .. أوصيكم إخوتي بأن تكونوا مجاهدين لا من المتخاذلين الراكعين) .

و بدا عليه التأثر الشديد و ربما ، خنق دمعه كادت تفرّ من عينيه و هو يتابع بثقة مستحضراً المخزون الديني (إخوتي .. أحبتي .. إخوتي .. أحبتي : أوصيكم بتقوى الله عز و جل فإن هذه الدنيا فانية و أن البقاء عند الله عز و جل في جنة عرضها السماوات و الأرض أعدها للمؤمنين) .

و تابع بتأثرٍ أيضاً و هو قابض على سلاحه (يا إخوتي و يا أحبتي يا أهل قريتي .. تل ، الكرام : دافعوا بكلّ ما أوتيتم من قوة عن دينكم و شرفكم و عن عرضكم و عن أرضكم فإن أرضكم هي عرضكم و إن تصونوها ، تصنكم ، و أن تحرصوا عليها … ، و السلام عليكم و رحمته الله و بركاته) .

و كانت تلك آخر كلمات (الأمير) الذي ترك مقاعد الدراسة من أجل هدف أكبر و أغلى .

و بعد ذلك يظهره الشريط المصوّر من الخلف و هو يتقدّم نحو هدفه بمشية سريعة رياضية قابضاً على رشاشه و ظهرت حافلة ركاب صهيونية كانت في طريقها إلى مستوطنة عمانوئيل .

و ما لم يظهره الشريط المسجل ، عرفه العالم أجمع بعد ساعات ، فعاصم ، يوم (12/12/2001م) ، بعد ثلاثة أيام من تقديمه لوصيته وضع مع رفاق آخرين ، عبوات ناسفة في طريق الحافلة الصهيونية التي تسير على خط رقم (198) المتجّهة إلى مستوطنة (عمانوئيل) ، و فجّرها عن بعد ، و عندما توقفت الحافلة و بدأ المستوطنون بالنزول ، فوجِئوا بالرصاص ينهمر عليهم من الكمين الذي نصبه عاصم لهم ، فقتل منهم 11 و أصيب نحو 40 ، قبل أن ينضم عاصم شهيداً ، إلى من سبقوه من (رفقاء الدرب) .

و حسب رواية صهيونية غير رسمية تم تناقلها بعد عملية عاصم أن القتلى زادوا عن العشرين و عزّز ذلك وجود أكثر من عشر مخازن سلاح وجدت بجانب جثمان عاصم بعد استشهاده ، و كذلك ما روِي عن أن عاصم استمر في إطلاق النار حتى بعد وصول سيارات الإسعاف و تعزيزات جنود الاحتلال بعد الكمين الأول ، و لم يتمكّن جنود الاحتلال من النيل من عاصم إلا بدهسه ، و لم يحاول عاصم أن يتراجع ، و ربما كان يغطّي على انسحاب رفاق له شاركوه في العملية .

كانت عملية عاصم الاستشهادية التي عرفت إعلامياً باسم (عملية عمانوئيل) واحدة من أهم عمليات المقاومة الفلسطينية التي نفّذت خلال انتفاضة الأقصى ، و كانت حافزاً لعملية أخرى هامة هي الأخرى نفّذها بعد شهور مقاومون آخرون من كتائب القسّام ، ضد حافلة مستوطنة عمانوئيل ، التي أقيمت على أراضي الفلاّحين الفلسطينيين عام 1982م بعد عامٍ واحد من ولادة عاصم .

و كانت حكومة الليكود اليمينية الصهيونية اتخذت قرار إقامتها بتاريخ 13/5/1981 ، و تكون وزارة البناء و الإسكان مسؤولة عن إقامتها ، و حسب الباحث خالد عايد في كتابه (الاستعمار الاستيطاني للمناطق العربية المحتلة) فإن قرار إقامتها استند إلى قرارات الحكومة بشأن الاستيطان في كتلة (كرني شمرون) الاستيطانية و في إطار تكثيف الاستيطان و توسيعه في تلك المنطقة .

و تم اختيار الموقع على (جبل الدير) التابع لقرية (جينصافوت) على بعد نحو 14 كلم شرق خط الهدنة عام 1948 ، و تمهيداً لإقامتها قلع المحتلون نحو 2000 شجرة زيتون في شهر أيار 1982م .

و لم يكن ذلك الطفل سوى عاصم الذي نشأ في بلدة (تِل) في ظروف وطنية و دينية حافزة ، و في منزلٍ عرف الكثير من أبنائه السجون الصهيونية ، و يمكن الإشارة إلى أنه كان من جيلٍ شهد الانتفاضة الفلسطينية الكبرى مع انطلاقها عام 1987م ، و التي كان من أبرز ميّزاتها حضور عنصرٍ هام في العمل الوطني و هو حركة حماس ، التي ولدت قوية ، و كان من نتيجة وجودها القوي المعمّد بالدماء ميلاد أجيال تأثّرت بعنفوانها و منهم عاصم الذي ما إن دخل الجامعة حتى كان من مؤيّدي حماس في الحركة الطلابية الفلسطينية في الجامعات و المعاهد ذو وجودٍ قويّ و مؤثر .