الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

في ذكرى رحيلك يا صلاح الدين ..

 

(في ذكرى رحيل الشهيد صلاح الدين دروزة)

 

لا أذكر أحداً عرفك و لم يحبك .. و هل نمنّن عليك بحبنا لك ؟ و لست أقف اليوم لأكتب رثاء في ذكراك فهذا أمر بيني و بينك ، و لكني نظرت فرأيت أن من حق الأجيال و الناشئة فضلاً عن الدعاة و المجاهدين أن يتعرّفوا على جانب من شخصية المجاهد "أبو النور" و تأملت فخلصت إلى أنه من واجبي أن أكتب بضع كلمات في هذا المجال و ذلك بناء على سنوات طوال قضيناها معاً في ميدان الدعوة و الجهاد .

 

لم يكن القائد أبو النور رجلاً خارقاً للعادة و لم تكن صلواته و عبادته تفوق ما يقوم به الناس ، لكنه امتاز بمواصفات و قناعات جعلت منه رجلاً مؤثراً و عنصراً فعالاً يصنع الحدث و يمهّد للتغيير نحو الأفضل ، و هذه الملامح الشخصية التي أود ذكرها و التي عرفتها و عايشتها مع أخي صلاح قد تبدو للوهلة الأولى صفات عادية و هي كذلك في عالم الأقوال و الأفكار .

 

لكن هذه الملامح حين يحضرها صاحبها في وجدانه فتتمكّن من نفسه و هو عندما يسقطها في حياته فيصبح هو و إياها توأمان حينها فقط تصنع هذه الصفات "التغيير" و تتحوّل تلك الملامح الشخصية إلى قوة دافعة و ثورة عارمة تصنع المعجزات .. و كذلك كان صلاح الدين .

 

و ها هو الرجل قد مضى إلى ربه و بقي وراءه الأثر .. و لقد آمن صلاح الدين بدينه و دعوته و أحب حماس و عمل لتنجح منذ الأيام الأولى لانطلاقتها و بقي وفياً لها حتى لقي الله شهيداً .. و لم يأنف من المشاركة في مختلف الفعاليات .. ضرب الحجارة و وزّع المنشورات و وضع المتاريس و نظّم المسيرات و المظاهرات و كان على رأسها و تلك كانت إحدى سماته الطيبة .

 

كان قائداً يعمل بيده ، و كان عضواً أساسياً في لجنة الطوارئ المشرفة على نشاطات حماس في الانتفاضة الأولى و كانت إحدى مهامه طباعة و توزيع بيان حماس الدوري ، و أذكر أنه حين كانت قوات الاحتلال تفرض حظر التجول على نابلس أياماً متواصلة و ترفع الحظر ساعة أو ساعتين كان الناس يهرولون إلى الأسواق لشراء مستلزماتهم المعيشية الضرورية ، لكن صلاح خلال تلك الساعة كان يطبع و يوزّع البيان مما يذهل الاحتلال و يحظى بإعجاب سكان المدينة الذين يتعجّبون من قدرة حماس على العمل في أصعب الظروف .

 

و نتيجة لنشاطه الواسع ، اعتقل صلاح أكثر من مرة كما أنه كان ضمن إخوانه المبعدين إلى مرج الزهور .. و في السجن أو في الإبعاد كان صلاح يخدم إخوانه و يتحرّك و لا يقف أبداً موقف المتفرج على الأحداث بحجة أن هناك من يقوم بحمل العبء بل كان دوماً مبادراً معطاءاً و في كل الميادين .

 

و لم يقتنع صلاح بالاكتفاء بعمله السياسي و الجماهيري و التثقيفي على أهمية هذه المجالات و فضل العاملين فيها في تأجيج الصراع و المقاومة ، لكن طموح أبي النور و نظرته للاحتلال المليئة بالكره ، و إيمانه الراسخ بأن الاحتلال المريع هو خطيئة يتحمّل مسؤوليتها أولئك القابعين تحت الاحتلال .. لذلك فقد توجّه إلى ميدان العمل الجهادي و بشكل مباشر و كانت له مشاركات أكثر من مرة ، و من أهمها و أشهرها دوره الداعم في إيواء و مساعدة الخلية المجاهدة التي قامت باختطاف الجندي الصهيوني "نحشون فاكسمان" و كانت تلك العملية إحدى أكثر العمليات إيلاماً و التي قامت بها كتائب القسام و عملت على زعزعة حكومة الاحتلال و إضعاف معنويات جنوده و دفع سنوات أخرى من عمره في سجون الاحتلال نتيجة لهذا النشاط المقاوم .

 

أما تألق صلاح و أكثر أيامه عطاء و تضحية فكانت خلال انتفاضة الأقصى فقد برز كقائد جماهيري و شعبي ينظّم و يجمع و يقود ، و قد تمتع بعلاقات واسعة و مميزة ليس في أوساط حماس فحسب ، بل تجاوز ذلك ليشمل كل الشرائح و الفصائل الفلسطينية في المنطقة .

 

أما همّ صلاح الذي كان يظهر على ملامحه و يحرق قلبه فهو قافلة الشهداء التي كانت تتوالى في كل يومٍ و دموع أمهاتهم تلهب الأكباد و عيون أطفالهم البريئة تسأل : لماذا يقتل آباؤنا ؟ و لا أحد يردّ لنا الكرامة .. ألا يوجد حرّ أبيّ يشفي صدورنا . كل هذا يضاف إلى إيمان عميق في نفس صلاح دفعه للبحث مرة أخرى عن أولئك الأحرار الذين يأبون الذلة حتى وجد ضالته في فئة مجاهدة تتحفّز للعمل و التضحية لكن يعوزها الدليل على الدرب فكان صلاح الدين لها .. لم يجبن و لم يبخل أو يتردّد ، فكان له دور أساسي في إعادة إحياء العمل الجهادي المقاوم في المنطقة ، و كان هو و بعض إخوانه حماة و دعاة لهذا الجهد المبارك حتى نضج العمل و تفجّرت الطاقات المكبوتة و تفرّعت الشجرة أغصاناً "أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" ... لقد كانت كتائب القسام في منطقة نابلس و بحق رائدة العمل الجهادي في السنوات الأخيرة و أذت الاحتلال و أقضت مضجعه ، فراح يتخبّط في تصرفاته .. يقصف و يغتال خيرة شباب حماس حقداً و قهراً لما أصابه ، و كان أبو النور من أوائل القادة الذين استهدفتهم قوات الاحتلال ، لقد كان ذلك اليوم الذي اغتيل فيه صلاح من أكثر الأيام قسوة في حياتنا ، فقد كنت معه في منتصف الليلة السابقة لحادثة الاغتيال و عمدت إلى إقناعه بضرورة تغيير سيارته التي أصبحت معروفة للجميع و يسهل مراقبتها بحيث تكون هدفاً سهلاً في كل الأوقات ، و بعد أخذٍ و ردّ استجاب لطلبي و اتفقنا على تغييرها ، لكن الله أراد أمراً آخر  ، فبعد ساعات قلائل من آخر حديث بيننا كان أبو النور على موعد مع ربه ، فأطلقت طائرات الاحتلال المجرمة عدة صواريخ على سيارته حوّلتها إلى رماد .

 

نعم ، أصابوا جسده ، لكن روحه كانت أقوى منهم جميعاً ، و عندما سمعت صوت الصواريخ ركضت مسرعاً باتجاه الهدف لأرى بقايا سيارته .. و قد كانت تلك لحظة الوداع الأخيرة لأخ احتل في نفسي و وجداني مكاناً مميزاً .. و ظن العدو أنه بذلك طوى صفحة الجهاد الأخيرة في حياة صلاح ، و ما دروا أنهم قد صبّوا الزيت على النار ، فصار إخوانه و محبّوه أكثر إقداماً و أشد عوداً .

 

فكانت شهادته كما كانت حياته ، عامل تغيير نحو الأفضل ، و تحوّلت دماؤه إلى وقود يلهب أوار المعركة و صار حديث الناس كلهم .. هنا كان يخطب صلاح .. و هنا كان يتقدّم المسيرات ، و هناك كانت له بصمات ، و في جنازة كلّ شهيد كان صلاح دوماً في المقدمة .. لكن اليوم هو في الأعلى و فوق الأكتاف .. و هو جدير بأن يعلو و يرتفع ، و ما زلت أذكر صورة ابنه "نور الدين" يرفع السلاح في جنازة أبيه و يقسم على مواصلة دربه حتى يتحقّق وعد الله .

 

و في أثناء وجودي في التحقيق بعد استشهاده بعدة أشهر ، ازداد حبي له لما رأيت من حقد المحتلين عليه ، و راحت الكلمات تتسرّب منهم بأن صلاح قد أوقع بهم من الأذى أضعاف ما كان من جيوش و قادة في دول أخرى .

رحمك الله يا صلاح الدين .... و إلى لقاء في مقام صدق عند مليك مقتدر

 

أخوك الذي لن ينساك ما دام الإسلام في قلبه

سجن عسقلان