|
الذكرى السنوية الثامنة لاستشهاده
القسامي صلاح جاد الله مهندس اختطاف
الجنود و رمز التحدي للدولة الصهيونية !!

غزة -
تقرير خاص :
"
ارتقى وهو يواصل دربه لم تثنه الشدائد ولم ترده المحن ولم
تعجزه المصائب عن المواصلة بعزم جديد و إرادة حديد ... ارتقى
وهو يرسم صورة جديدة للمجاهد المسلم العظيم عزيزاً .. كريماً
حراً أبياً .. ملثماً يشهر سلاحه في وجه الظلم ويقهر جند
الغطرسة والعدوان في أكثر لحظات حياتهم ذلة ومهانة .
...ارتقى وهو يرسم صورة المستقبل ...صورة العلو الإسلامي
القادم والذلة الصهيونية المحاصرة إذا توفرت مقومات النصر وليس
أقلها الإخلاص والتفاني من أجل الله ودينه وأرضه و حينها لن
يتخلى الله عن جنده .
ارتقي
الشهيد المغوار وهو يحمل هم الوطن وهم إخوانه المعتقلين ،ارتحل
بارا بقسمه الأول في الثأر لدماء شقيقه وأعمامه وجده و إخوانه
في مسجد الرضوان ...وفي الانتصار لقضية شعبه وأمته وإخوانه
القابعين خلف القضبان .. ارتقى وهو يبني منهجا جديدا في العمل
العسكري القائم علي أساس من التخطيط المتين والتنفيذ الدقيق
بعيدا عن الارتجالية والعشوائية مع تحديد أهداف مصيرية لمسيرة
الجهاد الوضاءة .
صور
المعتقلين ومعاناتهم اليومية ما فتئت تراود صلاح والتفكير
بإطلاق سراحهم شغله الشاغل ، واستأجر لذلك بيتا في بير نبالا
قضاء رام الله أغلقه بإحكام ،وفي صبيحة الأحد 9/10/1994 تحركت
السيارة القسامية وهي تحمل أرقاما "إسرائيلية" وبداخلها
المجاهدون ( صلاح جاد الله وحسن النتشة وعبد الكريم بدر ) وعند
موقف للجنود الصهاينة توقفت السيارة ليعتليها الجندي الصهيوني
"نخشون مردخاي فاكسمان" إلى المقر في بير نبالا ليصل في ذات
اليوم بيان إلى الصليب الأحمر بإعلان مسئولية كتائب القسام عن
خطف الجندي ويوزع شريط فيديو يظهر فيه الجندي المخطوف وخلفه
الملثم القسامي الذي لم يكن سوي المجاهد صلاح جاد الله وهو
يحمل سلاح الجندي وأوراقه الثبوتية مع إعلان بكافة مطالب
الخلية والتي انحصرت في الإفراج عن المعتقلين مع تحديد الساعة
التاسعة من مساء يوم الجمعة 14/10/1994 موعدا نهائيا ،وقد
اعتبرت أطول فترة زمنية تسمح بها خلية مسلحة تختطف جنديا وتقع
تحت سيطرة الحكومة التي يتبعا الجندي المختطف ،وقد غدت هذه
الصورة رمزا للعمل القسامي المتصاعد ومثال فخر وتفاؤل للمستقبل
الواعد لأولئك الرجال الذين حملوا أرواحهم علي أكفهم وخاضوا
بحار المجد والعز والفخار لتسقط أمامهم كل حسابات الأرقام
وتوقعات الساسة .
**
معركة رام الله الكبرى
حركت
عملية الخطف هذه العالم بأسره ووقف العالم علي قدم واحدة طوال
ستة أيام متواصلة يرقب نهاية المشهد الدرامي لحرب غير متكافئة
الأرقام والحسابات ،خلية بإمكانيات محدودة وقائد شاب مقابل
دولة لها جيشها و قائدها الكهل المحنك ولكن نتيجة المعركة
تتحدث عن نفسها.
وقد
فشلت المفاوضات مع الحكومة الصهيونية في الإفراج عن المعتقلين
, ناورت الحكومة لكسب المزيد من الوقت وتم تمديد الزمن إلى
مساء السبت 15/10/1994 وكانت الدولة العبرية حينها تعتقل
المجاهد جهاد يغمور مراسل الخلية القسامية ، وجهزت القيادة
الصهيونية وحدة الأركان الخاصة وحاصرت الموقع القسامي في بير
نبالا وذلك مساء الجمعة 14/10/1994 وفوجئت الوحدة الخاصة
بالجدران المغلقة والموقع المحصن لتقع في شر أعمالها وتغدو
أهدافا سهلة لنيران المجاهدين ليقتل قائد الوحدة الخاصة
الصهيونية ويصاب ثلاثة عشر آخرين.
وأعادت
الوحدة الكرة مرة أخرى مع استخدام مكثف للقنابل والمواد
المتفجرة لاقتحام المنزل ولكن أين تتقدم هذه الوحدة وقد أقسم
المجاهدون قسم الاستشهاد و ألا تمتد إليهم يد يهودية حاقدة
وفيهم عرق ينبض ،وتقدمت الوحدة ولكن على جثث ثلاثة من الشهداء
وجثة الجندي المختطف ...ونظرا لاستمرار المعركة مدة طويلة بين
أعضاء الخلية القسامية ووحدة أركان الجيش الصهيوني فقد سميت
بمعركة رام الله الكبرى ،وعقد إثر هذه المعركة المجحوم "إسحاق
رابين " رئيس الوزراء الصهيوني ووزير الحرب وقائد أركانه حينها
"ايهود باراك " مؤتمرا صحفيا أعلن فيه رابين أن هذا أصعب يوم
تمر به حكومة "إسرائيل" وإنه شخصيا يتحمل المسئولية الكاملة
لنتيجة المعركة والتي كانت حسب رأي مختلف الأوساط المطلعة أنها
خسارة فادحة للجيش الصهيوني خاصة في مثل هذا النوع من أحداث
الخطف ، وقد احتجز العدو الصهيوني جثة الشهيد صلاح حتى افرج
عنها في العام 1997 ولكن هل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها ،فالروح
في حواصل طير خضر تغدو وتروح في جنة عرضها السماوات و الأرض
حيث شاءت بإذن الله تعالى .
وليختم
شهيدنا المقدام حياته الجهادية بملحمة تاريخية خالدة ...خلود
دمه الطاهر يختمها بمشهد عظيم يصعب على القلم كتابته يفوق حدود
الوصف تضحية وتفانيا وعطاءا وعزا وفخارا ومجدا....
**
البداية
"حي
الشيخ رضوان " ما زال يغفو على أحلام نورانية مزهرا بأطياف
شهداء مجزرة الشيخ رضوان حيث خضبت دماء الشهداء (فواز بخيت -
عبد الناصر الشريف – مجدي الغوراني) ودماء عشرات الجرحى في
ساحة المسجد وذلك في الثامن عشر من شهر مارس من العام 1989 ...
كان
هذا دافعا كافيا لينطلق شباب هذا الحي في مواجهات بطولية لجنود
الاحتلال ليمثل رافدا كبيرا للانتفاضة
المباركة التي
تشتعل نارا ولهيبا في قطاع غزة الذي غدا شوكة في حلق الاحتلال
، وكم تمني قادة العدو زوال هذه المنطقة عن الخارطة و إغراقها
في البحر ...وكان وجه فتانا يطل من بين الوجوه غضبا ونارا علي
هدر الدماء المسلمة في بيت الله تعالى لتغرس في قلب الفتى بذرة
الثأر والانتصار .
وبعد
أيام من انقضاء عيد الفطر المبارك وبالتحديد في السادس من شوال
اندلعت مواجهات حادة في حي الرضوان وكان صلاح وشقيقه خالد من
أولئك الذين قفزوا فوق المنازل يدافعون عن الحي بحجارتهم في
مواجهة رصاص الصهاينة ...وكان خالد ذلك الشاب الهادئ الوديع
صائما في هذا اليوم استجابة لسنة النبي صلي الله عليه وسلم في
صيام ستة أيام من شوال يبدو مواجها صلبا والى جواره شقيقه صلاح
وذلك حين انطلقت رصاصة غادرة أصابت قدم المدافع العنيد خالد
الذي سقط جريحا وأدركه جنود الاحتلال بعد أن سقط أرضا وضربوه
بعنف موقع الإصابة وانسابت الدماء الطاهرة زكية من جسد خالد
فيما يرفض الصهاينة إسعافه ، وكانت عينا صلاح ترقب الموقف و
الألم يعتصرهما والدمع ينهمر منهما ،كان ينطلق لإنقاذ شقيقه
وهو لا يملك أدنى عناصر المقاومة اللهم إلا قلبا عامرا
بالإيمان وبحب شقيقه خالد ، ولكن زخات الرصاص انطلقت نحوه
وأوقفته جامدا ، لكنها لم توقف كوامن نفسه التي تغلي كالمرجل
،وبقي هذا المشهد يعتمل في صدر هذا الفتي ليروي بذرة الثأر
والانتصار .
فقد
حركت هذه الرصاصات كوامن الجهاد والتضحية والفدائية إلى نفس
فارسنا الصنديد ...ألم ير جنود الاحتلال وهم يضربون شقيقه
وجرحه نازف حتى فاضت روحه من أثر النزيف ظلما وعدوانا ،وفي
عزاء شقيقه أقسم (صلاح) على الثأر من تلك القلوب القاسية حتى
يردها لصوابها ...وبينما كان صلاح بهذه الحالة طافت بخاطره صور
جده و أعمامه يقتلون على يد ذات القلوب القاسية كما صورها له
والده الشيخ الجليل حين حدثه عن قصة الرحيل الكبير للشعب
الفلسطيني ورحيل عائلته من بلدة "برير" الفلسطينية و الإقامة
في حي التفاح الملاصق لمدينة غزة من الشمال .
**
الميلاد والنشأة
ولد
شهيدنا في السادس والعشرين من شهر نوفمبر عام 1972 وأسماه
والده صلاح الدين تيمنا بالقائد المسلم (صلاح الدين الأيوبي )
أملا بتحقيق النصر على يد هذا "الصلاح " وله من الإخوة ستة
والبنات خمسة ، نشأ فارسنا في ظلال مسجد الرضوان يتنشق خلاله
الصفاء والنقاء بعد أن فطم على العزة والكرامة والحرية على يد
والديه ... وكان الذكاء أكثر ما يميز الفتى وقد زين ذكاؤه جرأة
غير عادية فاق بذلك أقرانه ،وقد أنهي الفتى دراسته الابتدائية
والإعدادية ،ثم درس المرحلة الثانوية في مدرسة فلسطين الثانوية
،وكان حينها أحد أبرز نشطاء حماس ، يلقي الندوات في المسجد عدا
عن دوره المتميز في قيادة جهاز الأحداث التابع لحماس في حي
الرضوان ... وقد اعتقل ذات مرة في إحدى المواجهات العنيفة في
مسجد الرضوان على أيدي القوات الخاصة الصهيونية حيث ضربه جنود
الاحتلال بكل وحشية وألقوه بين الأحراش بعد أن فقد الوعي
ليزرعوا بذلك بذرة الثأر والانتصار في قلب ذلك الشاب الوديع .
كان
صلاح في عنفوان انطلاقه لمواجهة من بذروا داخله الكراهية
والثأر لما اقترفت أيديهم تجاه شعبه و أهله وشقيقه واتجاهه
شخصيا ،وفي مشهد مكرر لحادث استشهاد شقيقه خالد انتصب صلاح فوق
أحد الأسطح في حي الرضوان يرجم الصهاينة بحجارته النارية
وانطلق الرصاص مدويا في سماء الرضوان ،وكانت إحدى الرصاصات
نصيب فارسنا المقدام ليضاف إلى سجل معاناته صفحة قاسية جديدة
حيث اخترقت الرصاصة جسده الطيب و أصابت الكبد والبنكرياس
واستقرت في الإثنى عشر ، صلاح على إثرها شهرين راقدا في أسرة
مستشفي الشفاء بغزة وثلاثة أشهر في مستشفي المقاصد الإسلامية
بالقدس نتيجة سوء حالته الصحية ،كل ذلك كان يمضي ليحفر في
شخصية صلاح علامات بارزة لترسخ لديه قسم الثأر لكل قطرة دم
أريقت على أعداء شعبه و أرضه .
**
الانضمام إلى الكتائب
واثر
شفائه تحرك بطلنا المغوار لإكمال دراسته العلمية حيث انهي
دراسته الثانوية بتفوق كعادته وليتحرك إلى الضفة الغربية
لإكمال دراسته التعليمية حيث التحق "بالكلية العربية للمهن
الطبية " برام الله وحصل على شهادة الدبلوم في الأشعة وذلك رغم
انشغاله الكامل بالعمل الجهادي القسامي الذي بدأت تنمو بذوره
في قطاع غزة ،وكان صلاح يعقد آمالا عظيمة على تقوية الشوكة
العظيمة لهذه النبتة الصافية حتى تبقى حماس وكتائبها رقما صعبا
،وفكر صلاح مليا في جدوى نقل العمل العسكري من غزة الفداء إلى
الضفة الغربية وتحرك لأجل ذلك بكل عنفوان حيث بادر بتوفير
بطاقات هوية "إسرائيلية" مزورة وتزويدها لأبناء القسام الأوائل
ومطارديها النجوم ( المطاردون بشير حماد ومحمد حرز ومحمد أبو
عطايا وطلال نصار ومحمد عايش والشهيد عماد عقل ) مع توفير
سيارات "إسرائيلية" ومأوى مناسب لهم ،وكان قدر الله أسبق حيث
اعتقل ثلاثة من المجاهدين من أفراد المجموعة من البيت المستأجر
في بيتونيا في رام الله وضبطت معهم هوية مزورة باسم "صلاح"
الذي فر لمدة أسبوع انتقل خلاله من رام الله إلى الخليل إلى
غزة حيث اعتقل بتاريخ 6/8/1992 في سجن غزة المركزي لينهي صفحة
المطاردة الصغيرة ويفتح صفحة أخرى لبداية جديدة ولبطولة فريدة
خطها مجاهدنا العظيم بصبر وصلابة .
وكان
لتلك الأيام القاسية أعمق الأثر في فكر صلاح وشخصيته وتوجهاته
الجهادية حيث أخضع فارسنا المغوار لجولات تحقيق رهيبة استمرت
ثلاث شهور في زنزانة انفرادية بسجن غزة المركزي كسر خلالها
أنفه ،ونقل لمستشفي سوروكا في بئر السبع لإجراء عملية جراحة،
إلا أن تعنت جهاز المخابرات منع ذلك وأعيد للتحقيق مجددا حيث
نقل بعدها إلى عزل المجدل لأربعة شهور أخرى ،وكان خلالها في
تحقيق وتغيب كاملين حتى بدا صلاح في حالة من الانهيار والجنون
لينقل للعلاج في المستشفيات ثم يحول لمعتقل النقب الصحراوي
،وعلم هناك أن والده الشيخ "أبا أحمد" قد أبعد إلى مرج الزهور
إثر عمليات عسكرية فعالة نفذتها كتائب القسام ، اكتسب صلاح
خلال تلك المدة المزيد من العزم والصرامة والسرية والكتمان مع
مزيد من الاهتمام بالإعداد الجيد والعمل المتقن الدقيق مع شعور
جارف أن الأولوية الأولى للعمل الجهادي الإفراج الكامل عن كافة
المعتقلين الفلسطينيين وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين.
**
مهندس خطف الجنود
ولما
تحقق أمر الله بالإفراج عاد صلاح لنشاطه القسامي المتميز حيث
بادر لتجنيد مجموعات سرية خاصة جديدة في مناطق الضفة والقدس
وكانت الخلية المقدسية (الأسير ايمن أبو خليل – والشهداء طارق
عرفة –راغب عابدين –حسن النتشة وعبد الكريم بدر ) أبرز تلك
الخلايا حيث قامت اختطاف الجندي "شاحر سيماني " عضو وحدة
دوفدفان العسكرية الصهيونية ونتيجة مقاومته العنيفة تم قتله
وسلب سلاحه وهويته ،وقد أصيب أيمن أبو خليل في العملية .
ثم
تقدمت ذات الخلية وخطفت الجندي "ارئيل فرنكتال " وقد قتل بعد
خطفه مباشرة ،ثم قامت الخلية بالإعداد لهجوم مسلح على منزل
شارون في القدس ووقع اشتباك عنيف مع الشرطة الصهيونية وقد
استشهد أثره المجاهدان "طارق أبو عرفة ، وراغب عابدين " وتمكن
المجاهدان حسن النتشة وعبد الكريم بدر من الفرار بأسلحتهما
فيما أصيب المجاهد أيمن أبو خليل وتم اعتقاله....لتبدأ
لمجاهدنا رحلة جديدة ..رحلة المطاردة ،حيث أنه قائد هذه الخلية
وليكون صلاح بذلك أول مطارد للعدو الصهيوني منذ دخول السلطة
الفلسطينية إلى قطاع غزة وقد أمضى "أبو محمد شهرين مطاردا داخل
قطاع غزة ثم انتقل للضفة الغربية ليكمل مشواره في خليته
المقدسية ، حتى فوزه بالشهادة التي طالما تمناها خاصة بعد رحيل
رفقاء دربه طارق أبو عرفة وراغب عابدين .
|