|
في ذكرى رحيلك يا صلاح الدين ..
(في ذكرى رحيل الشهيد صلاح الدين دروزة)
لا أذكر أحداً
عرفك و لم يحبك .. و هل نمنّن عليك بحبنا لك ؟ و لست أقف اليوم
لأكتب رثاء في ذكراك فهذا أمر بيني و بينك ، و لكني نظرت فرأيت أن
من حق الأجيال و الناشئة فضلاً عن الدعاة و المجاهدين أن يتعرّفوا
على جانب من شخصية المجاهد "أبو النور" و تأملت فخلصت إلى أنه من
واجبي أن أكتب بضع كلمات في هذا المجال و ذلك بناء على سنوات طوال
قضيناها معاً في ميدان الدعوة و الجهاد .
لم يكن القائد
أبو النور رجلاً خارقاً للعادة و لم تكن صلواته و عبادته تفوق ما
يقوم به الناس ، لكنه امتاز بمواصفات و قناعات جعلت منه رجلاً
مؤثراً و عنصراً فعالاً يصنع الحدث و يمهّد للتغيير نحو الأفضل ، و
هذه الملامح الشخصية التي أود ذكرها و التي عرفتها و عايشتها مع
أخي صلاح قد تبدو للوهلة الأولى صفات عادية و هي كذلك في عالم
الأقوال و الأفكار .
لكن هذه
الملامح حين يحضرها صاحبها في وجدانه فتتمكّن من نفسه و هو عندما
يسقطها في حياته فيصبح هو و إياها توأمان حينها فقط تصنع هذه
الصفات "التغيير" و تتحوّل تلك الملامح الشخصية إلى قوة دافعة و
ثورة عارمة تصنع المعجزات .. و كذلك كان صلاح الدين .
و ها هو الرجل
قد مضى إلى ربه و بقي وراءه الأثر .. و لقد آمن صلاح الدين بدينه و
دعوته و أحب حماس و عمل لتنجح منذ الأيام الأولى لانطلاقتها و بقي
وفياً لها حتى لقي الله شهيداً .. و لم يأنف من المشاركة في مختلف
الفعاليات .. ضرب الحجارة و وزّع المنشورات و وضع المتاريس و نظّم
المسيرات و المظاهرات و كان على رأسها و تلك كانت إحدى سماته
الطيبة .
كان قائداً
يعمل بيده ، و كان عضواً أساسياً في لجنة الطوارئ المشرفة على
نشاطات حماس في الانتفاضة الأولى و كانت إحدى مهامه طباعة و توزيع
بيان حماس الدوري ، و أذكر أنه حين كانت قوات الاحتلال تفرض حظر
التجول على نابلس أياماً متواصلة و ترفع الحظر ساعة أو ساعتين كان
الناس يهرولون إلى الأسواق لشراء مستلزماتهم المعيشية الضرورية ،
لكن صلاح خلال تلك الساعة كان يطبع و يوزّع البيان مما يذهل
الاحتلال و يحظى بإعجاب سكان المدينة الذين يتعجّبون من قدرة حماس
على العمل في أصعب الظروف .
و نتيجة
لنشاطه الواسع ، اعتقل صلاح أكثر من مرة كما أنه كان ضمن إخوانه
المبعدين إلى مرج الزهور .. و في السجن أو في الإبعاد كان صلاح
يخدم إخوانه و يتحرّك و لا يقف أبداً موقف المتفرج على الأحداث
بحجة أن هناك من يقوم بحمل العبء بل كان دوماً مبادراً معطاءاً و
في كل الميادين .
و لم يقتنع
صلاح بالاكتفاء بعمله السياسي و الجماهيري و التثقيفي على أهمية
هذه المجالات و فضل العاملين فيها في تأجيج الصراع و المقاومة ،
لكن طموح أبي النور و نظرته للاحتلال المليئة بالكره ، و إيمانه
الراسخ بأن الاحتلال المريع هو خطيئة يتحمّل مسؤوليتها أولئك
القابعين تحت الاحتلال .. لذلك فقد توجّه إلى ميدان العمل الجهادي
و بشكل مباشر و كانت له مشاركات أكثر من مرة ، و من أهمها و أشهرها
دوره الداعم في إيواء و مساعدة الخلية المجاهدة التي قامت باختطاف
الجندي الصهيوني "نحشون فاكسمان" و كانت تلك العملية إحدى أكثر
العمليات إيلاماً و التي قامت بها كتائب القسام و عملت على زعزعة
حكومة الاحتلال و إضعاف معنويات جنوده و دفع سنوات أخرى من عمره في
سجون الاحتلال نتيجة لهذا النشاط المقاوم .
أما تألق صلاح
و أكثر أيامه عطاء و تضحية فكانت خلال انتفاضة الأقصى فقد برز
كقائد جماهيري و شعبي ينظّم و يجمع و يقود ، و قد تمتع بعلاقات
واسعة و مميزة ليس في أوساط حماس فحسب ، بل تجاوز ذلك ليشمل كل
الشرائح و الفصائل الفلسطينية في المنطقة .
أما همّ صلاح
الذي كان يظهر على ملامحه و يحرق قلبه فهو قافلة الشهداء التي كانت
تتوالى في كل يومٍ و دموع أمهاتهم تلهب الأكباد و عيون أطفالهم
البريئة تسأل : لماذا يقتل آباؤنا ؟ و لا أحد يردّ لنا الكرامة ..
ألا يوجد حرّ أبيّ يشفي صدورنا . كل هذا يضاف إلى إيمان عميق في
نفس صلاح دفعه للبحث مرة أخرى عن أولئك الأحرار الذين يأبون الذلة
حتى وجد ضالته في فئة مجاهدة تتحفّز للعمل و التضحية لكن يعوزها
الدليل على الدرب فكان صلاح الدين لها .. لم يجبن و لم يبخل أو
يتردّد ، فكان له دور أساسي في إعادة إحياء العمل الجهادي المقاوم
في المنطقة ، و كان هو و بعض إخوانه حماة و دعاة لهذا الجهد
المبارك حتى نضج العمل و تفجّرت الطاقات المكبوتة و تفرّعت الشجرة
أغصاناً "أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن
ربها" ... لقد كانت كتائب القسام في منطقة نابلس و بحق رائدة العمل
الجهادي في السنوات الأخيرة و أذت الاحتلال و أقضت مضجعه ، فراح
يتخبّط في تصرفاته .. يقصف و يغتال خيرة شباب حماس حقداً و قهراً
لما أصابه ، و كان أبو النور من أوائل القادة الذين استهدفتهم قوات
الاحتلال ، لقد كان ذلك اليوم الذي اغتيل فيه صلاح من أكثر الأيام
قسوة في حياتنا ، فقد كنت معه في منتصف الليلة السابقة لحادثة
الاغتيال و عمدت إلى إقناعه بضرورة تغيير سيارته التي أصبحت معروفة
للجميع و يسهل مراقبتها بحيث تكون هدفاً سهلاً في كل الأوقات ، و
بعد أخذٍ و ردّ استجاب لطلبي و اتفقنا على تغييرها ، لكن الله أراد
أمراً آخر ، فبعد ساعات قلائل من آخر حديث بيننا كان أبو النور
على موعد مع ربه ، فأطلقت طائرات الاحتلال المجرمة عدة صواريخ على
سيارته حوّلتها إلى رماد .
نعم ، أصابوا
جسده ، لكن روحه كانت أقوى منهم جميعاً ، و عندما سمعت صوت
الصواريخ ركضت مسرعاً باتجاه الهدف لأرى بقايا سيارته .. و قد كانت
تلك لحظة الوداع الأخيرة لأخ احتل في نفسي و وجداني مكاناً مميزاً
.. و ظن العدو أنه بذلك طوى صفحة الجهاد الأخيرة في حياة صلاح ، و
ما دروا أنهم قد صبّوا الزيت على النار ، فصار إخوانه و محبّوه
أكثر إقداماً و أشد عوداً .
فكانت شهادته
كما كانت حياته ، عامل تغيير نحو الأفضل ، و تحوّلت دماؤه إلى وقود
يلهب أوار المعركة و صار حديث الناس كلهم .. هنا كان يخطب صلاح ..
و هنا كان يتقدّم المسيرات ، و هناك كانت له بصمات ، و في جنازة
كلّ شهيد كان صلاح دوماً في المقدمة .. لكن اليوم هو في الأعلى و
فوق الأكتاف .. و هو جدير بأن يعلو و يرتفع ، و ما زلت أذكر صورة
ابنه "نور الدين" يرفع السلاح في جنازة أبيه و يقسم على مواصلة
دربه حتى يتحقّق وعد الله .
و في أثناء
وجودي في التحقيق بعد استشهاده بعدة أشهر ، ازداد حبي له لما رأيت
من حقد المحتلين عليه ، و راحت الكلمات تتسرّب منهم بأن صلاح قد
أوقع بهم من الأذى أضعاف ما كان من جيوش و قادة في دول أخرى .
رحمك الله يا
صلاح الدين .... و إلى لقاء في مقام صدق عند مليك مقتدر
أخوك الذي لن ينساك ما دام الإسلام في قلبه
سجن عسقلان
|