الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة 

من قصص البطولة والفداء

 

في الذكرى السنوية الثانية لاستشهاده : لقاء خاص مع زوجة الشهيد القائد عوض سلمي

غزة – تقرير خاص :

يحقّ لها أن ترفع رأسها عالياً فخراً و اعتزازاً بما صنعه زوجها من بطولات و تضحيات ، رغم المعاناة و الاعتقال و التضييق و محاولات التشكيك ، فلو لم يكن للفخر فيه مآثر .. لكفاه قتله للكولونيل مئير مينز قائد القوات الخاصة في قطاع غزة عام  1993 انتقاماً لقائده الشهيد عماد عقل و بسلاحه ، و كانت نعم المعين لزوجها في جهاده و خلال فترة مطاردته التي استمرت عشر سنوات قضى منها أربع سنوات ظلماً و بهتاناً خلف أسوار القضبان الحديدية الفلسطينية ، فكانت كاتمة أسراره ، و أسباب القوة له بعد الله عز و جل .

و بالرغم من أنها تعرّضت خلال العشر سنوات لمعدة مضايقات من قبل الصهاينة و سلطة الحكم الذاتي في محاولة يائسة للضغط على أبي مجاهد لتسليم نفسه و وقف جهاده و إلقاء سلاحه الذي ورثه من أستاذه و قائده و معلمه الشهيد عماد عقل ، و لإجباره على الموافقة على اتفاقيات الذل و العار في أوسلو و مدريد و القاهرة و غيرها ، إلا أنها كانت كما عهدها أبو مجاهد – رحمه الله – نعم الزوجة المجاهدة و نعم الأم المربية و الحاضنة لأطفاله (إسلام - إسراء - مجاهد - إيمان - هند) .

و بعد مرور عامين على استشهاد القائد "أبو مجاهد" كان لا بد من تسليط الضوء على كاتمة أسراره من خلال هذا اللقاء الذي أجراه المركز الفلسطيني للإعلام مع زوجته "أم مجاهد" كشفت لنا من خلاله أسراراً جديدة تنشر لأول مرة عن القائد أبو مجاهد …

 

ما هي أهم الصفات التي تحلّى بها الشهيد أبو مجاهد ؟

- امتاز أبو مجاهد – رحمه الله – بالعديد من الصفات التي يشترك بها مع معظم البشر مثل الكرم و الاحترام و العطاء و المحبة للجميع ، إلا أنه تحلّى بأهم صفة للمجاهد و هي السرية و الكتمان حتى عليّ أنا ، و عدم حب الظهور ، و هذا سر نجاحه و توفيقه في كثير من مهامه الجهادية ، خاصةً في ظل انتفاضة الأقصى ، إضافة إلى شجاعته منقطعة النظير، و هذا ما لمسه الجميع عند قراءة مذكراته و عملياته ، إضافة إلى عدم خوفه من أي شيء مهما كان ، و إيمانه الكبير بالله .

 

كيف علمتِ أن أبا مجاهد أصبح مطلوباً لقوات الاحتلال الصهيوني ؟

- بعد أن تم اعتقال المجاهد القسامي الأسير إبراهيم الزرد عام 1993 أصبح أبو مجاهد لا ينام داخل المنزل و قام بتجهيز شباك يصل الممر فيه من منزلنا إلى مسجد صلاح الدين خوفاً من حضور الصهاينة لاعتقاله ، و هذا ما حدث بالفعل حيث حضرت قوات معزّزة من الصهاينة إلى المنزل و حاصرته و كان حينئذٍ داخل المنزل نائماً فأيقظته و خرج كلمح البصر من المنزل من خلال الشباك باتجاه المسجد و اقتحموا المنزل و فتّشوه بشكلٍ دقيق و عاثوا فيه فساداً بعد أن قلّبوا محتوياته رأساً على عقب ، و كان العديد منهم بزيّ مدني و الآخر عسكري ، و فتشوا جميع محتويات و ملابس عوض و صوّروا منزلنا بكافة محتوياته و أخبرونا أن على عوض تسليم نفسه خلال 24 ساعة ، و بعدما انسحبوا مباشرة جاء أبو مجاهد و استفسر عما حدث فأخبرناه بكلّ ما حدث ، عندها قال لي "من الآن سأبدأ طريقي و أنا مطارد لهم" . و عندما سألته لماذا ستطارد ماذا فعلت ؟ لماذا لا تسلّم نفسك لهم ؟ أجابني بقوله "لو سلمت نفسي للصهاينة فلن تروني طوال الحياة !! " ، و من هنا بدأت رحلة المطاردة لأبي مجاهد و التي استمرت ثماني سنوات .

 

هل كنتم ترون أبا مجاهد في بداية فترة المطاردة ، خاصةً قبل انسحاب الصهاينة من قطاع غزة ؟

- في الحقيقة شاهدنا عوض لأول مرة بعد مطاردته و كانت بعد أربع شهور من غيابه في أحد المنازل ، و بعدها كنا نراه كل شهرين أو ثلاثة بحسب ظروفه و وضعه الأمني ، و كان دائم الحديث معي عن الاستشهاد و الشهادة ، و كان يوصيني دائماً – في تلك الفترة - إذا رزقنا الله بغلام فلنسميه "مجاهداً" حتى يكون من بعده مجاهداً سائراً على نفس درب والده ، و كان يهيئ لنا الأجواء لما بعد استشهاده حتى لا نفاجأ بخبر الاستشهاد ، و قد كان الصهاينة يقتحمون منزلنا في اليوم الذي نرى فيه أبا مجاهد و هذا ما كان يضايق عوض كثيراً .

 

كيف تعامل عوض مع عودة سلطة الحكم الذاتي إلى قطاع غزة ؟ و هل اختلفت حياة المطاردة عليه ؟

- قد تتفاجأ لو قلت لك بأن أبا مجاهد في تلك الفترة بدأ مرحلة مطاردة جديدة له ، و بالرغم من ذلك كنا نراه ، حيث كان يغيب عنا طوال النهار و يأتي إلينا في الليل ، و يرفض رفضاً قاطعاً المبيت في البيت ، إلا أنه شعر بنوع يسير من الأمان حيث أخرج صوره التي التقطت له أثناء فترة الاحتلال ، إلا أن هذه الفترة سرعان ما انتهت عندما اقتحم أفراد من الأمن الفلسطيني منزلنا و فتشوه و صادروا ألبوم الصور الخاص بعوض و كميات من الذخيرة إضافة إلى درعين عسكريين احتفظ بهما منذ أيام الصهاينة ، و مزقوا ملابسه و سألوا عنه ، و طالبونا بتسليمه ، و عندما جاء عوض في اليوم التالي و علم بما حدث قال "إذا أتوا و رأيتهم فسأطلق النار عليهم" .

 

حدّثينا عن اعتقال أجهزة السلطة لأبي مجاهد ، و معاناته في سجونهم و تعذيبهم له ..

- اعتقل أبو مجاهد للمرة الأولى بعد حصاره في حي الشيخ رضوان برفقة الشهيد القسامي إبراهيم النفار "أبو خليل" في منزله و المجاهد القسامي "وائل نصار" ، و أفرج عنه مباشرة و حكم عليه غيابياً لمدة خمس سنوات ، و قال له مدير المخابرات الفلسطينية حينها "أنت يا عوض مثل ابني و لن أسمح لأحد أن يمسّك بسوء" ، و كانوا يحتجزونه نهاراً في السجن ، و يفرجون عنه في الليل بدون توجيه أي سؤال له في البداية ، و بعد عامٍ تقريباً كانت المخابرات تراقبه و حاولت تزويده بجهاز "ميرس" إلا أن عوض رفضه مثلما رفض العمل مع أي جهاز أمني ، و بعد الضربة الأمنية التي تعرّضت لها الحركة في شهر مارس عام 1996 لم يظهر عوض على الإطلاق و اختفى ، و في يوم 12/4/1996 حضر فجأةً إلى المنزل و طلب مني تناول طعام العشاء بعد أن أحضر معه سمكاً ، و ما إن انتهى من كلامه إذا بقوات معززة من جهاز الأمن الوقائي تطرق باب منزلنا فجنّ جنونه و قال : "في اللحظة التي آتي بها إلى منزلي تأتي السلطة لاعتقالي" ، و أخذ أفراد الوقائي يطالبونني بفتح باب المنزل و يقولون لي نريد عوض فردّدت عليهم كيف أفتح لكم منزلي و أنا وحدي ، و عوض غير موجود ، فردّ عليّ أحد الضباط "نحن متأكدون أن عوض داخل البيت" .

عندها أخذ عوض بالاتصال بأمين الهندي و أخبره بما يحدث ، فردّ عليه الهندي "لا تفتح لهم الباب .. أنا قادم" ، و كان حينها الوقائي يطرق باب منزلنا بكلّ قوة و يقولون "لا وقت لدينا ، معنا قرار من الرئيس عرفات بإحضارك يا عوض سلمي حياً أو ميتاً !! " ، فرد عليهم أبو مجاهد "إذا حاولتم اقتحام المنزل فسأطلق عليكم النار عشوائياً" ، فردّ عليّ أحد أفراد الوقائي "من مصلحتك أنت و زوجك أن تفتحي باب الشقة !! " ، و واصل عوض الاتصال بأمين الهندي ، الذي قال له افتح لهم الباب يا عوض فأنا أرسلت مندوباً عني ، و ما إن فتح الباب حتى انتشروا كالجراد داخل البيت ، و اعتقلوا عوض ، حينها قال لي زوجي أبو مجاهد "لا تقلقي سأقضي الليلة عندهم و سأعود في الصباح الباكر كما وعدوني" .

و في اليوم التالي اتصلت على جهاز المخابرات لأستفسر عن حال زوجي ، فقالوا لي أنه غير موجود لديهم ، فقلت لهم كيف ذلك و أنتم اعتقلتموه ؟؟ ، فردّ عليّ أحد أفراد المخابرات "سأخبرك بالحقيقة المرة ، و أرجو ألا تخبري أحداً أنني أخبرتك ، لقد تم تسليم عوض يداً بيد من أمين الهندي إلى جهاز الأمن الوقائي ، فقلت له هل هذا الوعد و العهد الذي أعطيتموه لعوض ؟ ، فقال لي "هؤلاء ليس عندهم وعود" .

و استمر عوض داخل السجون الفلسطينية لمدة أربع سنوات لاقى خلالها صنوفاً و ألواناً مختلفة من العذاب مثل الشبح ، حيث كانت ترفع قدماه لأعلى و يداه لأسفل ، و هذا ما أكده و شهد به أحد زملائه في المعتقل الذي كان يسمع أنينه في زنازين "تل الهوى" ، و عندما زرناه لأول مرة وجدت أمه يديه مصبوغتان باللون الأزرق ، فعندما سألته ما السبب؟؟، قال لها لا شيء ، فهو – رحمه الله – لم يكن يرغب أن نعلم ماذا يحدث له من عذاب و آلام .. و عندما كنا نسأله بعد خروجه عن التعذيب الذي لاقاه ، كان يرفض إخبارنا و يقول "حسبنا الله و نعم الوكيل" و "ربنا على الظلمة ، سيأتي يومهم" ، إلا أنه أخبرني ذات مرة بصورة غير مباشرة عن لون من ألوان العذاب الذي تعرّض له ، فبعد الإفراج عنه ذهبت برفقته لأحد الأطباء من أجل علاج ابنتنا الصغيرة "هند" و أوصى الطبيب بأن تعطى إبرة طبية ، و ما إن بدأ الطبيب بإعطاء هند الإبرة ، إذا بأبي مجاهد يتألم ، و هو يقول "ما أصعب الإبر ، و أعلم يا هند كم تتألمي منها يا ابنتي، فأنا أيضاً أكرهها" ، فاستغربت من كلامه و سألته "هل تعرّضت للضرب بالإبر يا عوض ؟" ، فردّ علي "لو تعلمي ماذا حصل لي منها !! " .

و من شدة العذاب الذي لاقاه مكث أبو مجاهد داخل مستشفى بني سهيلا العسكري 40 يوماً و هو في حالة غيبوبة تامة من شدة العذاب ، و عندما كان يأتي وفد الصليب الأحمر لزيارتهم كانوا يسكبون عليه الماء المغلي ، يليه الماء المثلج ، و بعدها أصيب "أبو مجاهد" بمرض البواسير و كان يتبوّل دماً ، و أصيب حينها بانهيار عصبي و مرض الكلى … و من أنواع العذاب الذي لاقاه عوض في زنازين تل الهوى وضع الحديد في مقعديته !!! ، و بالرغم من ذلك كان دائماً يردد "الله المستعان" .

 

إذاً كيف تمكّن أبو مجاهد من الهرب من سجن تل الهوى ؟ و كيف تم إلقاء القبض عليه ؟ و كيف كان ردة فعل الوقائي على ما حدث ؟

- قبل هروبه بأيام زرناه في السجن ، و طلب مني مبلغ 300 شيكل و حذاءاً رياضياً ، بعد أن سلّمني رسالة لأحد الاخوة، و في صباح يوم 21/7/1996 و عند الساعة الخامسة و النصف صباحاً ، إذا بقوات معززة من الأمن الوقائي حضرت إلى منزلنا برفقة عمي "والد عوض" فسألت عمّي ماذا حدث ، هل خرج عوض من السجن ؟ ، فلم يردّ عليّ في حين دخل الوقائي إلى داخل المنزل و فتشوا محتوياته بعد أن قلبوه رأساً على عقب ، و كانوا قد اعتقلوا والدي و أخوتي و أخوة عوض جميعاً إضافة إلى عمّى ، و عندما سألتهم ما الذي حدث ؟ بعد أن رفضت الخروج معهم لوحدي ، قال لي أحدهم "لدينا أمر باعتقالك ، و إذا لم تخرجي سأحضر لك مجنّدة لتخرجك بالقوة ، إلا أنني لم أخرج إلا بعد أن جاءت زوجة عمي "أم عوض" ، و عندما قلت لهم أين سأضع أبنائي "إسلام و إسراء و مجاهد الذي كان عمره حينها ما يقارب سنة"رد علي (مش مشكلتنا) !!! .

و عندما نزلت معهم أراد أن يضعني داخل الجيب العسكري ، فقلت له "هل ترضى لأمك أو أختك أو زوجتك هذا الموقف؟، فرد عليّ باستهزاء "أحضروا لها سيارة خصوصي !! " ، و ذهبنا جميعاً في السيارة إلى مركز الشرطة في حي الشجاعية ، فوجدت أبي و أخوتي و عمي و أبناءه .. و أخذوني إلى غرفة أحد الضباط و سألني "ماذا أخذت لعوض في آخر زيارة" .. قلت له (لا شيء) ، و قال لي (و ما هي الرسالة التي أعطاك إياها ؟؟) ، فأنكرت ذلك ، فرد عليّ : (آخر ما نقوله لك عوض هرب من سجن الأمن الوقائي) ، قلت له (لا أصدق ذلك كيف حدث ؟) ، قال لي (هرب بمساعدة أحد العملاء الذي أعطاه عوض مبلغ 300 شيكل ، و نريد منك أن تخبرينا عن الأماكن المتوقّع وجوده فيها) ، فقلت له : (عوض .. الله يسهّل عليه ، و أنا لا أعلم أين هو الآن !" ، فقال لي (هل أنت موافقة على هروبه ، ألا تعلمين أننا كنا نجبر العملاء على غسل قدميه في السجن ، و كلهم كانوا تحت أوامره) ، و هذا غير صحيح لأننا عندما زرناه لأول مرة بعد اعتقاله ، ابنتي إسلام لم تعرف والدها من شدة التعذيب الذي تلقاه .

و قد أخبرني عوض بعد الإفراج عنه بتفاصيل هروبه حيث قال لي "هربت من السجن عند الساعة الخامسة إلا الربع ، بمساعدة أحد العملاء الذي أعطيته مبلغ 300 شيكل ، و حذاء رياضياً ، و اختبأت داخل أحد المنازل و مكثت بداخله فترة وجيزة ثم انتقلت إلى مكان قرب مقر القوة (17)" ، و ظلّ مختبئاً في مكانٍ ضيق لا تتجاوز مساحته متراً و نصفاً في داخل شجر البوص ، لمدة 48 ساعة متتالية ، و كانت الحواجز منتشرة في كافة مناطق القطاع للبحث عنه ، و كان يتيمّم و يؤدّي الصلاة و هو على هذه الهيئة .

بعدها انتقل إلى منزل قرب مسجد اليرموك بمدينة غزة ، و فجأة حضرت قوات من الأمن الوقائي لاعتقال أحد المجاهدين من منزل مجاور للذي يمكث بداخله عوض ، فاعتقد أنهم قادمون لاعتقاله ، فبادر بإطلاق النار عليهم ، فعرفوه و استدعوا قوات معززة و حاصروه حتى فرغت ذخيرته ، و تم اعتقاله ، و كانت التهمة الموجهة إليه (تنفيذ عمليات ضد الصهاينة !!) .

و جاءوا إلى والده و قالوا له (يا حاج لدينا لك أحلى بشارة ، لقد اعتقلنا عوض) ، فرد عليهم (هذا أسوأ يوم في حياتي ، أما أنا لم أصدق ذلك) ، و خرجت إلى مكان الحادث لأرى ماذا حدث فلم أجد شيئاً .

و عندما ذهبنا لزيارته بعد إلقاء القبض عليه كان الجنود يقولون لنا : "أنتم أهل عوض سلمي ، هل لكم عين لزيارته ؟!!!" ، و كانوا يقولون "كيف يهرب مطارد للقسام مثل عوض سلمي من سجن تل الهوى ؟" .

بعدها نقل أبو مجاهد إلى سجن غزة المركزي "السرايا" برفقة إخوانه المجاهدين ، و تحسنت المعاملة معهم بصورة كبيرة ، مما ساهم في رفع معنويات الشباب المعتقلين ، و زرناه أكثر من مرة ، و فجأة أخبرونا أن عوض غير موجود في السرايا فاستغربنا ذلك و قلنا أين هو ؟ فرفضوا إخبارنا ، إلى أن جاء أحد الجنود و قال لنا "سأخبركم الحقيقة ، عوض متهم بتهريب اثنين من المعتقلين ، و تم نقله إلى الجوازات" .

و عندما ذهبنا إلى الجوازات للسؤال عنه أنكروا وجوده أو معرفتهم بهذا الاسم ، إلى أن جاء أحد الجنود بزي مدني و قال لعمي "والد عوض .. إن عوض داخل الزنازين و ممنوع من الزيارة" .

و بعد شهر من اعتقاله سمح لنا اللواء غازي الجبالي بزيارة عوض ، حيث وجدنا الجنود في حالة استنفار و البنادق مصوّبة تجاهنا ، و أحد الجنود فوق قبة عسكرية في وضع قناص علينا ، و عندما رأينا عوض كانت المفاجأة "وجدنا عوض حليق الشعر و الذقن و الشارب" فلم نعرفه نحن ، لدرجة أن ابني مجاهد أخذ يصرخ من شدة الخوف و يقول (أين أبي ؟؟؟) ، و عندما سألته أمه (ما هذا يا عوض ؟) أجابها هذه هدية عيد استقلال دولتنا الفلسطينية لعوض سلمي!!!!) .

و بعدها نقل للسرايا ، و اتهموه أنه يحاول تهريب اثنين من السجناء ، فتم تحويله إلى تل الهوى مرةً أخرى ، و لاقى صنوف العذاب المختلفة قبل أن يتم إعادته إلى السرايا . في تلك الفترة كانت السلطة تسمح للمعتقلين بالزيارات البيتية ، ما عدا عوض كان مرفوض قطعياً ، مما ساهم في التأثير على نفسيته ، و عندما استفسرنا عن السبب قالوا لنا في تل الهوى "لو أن والده مات فلن نسمح له بتشييعه و المشاركة في عزائه" .

و شاءت الأقدار أن يتوفى عمّ عوض ، فذهبت أنا و خالته من أجل تسليم الوقائي كتاباً يسمحوا له بالمشاركة في عزاء عمه ، و بعد معاناة سمحوا له بالخروج عند الساعة الثانية و النصف منتصف الليل ، و خرج عوض لأول مرة بعد مكوثه داخل السجن ثلاث سنوات ، ثم سلّم نفسه بعد أن وعدوه بأن يفرجوا عنه كلّ أسبوع يوماً واحداً فقط ، دون أن يعلم أحد بخروجه ، و بعدها لم يفرجوا عنه لمدة 6 أشهر ، مما أثّر على نفسيته .

 

كيف تم الإفراج عن أبي مجاهد من سجون السلطة ؟

- بتاريخ 13/6/2000 و بعد ذهابنا إلى المحامي إبراهيم الصوراني ، الذي كان يتساءل ما هي تهمة عوض ليتم اعتقاله ، ليس له قضية كي يحاكم ، و عقدت محاكمة لعوض ، و حضر أحد ضباط الأمن الوقائي و أخذ يستعرض التهم الموجهة لعوض من أنه قتل المدعو عامر صلاح ، و أنه أحد أعضاء القسام ، و يحاول تهريب السلاح ، و غيرها ، فلم أتحمّل ذلك و قلت له "ما الذي فعله عوض لكم ؟" ، فقال لي (أنت لا تعلمي ماذا فعل زوجك لنا في السلطة .. و هل تريدين أن نفرج عنه ؟) ، فقلت له "لماذا لا تفرجوا عنه بعد هذه السنين الأربع من السجن و العذاب ، أليس من حقّ أبنائه أن يروه" ، عندها حضر القاضي و نطق بالحكم "الإفراج عن المواطن عوض صالح سلمي فوراً و بدون تأخير"، فردّ علي ضابط الوقائي "و ماذا يعني ؟؟ ، نحن أصحاب قرار الإفراج عنه" !!! . و بعد حوار طويل و معاناة وافق سمير المشهراوي على الإفراج عن عوض بعد أن كفله أحد أصدقائه .

 

حدّثينا عن علاقة القائد عوض بابنه مجاهد ؟

- عندما ولد مجاهد جاء عوض و هو مطارد لرؤية ابنه ، و تصوّر معه و هو يضع سلاحه آنذاك "الجاليلو" على صدر مجاهد و كان يخاطبه "أريدك أن تكون شجاعاً ، لا تخشَ أحداً ، و أريدك أن تحمل السلاح منذ صغرك ، و تكون بدلاً مني بعدما أستشهد و تكمل المشوار بعدي و تكون بمثابة خليفة والدك في الجهاد" .

و بعد أن خرج عوض من السجن أخذ يعلّم مجاهد على السلاح و علّمه فكّ و تركيب المسدس .. حتى أن مجاهداً حفظ أجزاء المسدس ، و علّمه على الصلاة ، و كان يأخذه معه على بعض الأماكن الخاصة عدا الخاصة منها بتنفيذ العمليات العسكرية ، لدرجة أن مجاهداً لا يزال إلى الآن و بعد مرور عامين على استشهاد والده يتذكّر تلك الأماكن التي ذهب إليها برفقة والده ، و من شدة تعلّقه بوالده فإنه يطلب مني دائماً أن آخذه لزيارة قبر والده لأنه اشتاق إليه .