الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة


بيان العشرين .. احتجاج طال انتظاره

بقلم : ادوارد سعيد

اصدر عشرون مواطناً فلسطينياً من الضفة الغربية وغزة، كلهم تقريباً شخصيات بارزة تتمتع بشعبية كبيرة، بياناً تضمن إدانة لاذعة للسلطة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات، متهماً إياها بقدر هائل من "الفساد والإذلال والاستغلال"، وخيانة الشعب الفلسطيني في "عملية السلام" كما لا تزال تسمى على نحو طريف، والسماح بشكل عام لأوضاع الفلسطينيين العامة بالتدهور على كل المستويات .

تلقى مسؤولية الكثير من ذلك على اتفاق أوسلو، لكن البيان اعتبر عرفات ذاته على وجه التحديد (وعلى نحو مبرر) الطرف الذي يتحمل أكبر قدر من المسؤولية عن المأزق البائس كله. فقد أشير إليه باعتبار هو الذي شرع الأبواب للفساد المالي وتضليل الشعب في ما يتعلق بإنجازات اتفاق أوسلو، ووعدهم بـ "سنغافورة" بدلاً من المستنقع الراكد الذي يغرق فيه حوالي ثلاثة ملايين شخص، باستثناء 200 أو 300 شخص من المحطين به الذين يتمتعون بمكانة «أشخاص بالغي الأهمية» (VIP) ويعيشون في أحسن حال .

وردّت السلطة بدهائها المميز باعتقال أربعة من الموقعين العشرين على البيان، ووضعت اثنين آخرين قيد الإقامة الجبرية في منزلهما، واستدعي آخرون للتحقيق معهم، وجرى هذا كله وفقاً لأوامر غازي الجبالي قائد جهاز الأمن الرئيس التابع لعرفات، الذي عاد إلى فلسطين برفقة زعيمه في 1994 بعدما كان امضى سنوات الانتفاضة في حال رفاه نسبي في تونس .

تناولت "نيويورك تايمز" وبضع صحف رئيسية أخرى هذه القصة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لكن لم يضع أي منها المسألة في سياقها الحقيقي. أو فسّرا كما هي عليه فعلاً باعتباره أشبه بقمة كتلة جليد طافية تشير إلى مد ما آلت إليه عرفات، وشريكتاه الولايات المتحدة وإسرائيل، وسلامهم من افتقار إلى الشعبية، ليس وسط "أعداء السلام الإسلاميين" الذين يلحظهم بيل كلينتون حول كل زاوية، ولاوسط "عملاء سورية" الذين يحلو لاتباع الولايات المتحدة من العرب أن يلقوا عليهم المسؤولية عن الأصوات المشاكسة لاتفاق أوسلو، ولا وسط أشخاص "معزولين" مثلي أنا، بل وسط كل الفلسطينيين العاديين تقريباً ونظرائهم العرب .

لا علاقة للأمر اطلاقاً بما لمح إليه أخيراً توماس فريدمان بأنه يمثل المشكلة، معتبراً أن الحكومات العربية التي وقعت على عملية السلام لم تثقف سكانها على نحو كاف بـ "ثقافة السلام" وهو تعبير سخيف إذا كان هناك إطلاقاً مثل هذا التعبير، بل يرجع الأمر إلى أن "السلام" يصنع من قبل حكومات غير ديمقراطية تفتقر إلى الشعبية ومعزولة، ومضت قدماً فيه بسبب الدعم الأمريكي لأنظمتها المهزوزة، ولأن عدم استعداد اسرائيل الصارخ للالتزام بتنفيذ قراري الأمم المتحدة اللذين ينصان على مبادلة الأرض بالسلام كشف بوضوح أن المستوطنات ستستمر وتتوسع، وستبقى القدس والحدود والأمن فضلاً عن المياه تحت سيطرة اسرائيل، وستفتقر أي "دولة" فلسطينية لا معنى لها يمكن أن تنشأ إلى مقومات البقاء بشكل جدير بالإزدراء مثلما خطط لها دائماً أن تكون. وأذا أضيف إلى ذلك التدهور المريع في نوعية حياة ا لفلسطينيين، زائداً رفض اسرائيل التام القبول بأي عودة ذات شأن أو تعويض للاجئين الذين كانت شردتهم في 1948، يمكن للمرء أن يتصور مدى الإحساس باليأس والاشمئزاز الذي ينتاب الفلسطينيين الآن، إذ تقترب "مفاوضات الوضع النهائي" من ذروتها، فيما بدأت وسائل الإعلام الغربية بالفعل الاتفال بسلام الألفية، وأخذ البنك الدولي يضع مزيداً من الأموال مباشرة بين يدي عرفات الجشعتين .

ويمتد تشويه صورة "السلام" أبعد من ذلك، كما سيكشف تفحص أسماء الموقعين على البيان. فبسام الشكعة ليس مجرد رئيس البلدية ا لسابقة لمدينة نابلس، بل شخصية محوطة بالإعجاب حقاً، وكان فقد ساقيه عندما انفجرت قنبلة زرعها الإسرائيليون في سيارته في 1980. ورفض الشكعة، الذي يعرف بكونه نصيراً شجاعاً لاستقلال فلسطين، أن يسمح لعرفات بزيارته في منزله في 1994. وعندما تحدثت إليه الأثنين الماضي، أبلغني أنه على رغم قرار وضعه قيد الإقامة الجبرية فإنه يغادر منزله بانتظام في كرسي المقعدين ليشتري الخبز ويتحدى الجبالي أن يعتقله. أما راوية الشوا فهي عضوة لامعة وخطيبة مفوّهة في المجلس التشريعي، وتتحدر من عائلة معروفة في غزة، لكنها لم تخف معارضتها لنظام عرفات البغيض. وتجنب الجبالي المعروف بفظاظته اعتقالها، مفضلاً، كما يبدو واضحاً، عدم خوض مواجهة مع شخص على هذا القدر من القوة، مقرراً بدل ذلك اختيار أهداف أسهل . فأحمد قطامش، الذي اعتقل، كان أطلق لتوه من قبل الإسرائيليين بعدما احتجز لأطول مدة (6 أو 7 سنوات) تحت الحجز الإداري، أي من دون محاكمة. وعبد الجواد صالح، الذي اعتقل أيضاً هو مسؤول سابق في حركة "فتح" (مثل كثير من الموقعين الآخرين) وعضو في المجلش التشريعي. وعادل سمارة وعبد ا لستار قاسم هما أكاديميان مستقلان يحظيان بالتقدير، وعدنان عودة هو رئيس وحدة الأبحاث البرلمانية وعبد الرحمن كتابة طبيب معروف، كما هي الحال بالنسبة إلى ياسر أو صفية الذي يشغل أيضاً عضوية مجلس نقابة لجان العمل الصحية. ويسعى عرفات حالياً إلى نزع الحصانة البرلمانية عن ا لنواب التسعة، بعد عمليات اقتحام لمنازل ومكاتب نفذت بوحشية مذهلة.

حتى وأنا اكتب هذه السطور، يرفع مئات وحتى آلاف آخرون من الفلسطينيين أصواتهم، ويوقعون المذكرات، مطالبين علناً بانتخابات جديدة وتنحية عرفات. إنها لفضيحة أن يجري الإبقاء على الرئيس لمجرد التوقيع على هذا السلام السهل، فيما يشغل ما لا يقل عن 125 ألف شخص كجزء من جهازه الأمني والبيروقراطي (70% تقريباً من الموازنة) ولا ينفق سوى 2% على البنى التحتية. وشيّد مساعدون له، يمقتون بقوة - لكن يعاملون في إسرائيل وواشنطن كدعاة سلام شجعان - شققاً فارهة بملايين عدة من الدولارات على شاطئ غزة (على مرأى من معسكر جباليا الذي يقطنه 90 ألف لاجئ وتخترقه شبكة من قنوات الصرف المكشوفة)، فيما تسافر زوجاتهم إلى باريس للتسوق، ويدير أولادهم وأقرباؤهم شركات تكاد تحتكر كل شيء، مع حسابات مصرفية في إسرائيل لخزن أموالهم فيها. ويتأرجح معدل البطالة بين 20 و 40%، وتستمر عمليات هدم المنازل ومصادرة الأراضي من دون إعاقة، بينما يواصل إيهود باراك، بطل السلام الشهير، زيادة الإنفاق العسكري والاستيطاني، بوتائر تفوق حتى ما كان قائماً في عهد نتنياهو .

كان سيتعذر حتى على كتّاب موهوبين أمثال جوناثان سويفت أو إيفيلين واف، ولو مجتمعين، أن يبتكروا شيئاً أسخف ومحكوماً عليه بالفشل أكثر من عملية السلام الحالية التي تسحق كل شيء يعترض طريقها. ستندفع بالتأكيد إلى إمام بقوة، لكنها ستجلب أيضاً بلا ريب المزيد من عدم الاستقرار وإراقة الدماء للفلسطينيين والإسرائيليين على السواء. لكن يبدو أن أياً من الإسرائيليين المتنورين أو اليسار الليبرالي في الغرب لا يريد أن يتقدم ليعلن ما هو واضح، كما لو أن كلمة "سلام" أصبحت تعويذة مقدسة وقعوا جميعاً تحت تأثيرها المخدر وجعلتهم يتصرفون ببلاهة.

ينبغي للفضيحة التي أثارها هذا الاحتجاج الأخير أن ننبه الناس إلى ما جرى حتى الآن في هذه العملية ذات التسمية المضللة إلى أبشع حد من بين كل عمليات السلام.لكنها، للأسف، لن تؤدي إلى ذلك، فعلينا إذاً أن نتوقع المزيد من الشيء ذاته حتى تفتح بعض العيون، وينحى عرفات في النهاية، وهو ما سيحدث بالتأكيد حالما يستنفد الغرض منه. عندذاك قد يبلغ الجيشان مدى لا يمكن معه إيقافه، وسيكشف اتفاق أوسلو إلى الأبد على حقيقته كمسخرة جديرة بالرثاء كما كان عليه منذ وقت طويل .

* الحياة، 7/12/1999م