|
عائلة "ريحان" تتوشّح نياشين الشهادة
و ترتدي أوسمة المعتقلين و تسطّر
أسفار البطولة
خاص :
خنساء
فلسطينية أخرى تعضّ أصابع يديها و تتمنى لو أن ابنها الشهيد
عاصم تزوّج و أنجب مثل شقيقه الشهيد محمد أبو مؤمن ، و تقول :
"لو كان حصل لضمنت أن أربّيهم معاً على طريق الآباء الشهداء و
يأخذوا بثأرهم و ثأر قوافل الشهداء" .. و الزوج أبو عماد الذي
يرقص يحمل الراية الخضراء و العلم الموشح بعبارة التوحيد في
يوم التأبين لا يقلّ رجولة عن أبنائه السبعة ، منهم اثنان في
مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر و اثنان خلف القضبان و اثنان يصارعان
الحياة و مصاعبها دون أن يحنو لم قيد أنملة .. و تستمر الحكاية
.
هذه
المقدمة ليست فصلاً من فصول الحكايات القديمة … تلك التي يمضي
بها التاريخ دامية أليمة ، بل فصول بطولة لعائلة فلسطينية من
قرية تل حنوب غرب نابلس 7 كم ، و هي عائلة ريحان التي تمنّت أن
تسطر سجلاً لها في سجلات الخلود و روعة البطولة غير عابئة بما
يعيقها في الطريق نحو القدس و الكرامة و الحرية .
عائلة
يوسف محمد ريحان المواطن العادي الذي امتهن أبناؤه البناء و
المقاولة و الدراسة الجامعية للجميع كانت من العائلات العريقة
التي قدّمت وأعطت للوطن و الإسلام و لم تنلْ سلسلة المحن و
المطاردات و التهديدات المتواصلة بالقتل و جريمة هدم المنزل و
حلقات الاعتقال لدى المحتلين و السلطة من عزيمتها و ظلت على
عهد الشهداء و المعتقلين .
عماد النواة الأولى :
عماد
النجل الأكبر للعائلة يقبع حالياً في سجن عسقلان و ألقي عليه
الحكم الظالم "عشرة أعوام كاملة" منذ العام 1998 و تنقّل بين
العديد من السجون و التقى آلاف المعتقلين و الأسرى منذ ذلك
الحين و هو متهم بالضلوع في مسؤولية الخلية العسكرية التابعة
لكتائب القسام "ذراع حماس العسكري" التي نفّذت عملية يتصهار
عام 98 و تمكّنت من قتل اثنين من المستوطنين و العلاقة مع
الشهيد القائد عادل عوض الله . و الأسير عماد متزوج و له من
الذكور اثنان و مثلهم من الإناث إحداهن مبدعة في الخطابة و
إلقاء الأشعار .
الابن
الثاني للعائلة و هو عصام "أبو البراء" اعتقل أربع مرات و كذا
الحال مع الشقيق جعفر الذي لم يترك سجناً أو مركزاً للتحقيق
إلا و أدخل إليه و لم يعتب عليه بواقع ستة اعتقالات بينما
معتصم يقبع في الاعتقال الإداري بالنقب حالياً كانت بدايتها
أربعة شهور جدّدت لخمسة أخرى و اليوم أربعة أخرى و محمود اعتقل
مرتين .
الشهيدان
القساميان محمد و عاصم لهما حكاية خاصة مع الاعتقال و المطاردة
و البطولة و حتى التميز في الشهادة . و قدر لكاتب التقرير أن
يعيش مع أربعة منهم في سجون الاحتلال و يتعرّف إلى آخرين بسجون
السلطة الفلسطينية .
و تم هدم
منزل العائلة مع منازل آخرين في القرية و هي منازل عائلات
الشهداء "نصر الدين عصيدة و إبراهيم رمضان و أحمد حمد" خلال
فترة الانتفاضة الحالية و جميهم من الاستشهاديين و قادة العمل
العسكري في مناطقهم .
اعتقل
الأسير عماد و معه الأسيران القساميان نزار و خويلد رمضان لدى
سجون الاحتلال بينما اعتقل بقية أفراد الخلية محمد ريحان و
ياسر عصيدة و نصر الدين عصيدة لدى الأمن الفلسطيني "جهاز
المخابرات" و نقلوا بعد التحقيق إلى سجن جنيد المركزي و كان
ذلك في العام 1998 .
في سجن الجنيد :
و في سجن
جنيد توطّدت العلاقة مع المعتقلين و القادة الذين قضى العديد
منهم شهداء و كان على رأسهم الشهيد القائد الفذ الأستاذ جمال
منصور و الشهيد القائد صلاح دروزة و الشهيد القائد يوسف
السركجي قائد القسام بالضفة و الشهيد فهيم دوابشة و الشهيد عمر
منصور و الشهيد إبراهيم عبد الكريم بني عودة و الشهيد جميل جاد
الله و الشهيد محمد بشارات و الشهيد القائد إياد الحردان و
الشهيد أنور حمران و الشهيد طاهر نصر و الشهيد القائد مهند
الطاهر و غيرهم .
الشهيد
محمد "أبو مؤمن" كان له صفات من العطاء و الهدوء عرفها إخوانه
المعتقلون في سجن جنيد ، فهو الخادم لهم و صاحب البسمة و
المتعلق بكتاب الله و الصامت الدائم و كان لا يرى إلا بلباسه
الأنيق و رائحته الطيبة الزكية و كان من أسبق المعتقلين
لاستقبال الزوار في السجن تسبقه ابتسامته العريضة حتى نال محبة
الجميع .
و قدر
للشهيد محمد أن يخرج مع نحو ستين معتقلاً من حماس و الجهاد
كانوا يقبعون في سجن الجنيد في العام 2000 إثر استهداف
المحتلين للمراكز و السجون الفلسطينية و نتيجة للضغوطات
الشعبية و التنظيمية و غاب منذ ذلك الوقت عن الأنظار مع العديد
من المعتقلين أبرزهم رفقاء الجهاد الشهيدين نصر الدين عصيدة و
ياسر عصيدة .
محمد شهيد :
و في ليلة
ليلاء من ليالي البطولة الفلسطينية و هو يوم 12/11/2001 عمد
الغرباء المحتلون القتلة و بعد جمع المعلومات من الخونة
لمحاصرة تل حصاراً محكماً لم تشهده القرية و كان الهدف منزل
الشهيد محمد الذي أحس بالعدو يتحرّك بعد منتصف الليل فلم يجزع
و لم تهتز من جسده شعرة إذ إنه على موعد مع الشهادة و غافل
المحتلين و أمطرهم بالنار بعد أن وضع العائلة في زاوية أمينة و
فاجأهم مرة أخرى يفتح الباب تسبقه هتافات التكبير و الاستعانة
بالله الكبير و تدور المعركة و يسقط على مدخل منزله مضرجاً
بدمائه جريحاً و يمنع المحتلون والده و العائلة من التقدم
لإسعافه و إنقاذه حتى لقي ربه شهيداً طاهراً مطهراً .
و في ذات
الليلة اعتقل والده و جميع أشقائه باستثناء الشهيد عاصم الذي
كان يعد نفسه و يواصل التخطيط لملاحقة المحتلين و تطهير أرضه
منهم .
كرامات الشهيد عياناً :
و بعد
مائة يوم من استشهاده وفق شقيقه جعفر و بعد استشهاد رفيق
الجهاد ياسر عصيدة كان الجميع على موعد مع بناء الضريح حيث
كانت الوصية لمحمد و ياسر أن يدفنا بجوار بعضهما البعض و وسط
إصرار جعفر الذي لم يودّعه أو يره لأنه كان معتقلاً تم فتح
القبر و كانت المفاجأة : "كان نائماً نومة العروس المطمئنة و
العرق يتصبّب من على جبينه و دمه طريّ كأنه ينزف من لحظته و
رائحة المسك الأطيب التي سبقت فتح اللحد تملأ المقبرة و شعر
لحيته قد طال كثيراً عن الحالة التي دفن بها" ، بينما كان
المئات من أهالي تل لا يستطيعون منع دموعهم و القشعريرة تسيطر
على جلودهم و هم يكبرّون و يهللون و يشكرون الله على نعمة
الشهادة و إكرام الشهيد .
و يوضح
جعفر : "لو لم أكن متأكداً بأن أخي محمداً شهيد وأن الله
سيكرمه ما تجرأت على فتح القبر و يكفي أن قلب الإنسان و حاسته
دليله و الحمد لله على الكرامة" .
مؤمن على خطى أبيه :
أما حال
طفله "مؤمن" الذي يبلغ الآن من العمر نحو عامين ، يتابع جعفر
يقول : "دخل الجيش المحتل القرية قبل أيام و ما إن سمع بالخبر
حتى غادر المنزل و هرول نحو الشارع يحمل الحصى و الحجارة و
الجميع يسألونه إلى أين يا مؤمن فيكون الجواب (بدّي أرمي
عاليهود حجار لأنهم قتلوا بابا الشهيد)" .
و في
حادثة أخرى يقول جعفر : "خرجنا نقصد نابلس و الطريق إليها صعبة
طويلة و كان برفقتنا مؤمن و ما إن وصلنا إلى إحدى الحواجز التي
تخنق نابلس حتى بدأ يتململ للنزول و عندما فعل ذلك حنا جسمه
على الأرض يلتقط الحصى يضرب الجنود و وكز أحدهم بغصن زيتون كان
في يده و الجنود يملؤهم الغيظ و القهر" .
أسد فلسطين المسلمة :
أما عاصم
فكان له قصة أخرى ، إذ إنه أعدّ العدة مع كتائب القسام للثأر
انتقاماً لأخيه و الشهداء و قصد مستعمرة عمنوئيل و شرع بإطلاق
النار و إلقاء القنابل اليدوية على حافلة المستوطنين و سيارات
حرس الحدود ، بل و دخل إلى الحافلة يجهز على من لم يمت و قد
كان في يده العديد من أمشاط الذخيرة و مسدسه ، مكبّرا و مهللاً
.
و تقول
العائلة إن أحد شهود العيان شاهد "24" جثة على الأرض عدا عن
المصابين ، فيما نقلت العائلة عن الناطق باسم قوات الاحتلال
قوله عند المطالبة بتسليم جثمان الشهيد عاصم لدفنه وفق الشريعة
الإسلامية : "كيف نسلم جثة من قتل 24 و ترك 11 آخرين في حالة
موت سريري" .
اعتقال الشهيد :
و حاولت
العائلة مجتهدة البحث عن وسيلة للحصول على الجثمان دون جدوى و
رفعت القضايا بواسطة محامين و مراكز حقوقية كانت تصطدم بعقبات
كبيرة تتشدّد في رفض التسليم .
و تقول
العائلة إن الصحف العبرية نشرت تقارير نقلاً عن أطباء يهود
أنهم كلما يهمون بفتح الثلاجة يصابوا بالرعب و الهلع ، و تقول
العائلة إن الشهيد أرعب المحتلّين حياً و ميتاً ، فطوبى
للشهداء .
جثامين معتقلة :
و يعتبر
الشهيد عاصم الشهيد الأول الذي يمنع تسليم جثمانه من الذين
نفّذوا عمليات داخل مناطق أراضي عام 1967 ثم تلاه أربعة آخرون
من نفس القرية و هم الشهداء "نصر الدين عصيدة – استشهد يوم
18/3/2003 و الشهيد أحمد حمد استشهد في عملية جبل الطور
"جرزيم" و الشهيد سعيد رمضان استشهد يوم 2/2/2002 و الشهيد
عاصم عصيدة استشهد يوم 17/7/2003" .
و قدّمت
قرية تل في انتفاضة الأقصى 16 شهيداً حتى الآن منهم سبعة من
حماس و الباقون من فتح . و مع هذه المعاني المشرقة تستحق والدة
الشهيدين و أم المعتقلين أن تنال لقب خنساء فلسطينية جديدة من
خنساوات فلسطين اللواتي صبرن على ما أصابهن و لم تضعف إحداهن
أو تلين لها قناة .
الطريق إلى عمنوئيل :
و قد خصّص
الصحافي أسامة العيسة كتاباً حول بطولة العائلة و عملية الشهيد
عاصم أسماه "الطريق إلى عمنوئيل" نشره المركز الفلسطيني
للإعلام على الإنترنت نقتطف بعض الفقرات التي تستحق النشر و
القراءة لغناها و تسجيلها للحقائق و المشاعر الفياضة .
"اليوم هو
: 12/12/2001 ..
كان العام
الأول في القرن الجديد ، و الأول في انتفاضة الأقصى ، يستعدّ
للرحيل ليفسح المجال أمام عامٍ جديد ، سيكون من أكثر الأعوام
دموية في تاريخ فلسطين الحديث .
و بينما
كان العالم يتفرّج على جرائم المحتلين ضدّ أبناء الشعب
الفلسطيني ، في مشهدٍ غريبٍ و عجيبٍ و مفجعٍ ، ربما لم يشهده
التاريخ البشريّ ، و إن كان مشهداً طبيعياً يتكرّر كلّ يومٍ في
عالم الغابات حيث الغلبة للحيوانات الوحشية ، و يستعد لتوديع
عامٍ و استقبال عامٍ آخر سعيداً ، كان أمر آخر يثقل طالباً
جامعيّاً شابّاً و مقاوم اسمه عاصم ريحان .
اتصل عاصم
بأفراد أسرته في صباح ذلك اليوم و تحدّث معهم واحداً واحداً ،
و توقّف للحديث مع الطفل الصغير (مؤمن) و هو ابن شقيقه الشهيد
محمد ، و لا بدّ أن عاصم بذل جهوداً استثنائية كي لا تنزل
دموعه تأثّراً و هو يعلم بأنه سيستمع لصوت (مؤمن) ، الذي تربطه
به علاقةٌ خاصةٌ و وثيقةٌ ، و باقي أفراد العائلة ، للمرة
الأخيرة ، و مثلما يليق بمقاومٍ و كادرٍ مدرّب مثل عاصم فإن
أيّاً من أفراد عائلته لم يعرف لماذا اتصل عاصم و حرص على
الحديث مع الجميع ، و قال لهم إنه يستعد لامتحانٍ موعده غداً .
و بعد أن أنهى عاصم مكالمته كان عليه التقدّم لامتحانه .. !
و قبل ذلك
بثلاثة أيام وقف ، مثلما فعل كثيرون غيره في أشهر (انتفاضة
الأقصى) ليقرأ وصيته و هو ممسكٌ بسلاحه و مرتديٌ لباساً
عسكرياً و على رأسه خوذة حديدية" .
عاصم ... النشأة و الإمارة :
ولد عاصم
يوسف ريحان في قرية (تل) قرب نابلس عام 1981م ، و عندما أنهى
دراسته الثانوية التحق بقسم التسويق في كلية الاقتصاد بجامعة
النجاح الوطنية ، و اختاره رفاقه (أميراً) للكتلة الإسلامية في
كلية الاقتصاد ، و هذه الكتلة تضمّ نشطاء حماس و المتعاطفين
معها في الكلية ، و لقب أمير محاكاة لتجارب حركات إسلامية في
بلدان أخرى ، و إن كان لا يحمل هذا اللّقب في فلسطين نفس
الدلالات عند تلك الحركات .
و انتخب
في المؤتمر العام لمجلس الطلبة ، و كان هذا الصّعود في العمل
الطلابيّ العلنيّ ، يرشّحه لصعود مستقبلي أكبر في العمل العام
، و لكنه اختار وجهة أخرى .
كان ذلك
في فجر الإثنين 12/11/2001 بعد 12 يوماً من تصفية عصيدة عندما
جرّدت حكومة الاحتلال قوة أخرى لمواجهة فردٍ هذه المرة ، و
طوّقت قرية (تل) و احتلتها بالكامل و التي كانت تخضع حينها
للسيطرة الأمنية الفلسطينية ، و يمكن الإشارة هنا ، و كما
أثبتت الأحداث الدموية فيما بعد ، أن الحديث عن (سيطرة أمنية)
هو مصطلح إعلامي أكثر منه حقيقة على الأرض .
فجر ذلك
اليوم شنّت قوات الاحتلال حملة مداهمات لمنازل قرية (تل) و
نفّذت عملية اعتقالات واسعة بين شبان القرية و اعتقلت نحو 40
منهم ، و داهمت أيضاً منزل الشهيد ياسر عصيدة و هدّدت أهله
بهدم المنزل ، و بالتزامن مع ذلك كان الهدف الرئيس من الحملة
ينفّذ في مكان آخر ، في أحد منازل القرية : منزل محمد ريحان .
كانت قوات
الاحتلال طوّقت المنزل و اقتحمته بعد رفض محمد ريحان الاستسلام
، و قامت وحدة خاصة من المحتلين بإطلاق نارٍ كثيف عليه أمام
زوجته و طفله (مؤمن) و تركت ريحان ينزف حتى الموت ، و منعت
قوات الاحتلال التي تحاصر القرية سيارات الإسعاف من الدخول
لنحو سبع ساعات كان محمد ريحان خلالها لحق برفيقه عصيدة ، و
نال ما تمناه : الشهادة .
و حسب
المصادر الصهيونية فإن محمد ريحان كان مشتركاًً مع عصيدة في
(جريمة) قتل المستوطنين على طريق (يتصهار) قبل ثلاث سنوات . و
باستشهاد محمد ريحان ، تمكّنت المخابرات الصهيونية من توجيه
ضربة قوية لخلية (تل) ، و إن لم تكن قاصمة ، كما ستثبت الأحداث
فيما بعد .
و مثلما
حدث مع عملية اغتيال عصيدة ، فإن المؤكّد أن اغتيال محمد ريحان
كان نتيجة لعمل استخباري صهيوني دؤوب مكّنهم من رأس ريحان . و
في اليوم التالي : الثلاثاء ، انطلق موكب تشييع جثمان محمد
ريحان من مستشفى رفيديا في نابلس ، إلى ميدان الشهداء ، و سار
الموكب على نفس درب موكب تشييع عصيدة و سلك نفس الطريق إلى
قرية (تل) حيث ووري الثرى بجانب رفيقه الذي سبقه .
كان عاصم
ريحان يحضّر لعمليته الاستشهادية ، مثلما فعل كثير من رفاقه و
من بينهم زملاؤه في جامعة النجاح الوطنية أمثال : هاشم النجار
، حامد أبو حجلة ، جمال ناصر ، مؤيد صلاح الدين ، و غيرهم .
يلقى ربه صائماً :
و عندما
وقف صباح يوم (9/12/2001) في أحد أيام رمضان ، صائماً ، بين
الصخور ليقرأ وصيته كان يعرف بأنه لا يفصله الكثير من الوقت
لينضم (لرفقاء الدرب) .
وقف
مرتدياً لباساً عسكرياً و خوذة حديدية ًحاملاً وصيته في إحدى
يديه ، بينما تدلى رشاشه من كتفه ، و خلفه كان رشاش آخر معلقاً
بأحد الصخور ، و بدأ وصيته بآيات من القرآن الكريم تحض على
الجهاد ، و حمد ربه الذي جعله من فلسطين و جنودها المجاهدين و
من الاستشهاديين ، و حيا أهله و أصدقاءه و إخوته المجاهدين و
أخواته المجاهدات و طمأنهم بأن النصر قريب .
و قال :
إنه يقدّم نفسه (رخيصة في سبيل الله و دفاعاً عن أرض فلسطين
الحبيبة و انتقاماً لأخيه المجاهد محمد أبو المؤمن و أخيه ياسر
و القائد محمود أبو هنود) .
وصية و الوعد و الوعيد :
و خاطب
(السّفاح) شارون كما وصفه و زمرته و حاشيته ، قائلاً : "إن
ملاحقتهم للمجاهدين لن تجدي و أنها تزيد المقاومين إصراراً على
المقاومة" .
و بعد أن
أنهى عاصم آخر كلمات وصيته وقف ممسكاً سلاحه يتفحّصه ثم خطر له
أن يقول أموراً أخرى ما دامت هذه فرصته الأخيرة ليتحدث مع من
سيتركهم ، إلى الأبد ، فقال مرتجلاً (أيها الأخوة أوصيكم بتقوى
الله .. أوصيكم بالجهاد في سبيله .. أوصيكم برفع راية الله عز
و جل .. أوصيكم بأن تكونوا قابضين على الزناد .. قبضة المجاهد
محمود أبو هنود .. و قبضة المجاهد يحي عياش .. أوصيكم بأن
تحرسوا هذه الأرض و أن تدافعوا عنها و أن تبذلوا الرخيص و
الغالي لأجلها .. في سبيل الله عز و جل .. أوصيكم إخوتي بأن
تكونوا مجاهدين لا من المتخاذلين الراكعين) .
و بدا
عليه التأثر الشديد و ربما ، خنق دمعه كادت تفرّ من عينيه و هو
يتابع بثقة مستحضراً المخزون الديني (إخوتي .. أحبتي .. إخوتي
.. أحبتي : أوصيكم بتقوى الله عز و جل فإن هذه الدنيا فانية و
أن البقاء عند الله عز و جل في جنة عرضها السماوات و الأرض
أعدها للمؤمنين) .
و تابع
بتأثرٍ أيضاً و هو قابض على سلاحه (يا إخوتي و يا أحبتي يا أهل
قريتي .. تل ، الكرام : دافعوا بكلّ ما أوتيتم من قوة عن دينكم
و شرفكم و عن عرضكم و عن أرضكم فإن أرضكم هي عرضكم و إن
تصونوها ، تصنكم ، و أن تحرصوا عليها … ، و السلام عليكم و
رحمته الله و بركاته) .
و كانت
تلك آخر كلمات (الأمير) الذي ترك مقاعد الدراسة من أجل هدف
أكبر و أغلى .
و بعد ذلك
يظهره الشريط المصوّر من الخلف و هو يتقدّم نحو هدفه بمشية
سريعة رياضية قابضاً على رشاشه و ظهرت حافلة ركاب صهيونية كانت
في طريقها إلى مستوطنة عمانوئيل .
و ما لم
يظهره الشريط المسجل ، عرفه العالم أجمع بعد ساعات ، فعاصم ،
يوم (12/12/2001م) ، بعد ثلاثة أيام من تقديمه لوصيته وضع مع
رفاق آخرين ، عبوات ناسفة في طريق الحافلة الصهيونية التي تسير
على خط رقم (198) المتجّهة إلى مستوطنة (عمانوئيل) ، و فجّرها
عن بعد ، و عندما توقفت الحافلة و بدأ المستوطنون بالنزول ،
فوجِئوا بالرصاص ينهمر عليهم من الكمين الذي نصبه عاصم لهم ،
فقتل منهم 11 و أصيب نحو 40 ، قبل أن ينضم عاصم شهيداً ، إلى
من سبقوه من (رفقاء الدرب) .
و حسب
رواية صهيونية غير رسمية تم تناقلها بعد عملية عاصم أن القتلى
زادوا عن العشرين و عزّز ذلك وجود أكثر من عشر مخازن سلاح وجدت
بجانب جثمان عاصم بعد استشهاده ، و كذلك ما روِي عن أن عاصم
استمر في إطلاق النار حتى بعد وصول سيارات الإسعاف و تعزيزات
جنود الاحتلال بعد الكمين الأول ، و لم يتمكّن جنود الاحتلال
من النيل من عاصم إلا بدهسه ، و لم يحاول عاصم أن يتراجع ، و
ربما كان يغطّي على انسحاب رفاق له شاركوه في العملية .
كانت
عملية عاصم الاستشهادية التي عرفت إعلامياً باسم (عملية
عمانوئيل) واحدة من أهم عمليات المقاومة الفلسطينية التي نفّذت
خلال انتفاضة الأقصى ، و كانت حافزاً لعملية أخرى هامة هي
الأخرى نفّذها بعد شهور مقاومون آخرون من كتائب القسّام ، ضد
حافلة مستوطنة عمانوئيل ، التي أقيمت على أراضي الفلاّحين
الفلسطينيين عام 1982م بعد عامٍ واحد من ولادة عاصم .
و كانت
حكومة الليكود اليمينية الصهيونية اتخذت قرار إقامتها بتاريخ
13/5/1981 ، و تكون وزارة البناء و الإسكان مسؤولة عن إقامتها
، و حسب الباحث خالد عايد في كتابه (الاستعمار الاستيطاني
للمناطق العربية المحتلة) فإن قرار إقامتها استند إلى قرارات
الحكومة بشأن الاستيطان في كتلة (كرني شمرون) الاستيطانية و في
إطار تكثيف الاستيطان و توسيعه في تلك المنطقة .
و تم
اختيار الموقع على (جبل الدير) التابع لقرية (جينصافوت) على
بعد نحو 14 كلم شرق خط الهدنة عام 1948 ، و تمهيداً لإقامتها
قلع المحتلون نحو 2000 شجرة زيتون في شهر أيار 1982م .
و لم يكن
ذلك الطفل سوى عاصم الذي نشأ في بلدة (تِل) في ظروف وطنية و
دينية حافزة ، و في منزلٍ عرف الكثير من أبنائه السجون
الصهيونية ، و يمكن الإشارة إلى أنه كان من جيلٍ شهد الانتفاضة
الفلسطينية الكبرى مع انطلاقها عام 1987م ، و التي كان من أبرز
ميّزاتها حضور عنصرٍ هام في العمل الوطني و هو حركة حماس ،
التي ولدت قوية ، و كان من نتيجة وجودها القوي المعمّد بالدماء
ميلاد أجيال تأثّرت بعنفوانها و منهم عاصم الذي ما إن دخل
الجامعة حتى كان من مؤيّدي حماس في الحركة الطلابية الفلسطينية
في الجامعات و المعاهد ذو وجودٍ قويّ و مؤثر .
|