|
الفتى الأسير إبراهيم صالحة : الشتاء يعيد
عائلته إلى ذكريات مؤلمة بعد منعها من زيارته
خانيونس –
خاص :
جلست
عائلة الأسير الفتى إبراهيم صالحة على طعام الإفطار تتذكّر تلك
الليلة الشديدة البرودة من ليالي الشتاء ، عندما استأذن من
والدته الخروج لينطلق بعدها إلى هدفٍ حدّده سلفاً و بنية
الاستشهاد نحو مستوطنة "عتسمونة" جنوب خانيونس ليتمكّن من
اقتحامها و الاشتباك مع حراسها و يصيب أربعة من جنود الاحتلال
قبل أن تنفد ذخيرته و يصاب و يؤخذ أسيراً لتبدأ بعدها رحلة من
المعاناة و الآلام له و لأسرته .
الأسير
صالحة من سكان حي الأمل في خانيونس و عمره لم يتجاوز 16 عاماً
عندما قام بتنفيذ عمليته البطولية ، استقبلتنا عائلته في منزل
العائلة الصغير ، و ككل بيوت مخيمات اللجوء التي تحكي معاناة
جيل بأكمله استمرت 51 عاماً من الشتات .
الفتى
الأسير إبراهيم كان حاضراً في كلّ أرجاء المنزل ، صور طفولته و
صوره في الأسر تنتشر على جدران المنزل و خاصة في غرفته حيث
وقّع على إحدى الصور التي أرسلها من المعتقل عبارة "سأعود
قريباً" ، و ما زالت الأسرة تعيش لحظات عصيبة شاردة الذهن
بانتظار ما ستقدّمه الأيام القادمة و هل سيتم الإفراج عن طفلها
في صفقة التبادل مع حزب الله أم سيكمل بقية ما حكمت عليه محاكم
الاحتلال باثني عشر عاماً إضافة لثلاث سنوات مع وقف التنفيذ
؟!! .
والد
الأسير تحدّث معنا و قد غلبت الدموع على عينيه رغم كبر سنه
قائلاً : "أراد أن يستشهد و لكن الله أراد له الأسر" ، و أضاف
: "إبراهيم رغم أنه لا يزال في عمر الطفولة ، إلا أنه كان
استثنائياً ، في قوة بنيانه و شخصيته ، في عزيمته ، في إصراره
، عناده ، غضبه ، و جرأته التي لا حدود لها و خاصة عندما
يتعلّق الأمر بقضية وطنه و شعبه الذي كثيراً ما كان يشاهد
عمليات القتل و المجازر التي ترتكبها قوات الاحتلال ضد
المواطنين العزل فكانت تؤثّر في نفسه كثيراً و يحدّث إخوته
بأنه سيأتي اليوم الذي سينتقم فيه من جرائم الاحتلال" ، مشيراً
إلى أنه في المحكمة رفض أن يبدي ندمه على ما قام به من عمل
بطولي و قال أمام القاضي الصهيوني إن ما فعله سببه الجرائم
التي يرتكبها جنودكم بحق شعبنا.
أما والدة
الأسير مريم صالحة فلم تستطع منع دموعها ، و هي تعرِض لنا
مجموعة من الصور أرسلها فتاها الحبيب من سجنه .. و علا صوت
بكائها و هي تقبّل إحدى الصور التي يظهر فيها إبراهيم جالساً و
يده مبتورة و قالت : "نور عيني ، يده انقطعت ، لم يقدّموا له
العلاج بعد إصابته و قاموا بقطع يده" ، قبل أن تنخرط في موجة
بكاء شديدة و هي تقول حسبي الله و نعم الوكيل .
أما
الوالد فحاول أن يخفّف ما شاب الجوّ من الآلام و الأحزان
بالعودة بذكرياته لتفاصيل اللحظات الأخيرة قبل اعتقال إبراهيم
عندما كان طالباً في المرحلة الثانوية و تفوّقه الظاهر في
المدرسة موضحاً أنه في الفترة الأخيرة بدا في حالة غضب شديد
نتيجة ارتكاب الاحتلال عدة مجازر آخرها استشهاد 17 مواطناً في
حي الكتيبة بعد إطلاق صاروخٍ عليهم ، ثم استشهاد خمسة عمال من
عائلة الأسطل ، في ليلة الخميس الموافق 16/1/2003 و هو ما أثار
في نفسه غضباً شديداً قرّر بعدها الانتقام على طريقته و حسب
الهدف الذي حدّده لنفسه حيث استأذن من والدته ليدرس عند أحد
أصدقائه حتى لا يثير في نفسها القلق عليه . و قال : "في اليوم
التالي علمنا أنه اقتحم مغتصبة صهيونية و أصاب أربعة جنود و من
ثم تم اعتقاله ، لقد سمعت بخبر العملية في الراديو لكن لم أكن
أعتقد أن ابني الذي ما زال طفلاً يمكن أن يكون هو المنفّذ ، و
بعد ساعات جاءني الخبر ، و الحمد لله أنا فخور به و ببطولته".
والتقطت
الوالدة الحديث و هي تقول : "كانت عيناه تبرقان و كان ينظر
إليّ بحدة و إمعان و كأنه يتأمّلني و لم أنتبه لذلك و لكنني
بعدما سمعت بالخبر أدركت أنه كان يودّعنا" .
إبراهيم
الطفل الغاضب لم يحتمل الجرائم و المجازر التي يرتكبها
الاحتلال ، وجد لنفسه مكاناً في صفوف كتائب المقاومة الشعبية
.. و استطاع اختراق تحصينات الاحتلال الأمنية و اقتحم مغتصبة
عتسمونة و هي واحدة من مغتصبات تجمّع غوش قطيف ، و هاجم سيارة
مغتصبين و أصاب من بداخلها ، و اقتحم أحد المصانع في المغتصبة
و اشتبك مع مجموعة من قوات الاحتلال ، حتى نفدت ذخيرة سلاحه ،
كان يحاول إلقاء القنبلة الأخيرة التي يملكها في اللحظة التي
أصابه جنود الاحتلال بالعديد من الأعيرة النارية لتنفجر
القنبلة بيده و يسقط على الأرض مصاباً ... كُتبت له الحياة ..
ينقل بعد أسابيع من التحقيق إلى مستشفى سوروكا و منه إلى
الرملة حيث لم يكن يتلقّى العلاج اللازم أثناء اعتقاله ما
تسبّب في تدهور حالته الصحية .
و وصفت
والدته لقاءها الأول به في السجن بعد عدة أشهر قبل أن يمنعونها
من زيارته : "بعد استشهاد شقيقي محمد صالحة خلال اغتيال الشهيد
القائد القسامي ياسر طه في شهر تموز الماضي حيث منعت من
الزيارة بحجة أنها مرفوضة أمنياً" ، و قالت : "كنت أرغب بتمزيق
قضبان السجن لأضمّه بين ذراعي و أقبّله ، حاولت تمالك نفسي و
لكنني لم أستطع منع دموعي و يومها قال لا تبكي يا أمي بل افخري
لقد كنت أتمنى الشهادة و لكنني هنا أسير" .
و لم
يقتصر المنع الأمني على والدته و أشقائه و والده بل امتد إلى
الطفل الصغير شقيقه عمر الذي لم يتجاوز السادسة من عمره و قال
: "أنا ممنوع من رؤية أخي هل تصدّق ؟ هم يخافون مني و من أختي
لذلك منعونا من الزيارة" .. و لكنه أكّد أنه ينتظر أخاه كلّ
يوم على مائدة الإفطار في رمضان عله يوماً يدخل المنزل فجأة"
.
أما
الوالد فعاد و أطلق تنهيدة قوية ، و هو يطلب من زوجته التي
غمرتها الدموع أن تصبر و تحتسب ، قبل أن يقول : "أعانها الله
.. ابنها أسير و أحد أشقائها أسير منذ خمسة أعوام ، و شقيقها
الثالث استشهد بصواريخ الأباتشي" .
و أشار
إلى أن قوات الاحتلال تحتجز ابنه حالياً ، في سجن هداريم مع
باقي الأطفال الأسرى ، و السجن معزول عن العالم حيث لا زيارات
و لا اتصالات و كذلك المعاملة قاسية ، إضافة إلى أن قوات
الاحتلال تحتجز في السجن المعتقلين الصهاينة الجنائيين ، الذين
يقومون بالتحرّش و الاعتداء على أبنائنا . و تساءل : "بأيّ حق
تمنعنا قوات الاحتلال من زيارة ابننا ؟ هل أشكّل أنا الرجل
الكبير أو زوجتي خطراً عليهم ؟!! و حتى هؤلاء الأطفال ممنوعون"
. و تابع بصوت غاضب إنه حالياً يرفع قضية في حقوق الإنسان لكي
يتمكّن هو و عائلته من تكحيل عيونهم برؤية ابنهم ، و استطرد :
"نأمل أن يتم الإفراج عنه في تبادل الأسرى مع حزب الله"
.
|