|
في الوحدة الإسلامية
أولاً: الأصل وجوب اتحاد المسلمين وحرمة تفرقهم واختلافهم.
يؤكد هذا الأصل أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فالأمة الإسلامية
واحدة لقوله تعالى : "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"
(الأنبياء: 92) فالعمل على اتحاد المسلمين عبادة نتقرب بها إلى
الله عز وجل، وسبيل للوصول إلى درجة التقوى، قال سبحانه "وإن هذه
أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون" (المؤمنون: 52).
وجاء في وثيقة المدينة المنورة – وهي أول دستور
إسلامي مكتوب –: "هذا كتاب من محمد النبي – صلى الله عليه وسلم –
بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم وجاهد معهم،
أنهم أمة من دون الناس".
وإذا أراد المسلمون الوحدة وعدم التفرق فعليهم بالاستمساك بحبل
الله تعالى كسبيل وحيد لذلك، قال الله تعالى : "واعتصموا بحبل
الله جميعاً ولا تفرقوا" (آل عمران: 103)، وإذا أرادوا النصرة من
الله تعالى والموالاة فعليهم الاستمساك بالله عز وجل، قال
سبحانه: "واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير"
(الحج : 78).
وفي حرمة التفرق والاختلاف يقول الحق سبحانه:
"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات"
(آل عمران: 105)، وقال: "ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا
دينهم وكانوا شيعاً" (الروم 31-32) فيحذرنا الله عز وجل أن نكون
كالمشركين الذين تفرقوا واختلفوا فضيعوا حرمات الله تعالى.
ويبين لنا لمصطفى – صلى الله عليه وسلم – أن جهد الشيطان – وهذه
الكلمة تشمل شياطين الإنس والجن – مركز في التحرش بين المؤمنين،
فعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله
عليه وسلم- قال: "إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون، ولكن في
التحريش بينهم" رواه الترمذي، وزاد في رواية البخاري، بعد
(المصلون): " في جزيرة العرب".
وما أجمل ما ذكره الإمام الشهيد حسن البنا في الوحدة والفرقة،
قال: "الوحدة قرين الإيمان، قال الله تعالى:(إنما المؤمنون
إخوة)، والخلاف والفرقة قرين الكفر، قال الله تعالى : "يا أيها
الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد
إيمانكم كافرين" أي بعد وحدتكم متفرقين، وفي الحديث: "لا ترجعوا
بعدي كفاراً يضرب بعضكم وجوه بعض"، فعبر بكلمة الكفر عن الفرقة
والخلاف".
وقال في موضع آخر: "وأريد بالأخوة، أن ترتبط القلوب والأرواح
برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخوة
الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة، ولا وحدة
بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار".
هذا وجعل الحق سبحانه التنازع والاختلاف مقدمة حتمية للفشل، قال
تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" (الأنفال: 46) فعبر
بالفاء في قوله (فتفشلوا) لبيان سرعة تحقق هذه النتيجة بوجود
مقدمتها من التنازع والاختلاف بين المؤمنين، وهذا واقع نعيشه
اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثانياً: مستلزمات هذا الأصل
لن يتحقق هذا الأصل إلا بتحقق شروطه ومتطلباته وأهمها:
الموالاة، يقول تعالى :"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة
ويطيعون الله ورسوله" فإن حققنا هذه المقدمة كانت النتيجة "أولئك
سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم" (التوبة: 71).
المحبة والتواد الموجبة للتراحم والتعاطف، وفي الحديث المشهور
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وفي حديث النعمان بن
بشير رضي الله عنه: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"
رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "المسلم أخو
المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله. كل المسلم على المسلم
حرام: عرضه، وماله، ودمه. التقوى ها هنا - وأشار إلى قلبه – بحسب
امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم" رواه الترمذي.
التعاون: ويكون التعاون واجباً على البر والتقوى، ومحرماً على
الإثم والعدوان، قال الله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا
تعاونوا على الإثم والعدوان" (المائدة: 2)، قال ابن خويز منداد
في تفسير الآية: "والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه، فواجب
على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم، ويغنيهم الغني بماله،
والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد
الواحدة، المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد
على من سواهم، ويجب الإعراض عن المعتدي، وترك النصرة له، ورده
عما هو عليه".
والمعاونة على البر بر، فبها يوجد البر، وما لا يتم الواجب إلا
به فهو واجب، ومن التعاون بين المسلمين أن يدل المسلم إخوانه على
الخير، ففي الحديث "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" رواه مسلم.
النصرة: قال ابن فارس: "النون والصاد والراء، أصل صحيح يدل على
إتيان الخير أو إيتائه .. والنصر العطاء، والنصر والنصرة: العون،
والتناصر: التعاون". نعم هذي هي معاني النصرة ... دعم وعطاء
وتعاون وتظاهر بكل صورة ممكنة، والنصرة واجبة على كل قادر بحسب
جهده واستطاعته، ولقد امتدح الله سبحانه أهل المدينة وسماهم
الأنصار، قال سبحانه: "والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء
بعض، والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى
يهاجروا وإن استنصروكم فعليكم النصر إلا على قوم بينهم وبينهم
ميثاق" (الأنفال: 72) وقال تعالى: "والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا
في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً". فلا
يكون المرء مؤمناً حقاً إلا بذلك.
وجعل الله تبارك وتعالى نصرة المستضعفين من أسباب القتال المشروع
في الإسلام، قال تعالى :"وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله
والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا
أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً
واجعل لنا من لدنك نصيراً".
ففي الآية حضٌ على الجهاد المتضمن تخليص المستضعفين من أيدي
المشركين، وإن كان في ذلك تلف النفوس، فخلاص المستضعفين من سبيل
الله – إن قلنا بأنه معطوف على لفظ الجلالة- وخلاص المستضعفين
سبيل آخر هو هدف لوحده – إن قلنا بأنه معطوف على السبيل - ، قال
القرطبي :"واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك
تلف النفوس وتخليص الأسارى واجب جماعة المسلمين إما بالقتال وإما
بالأموال".
وقال الإمام مالك: "واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع
أموالهم".
وقال ابن العربي: "إذا كان في المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن
الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن، بأن لا تبقى منا
عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عدونا يحتمل ذلك، أو
نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم من ذلك".
واليوم نقول إن استنقاذ المستضعفين – من غير المسلمين – واجب،
ومن المسلمين أوجب.
ولقد هذّب الإسلام النصرة، فبعد أن كانت على الحق والباطل في
الجاهلية، حصرها الإسلام على الحق، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: "انصر أخاك ظالماً أو
مظلوماً، قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره
ظالما؟ قال: تأخذ فوق يديه" رواه البخاري. وفي رواية لمسلم:
"تمنعه من الظلم".
وعنون الإمام البخاري باباً فقال: باب الانتصار من الظالم لقوله
جل ذكره (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان
الله سميعاً عليماً والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)
(الشورى: 39).
وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: "أمرنا
النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع فذكر: عيادة المريض
واتباع الجنائز وتشميت العاطس ورد السلام ونصر المظلوم وإجابة
الداعي وإبرار المقسم". رواه مسلم.
ويبين المصطفى صلى الله عليه وسلم الخطوط العريضة للنصرة فيقول:
"من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب
يوم القيامة، ومن يسّر على معسر في الدنيا يسّر الله عليه في
الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في
الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
رواه الترمذي.
سلم المسلمين وحربهم واحدة:
جاء في وثيقة المدينة: "وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن
دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم".
وفي مجال الحرب قال تعالى: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم
كافة" (التوبة: 36) أي: قاتلوهم مجتمعين كما يقاتلونكم مجتمعين،
وامتدح المجاهدين في سبيل الله المتراصين في الصفوف فقال: "إن
الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص" (الصف:
4)، وقال "يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو
انفروا جميعاً" (النساء:71).
فأمور الحرب والسلام من مصالح المسلمين العليا ومن مسائل السياسة
الشرعية المنوطة بمصلحة العباد والبلاد، فينبغي أن لا تنفرد فئة
من المسلمين دون باقي المسلمين في هذه الأمور لأنها تمس مصالح
الإسلام والمسلمين العليا. قال تعالى : "وأمرهم شورى بينهم".
ثالثاً: تنبيه وتحذير:
للغافلين عن واجب النصرة، قال تعالى "إلا تنصروه فقد نصره الله
إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه
لا تحزن إن الله معنا" (التوبة: 40).
وللغافلين عن أهمية واجب الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: "ها
أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل
فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل
قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" (محمد: 38).
وللمقصرين في تعظيم حرمات الله، قال تعالى: "ومن يعظم حرمات الله
فهو خير له عند ربه" (الحج: 30). والحرمات جمع (حرمة) وهي ما يجب
احترامه وحفظه من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن، فتعظيمها
توفيتها حقها وحفظها من الإضاعة والخروج من حرج المخالفة وجسارة
الإقدام عليها بتعظيم الأمر والنهي خوفاً من العقوبة وطلباً
للمثوبة .
رابعاً: توصيات:
العمل على بث الأمل بقرب النصر، والتبشير بذلك بالأدلة النظرية
والإشارات الواقعية، وليكن رائدنا في هذا المنهج النبي صلى الله
عليه وسلم كما جاء في حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه، قال:
"شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في
ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من
قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيُجاء بالمنشار
فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه
وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، واللهِ ليتمن هذا الأمر حتى يسير
الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه،
ولكنكم تستعجلون" رواه البخاري.
إحياء سنة القنوت في النوازل، على الأقل في صلوات الجمع فيحضرها
جميع المصلين، وفي صلوات الصبح فيحضرها خاصة المسلمين، وليكن من
دعائنا في القنوت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم نج
المستضعفين من المؤمنين"، "اللهم اشدد وطأتك على مضر، الله
اجعلها سنين كسني يوسف"، ونستبدل (مضر) (بأمريكا واليهود). ومن
دعائه صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "اللهم منزل الكتاب، سريع
الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، الله اهزمهم وزلزلهم" رواه البخاري.
إن تعذرت الوحدة الجغرافية والرسمية، فلا أقل من اتحاد المواقف
الإسلامية الرسمية والشعبية، وللعلماء الدور الأكبر في ذلك،
لأنهم ورثة الأنبياء، ونبض الأمة وقوتها المحركة، فعلى العلماء
واجب كبير لتوحيد كلمة المسلمين، وإن عجز العلماء في تحقيق ذلك
فالحكام أعجز.
تركيز الجهد والاهتمام على الاتحاد حول القضايا العملية
الميدانية كطريق يؤدي إلى الوحدة الشاملة إن شاء الله تعالى،
وأهم هذه القضايا فلسطين ومقدسات المسلمين.
توجيه نداء للحكومات الإسلامية بوضع معيار واحد لعلاقاتهم
الدولية، أساه التعامل مع غير المسلمين بناء على مواقفهم من
قضايانا الأساسية وأبرزها قضية فلسطين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين
|