الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة 

من قصص البطولة والفداء

 

حين يغيب الأب خلف القضبان .. و يسقط الابن شهيداً على ثرى جنين .. نتذكر الشيخ عبد الرحمن

جنين – خاص :

ليس للتضحية حدود .. كما  أن روح الجهاد إن تأصلت في النفوس لن يحجب عن العمل بها كبر سن أو فاقة ، فالنفوس التي تجبل على العطاء يبقى البذل سمتها حتى الرمق الأخير ، و كم من شخص يسير الحال يجهله الناس إن مرّوا من حوله أن له من عظيم الفعال ما تفخر به النفوس و تعتز به سجّلات المجد .. و كم تنجلّى المقاومة عن روائع حين يكون الأب و الابن معاً على درب الفداء ... فذاك ينمّ عن أصالة في التنشئة و وعي في التربية ، حين ينشئ الأب ابنه على حبّ التضحية و البذل في سبيل المبادئ التي يحملها دون أن يأبه بما سيلحق به من أذى في سبيل ذلك .. و أما رزق العيال فهو من خصائص الرب المتعال ... تلك حال المعتقل القسّامي الشيخ الخمسيني عبد الرحمن حسن عبد الفتاح صلاح و ابنه الشهيد الحمساوي المنشأ محمد عبد الرحمن صلاح ذو الـ 18 ربيعاً ..

 

ولد أبو محمد عام 1954 في قرية كفرذان غربي جنين ، و قد عرف عنه منذ صغره تديّنه ، إذ كان ذو لحية كثيفة و مميزة ، و قد تعرّض للسجن في وقتٍ مبكر حيث قاده سجنه آنذاك إلى التعرّف على أحد عمالقة المقاومة في فلسطين الشيخ الشهيد نصر خالد جرار "أبو صهيب" لتكون لهما أيام تذكّر في ساح الوغى ... عُرِف الشيخ عبد الرحمن بائعًا متجولاً للقهوة في شوارع جنين و ذلك منذ منتصف السبعينات حين تزوّج من أم محمد التي تنحدر من قرية أم التوت المجاورة لجنين ، إلا أن للقهوة عند أبي محمد نكهة أخرى يعرفها أهل جنين بها حين امتزجت فناجين القهوة في "حرجايته" التي يلفّ بها وسطه مع الحجارة التي تلقى على جنود العدو في الانتفاضة الأولى ، فقد كان رجلاً ذو همة عالية ، و رغم أن ضرب الحجارة كان مستغرباً على رجل في مثل سنه ، فهي لصغار السن من الشباب ، إلا أن حميّته كانت تدفعه في ظلّ شحّ السلاح آنذاك و الحديث عن أواخر الثمانينات من القرن الماضي إلى أن يخبّئ الحجارة و الزجاجات الفارغة بين فناجين القهوة و يسير في شارع أبو بكر وسط المدينة ، و عندما يبدأ الشبان برشق الحجارة يقترب من الجيب و يلقي عليه حجارته ثم يخرج فناجينه و يبدأ ينادي على قهوته و يمرّ من عند الجنود الذين رجمهم ضاحكاً دون أن يشعر به أحد منهم .. إلا أنه وقع بين أيديهم أكثر من مرة  سيما بمحاذاة عمارة فؤاد حيث أوسعوه ضرباً و تنكيلاً و تم كسر رجله و تهشيم "عدة عمله" ، و دخل و خرج ، فخرج و دخل إلى غياهب السجون مرات و مرات ما بين توقيف مؤقت إلى اعتقال إداري دون أن يفتّ ذلك من عزيمته شيئاً .. إذ لم يمنعه صراخ صغاره عن حبّ المقاومة بجميع أشكالها المتاحة ، و قد تمكّن من نيل شهادة الثانوية العامة خلال سجنه في تلك الأيام ، أما على صعيد الأولاد فقد رزق بسبعة أبناء ، اثنان من البنين و خمسة من البنات .

 

في رحاب كتائب القسام :

 

و مع انطلاق شرارة انتفاضة الأقصى عام 2000 لم يكن بدّ لكلّ ذي همة من الانخراط في صفوفها ، حيث تنادى الرجال إلى الرجال ، و علت أصوات البنادق على أنغام الاستسلام ، و أصبحت الكلمة الأولى للحزام ، في تلك الفترة كان القسّامي الأول الشيخ نصر جرار يعيد بناء مجموعات كتائب القسام في منطقة جنين بعد سنوات أوسلو العجاف و التي تعرّضت المقاومة فيها إلى ضربات قاسية ، و لم يكن للشيخ أن ينسى همة الشيخ عبد الرحمن و هو يمرّ عليه بائعاً القهوة  كلّ صباح أثناء توجّهه إلى عمله في لجنة أموال الزكاة في وسط المدينة ، لتبدأ بعد ذلك لذة المقاومة في كتائب القسام .

 

لم يخطر ببال أحد أن يكون بائع القهوة الذي قارب على الخمسين من عمره جندياً في صفوف القسام حتى من قبل أبناء حماس أنفسهم ، و رغم أن عمله الرئيس في الكتائب تركّز في نقل استشهاديين و تسهيل مهماتهم ، و إيصال مواد متفجّرة من مكان إلى آخر إلا أنه كان دائم الإلحاح على الشيخ نصر بأن يكون استشهادياً ، فنزل الجميع عند رغبته إلا أن الله لم يكتب له ذلك ...فقد تمّ تجهيزه بحزام ناسف زنته 20 كلغ من المواد شديدة الانفجار و انطلق إلى منطقة نزلة عيسى حيث حاول التسلّل إلى داخل فلسطين المحتلة عام 1948 من أجل تنفيذ عملية مزدوجة كانت مقرّرة في ذلك اليوم في نتانيا ، إلا أنه حين شاهد التعزيزات العسكرية على طول ما يسمى الخط الأخضر أيقن باستحالة العبور فعاد أدراجه إلى جنين و الألم يعتصر قلبه بعد أن ودّع جنين بنية الشهادة ..

 

مغيبٌ خلف القضبان :

 

بعد هذه الحادثة استمر عمل أبي محمد في صفوف القسام إلى أن كانت ليلة الاعتقال بتاريخ 25/6/2002 ، مئات الجنود يقتحمون المنزل .. لا أحد سوى كومة صغار يجتمعون حول أمهم و قد أرهبهم همجية جيش العدو ، و لما لم يجدوا فريستهم انهمكوا في تفتيش بيوت الجيران وسط سؤال عنه في كلّ مكان قادهم إلى بيوت إخوته في وادي عز الدين و من ثم إلى بيت صهره في أم التوت ليعتقل فجراً برفقة ابنه الذي أطلق سراحه لاحقاً .

تعرّض  أبو محمد إلى تحقيق عسكري قاسٍ استمر نحو شهرين ، و تنقّل بين معتقلات سالم و الجلمة و شطة ليستقر به المقام في عزل الرملة ، و خلال مكوثه في الرملة شارك في استنفار كبير قام به الأسرى ضد إدارة السجن من أجل تحسين ظروف معيشتهم و قد كسرت ساقه خلال الصدامات و تم علاجه في مشفى السجن ، و أخباره منقطعة عن ذويه منذ اعتقاله ، و قبل نحو شهرين حكمت عليه المحكمة العسكرية في سالم بالسجن 25 عاماً ليدخل في خلوة طويلة مع ربّه بعد أن أدّى واجبه في الدفاع عن ثرى الوطن .

و لكن لما ينتهِ مشوار التضحية بعد ..

 

قناديل الشهادة :

 

لم يكن محمد ذو الـ 18 ربيعاً ، الابن البكر للشيخ عبد الرحمن أقلّ حمية من والده ، إذ ما إن يسمع بأصوات آليات العدو و هي تدنّس أرض جنين حتى يخرج ليشارك الشبان في رجم الجنود بما تيسّر لديهم من الحجارة ، و في يومٍ و أثناء توجّهه صباحاً إلى عمله في بلدية جنين راكباً دراجته الهوائية دخلت الدبابات المدينة في عملية اجتياح استهدفت اعتقال أحد المطلوبين ، و لما شاهد الآليات وسط المدينة ترك دراجته الهوائية ، و نزل ليطفئ ظمأه في رمضان بإلقاء الحجارة على جنود العدو تماماً كما كان يفعل والده في الانتفاضة الأولى ، و يذكر بعض من كانوا حوله أنه عمل على تسلّق الدبابة من أجل خلع الرشاش من على ظهرها فعاجله أحد الجنود برصاصة في قدمه ، و لنحو ثلث ساعة بقيَ محمد ينزف و هو طريح الأرض و الجنود من حوله يمنعون طواقم الإسعاف من الاقتراب منه و هو يستغيث و يصرخ ليذيقوه ويلات الموت البطيء ، و لم يكتفوا بذلك إذ عالجوه برصاصتين أخريين في صدره أجهزتا عليه ، ليوارى الثرى شهيداً في مقبرة الشهداء في جنين .

 

و هكذا فقدت مساجد جنين أحد روّادها الذي تربّى في ظلال القران و على موائد حماس الإيمانية ، فترة قصيرة فصلت بينه و بين استشهاد زميله الشهيد إبراهيم أبو الرُّب أحد فرسان حماس في الحارة الشرقية من جنين ليلتقيا معاً في جنات خلد بإذن الله .

 

رحل محمد و لكن لا أحد يعلم حال أبي محمد الشيخ عبد الرحمن في سجنه بعد هذه الحادثة ، بل لا أحد يعلم إن كان خبر الاستشهاد قد وصل إلى مسامعه أم لا ، فالشيخ يقبع في عزل الرملة حيث لا وسيلة تواصل معه منذ أن صدر الحكم بحقّه ، و يأمل الأهل و الأقارب أن تكون صحيفة القدس في متناول يده في عزل الرملة كما في باقي المعتقلات لأنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن يعلم بها نبأ استشهاد ابنه البكر ، و ما أصعبها من لحظات حين يعلم الأب نبأ استشهاد ابنه بهذه الطريقة إن علِم ، و الأصعب ألا يعلم سيما و أن محمد هو المعيل الوحيد لأسرته بعد اعتقال والده .

 

و برحيله لم يبقَ لأم محمد سوى أن تكمِل المشوار بحمل أكبر برفقة ابنها ذو الـ 13 ربيعاً و أخوته الخمسة ، و تلك ضريبة المقاومة في كلّ زمان .