|
بسم الله
الرحمن الرحيم
مقتطفات من خطبة الحرم المكي للشيخ عبد
الرحمن السديس
الجمعة 27/2/1423هـ - الموافق 10/5/2002م
دعا إمام وخطيب المسجد الحرام في مكة المكرمة
فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس المسلمين إلى تقوى الله
تبارك وتعالى وأن يتحلوا بها أقوالا وأفعالا، فكم أورثت مالا
وتوجت جمالا و شرفت خصالا و وقت زيغا وضلالا وأصلحت حالا و مالا.
و قال
فضيلته إنه بقدر تمسك الأمم بمميزاتها الحضارية و التزام
المجتمعات بثوابتها و خصائصها القيمة ، بقدر ما تحقق الأمجاد
التاريخية و العطاءات الإنسانية ، و لئن برزت في عالمنا المعاصر
صور من مظاهر الانحرافات تهدد الأمن الدولي و تعرض للخطر وعد
استقرار السلام العالمي فإن مرد ذلك إلى التفريط في المبادئ
الحضارية و التهاون بالمثل و القيم الإنسانية .
ومن يجيل
النظر في عظمة قيم هذا الدين الذي أكرمنا الله به و هدانا إليه
(و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) يجد أن هناك سمة بارزة
وميزة ظاهرة كانت سببا في تبوئ هذه الأمة مكانتها المرموقة بين
الأمم و منحها مؤهلات القيادة و الريادة للبشرية و مقومات
الشهادة على الناس كافة ، و هذه الميزة الحضارية هي سمة الاعتدال
و الوسطية التي تجلي صور سماحة الإسلام و تبرز محاسن هذا الدين و
رعايته للمثل الأخلاقية العليا و القيم الإنسانية الكبرى (و كذلك
جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم
شهيدا) .
و لما
كان من الضرورة بمكان تحديد هذا المصطلح على ضوء المصادر الشرعية
و منعا للخلط في المفاهيم و اللبس في التصور ، و حتى نقف على
حقيقة الوسطية و مجالاتها لنظهر الصورة المشرقة لسماحة هذا الدين
في الوقت الذي اشتدت فيه الحملة على الإسلام و رمي أتباعه
بمصطلحات موهومة و ألفاظ مغرضة لتشويه صورته و التنفير منه تصيدا
لأخطاء بعض المنتسبين إليه في زمن انقلبت فيه الحقائق و انتكست
فيه المقاييس و بلي بعض أهل الإسلام بمجانبة هذا المنهج الوضّاء
فعاشوا حياة الإفراط و التفريط و سلكوا مسالك الغلو و الجفاء .
و لقد
اعتنى علماء المسلمين ببيان حقيقة الوسطية الواردة في آية سورة
البقرة و هي لا تخرج عن معنيين مشهورين يؤديان معنى واحدا أولهما
وسطا أي خيارا عدولا و منه (قال أوسطهم) و قول الأول هم وسط يرضى
الأنام بحكمهم و هو قول جمهور المفسرين و الذي رجحه الإمامان
الحافظان ابن جرير و ابن كثير رحمهما الله تعالى ، و الثاني أنهم
وسط بين طرفي الإفراط و التفريط جاء هذا في سياق الامتنان على
هذه الأمة المحمدية .
إن
الوسطية منهج سلف هذه الأمة ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية
"الفرقة الناجية أهل السنة و الجماعة يؤمنون بما أخبر الله به في
كتابه من غير تحريف و لا تعطيل و لا تكييف و لا تمثيل بل هم وسط
في فرق الأمة ، كما أن الأمة الوسط في الأمم" .. و يقول الإمام
الشاطبي رحمه الله : "إن الشريعة جارية في التكليف لمقتضاها على
الطريق الوسط العدل الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه ، فإذا
نظرت إلى كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط و الاعتدال
و رأيت التوسط فيها لائحا و مسلك الاعتدال واضحا و هو الأصل الذي
يرجع إليه و المعقل الذي يلجأ إليه" . ويقول الإمام العز بن عبد
السلام - رحمه الله - : "و على الجملة فالأولى بالمرء أن لا يأتي
من أقواله و أعماله إلا ما فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة مع
الاعتقاد المتوسط بين الغلو و التقصير". و يقول الإمام العلامة
ابن القيم - رحمه الله- : "ما من أمر إلا و للشيطان فيه نزغتان ،
إما إلى غلو و إما إلى تقصير و الحق وسط بين ذلك" .
إن وسطية
الإسلام تتجلى في مجالاته كلها ، ففي مجال الاعتقاد جاء الإسلام
وسطا بين الملل فلا إلحاد و لا وثنية بل عبودية خالصة لله في
الربوبية و الألوهية ، و كذا في الأسماء و الصفات وسط بين أهل
التشبيه و التمثيل و التحريف و التعطيل ، و في القضاء و القدر
وسط بين نفاة القدر و المغلين فيه القائلين إن العبد مجبور على
فعله ، و في مسألة الإيمان وسط بين من جفوا فأخروا الأعمال و
أرجؤوها عن مسمى الإيمان و بين من غلوا فأخرجوا من دائرة الإيمان
من عمل بعض المعاصي ، و يلحق بذلك الحكم بالتكفير فأهل الحق لا
يكفرون بالذنوب ما لم تستحل كما لم يجعلوا المذنب كامل الإيمان
بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ، و في باب النبوة و الولاية و
الصحابة توسط فلا غلوّ فيهم غلوّ من اتخذهم أربابا من دون الله و
لا جفاء كما جفت اليهود (ففريقا كذبتم و فريقا تقتلون) .
و أهل
الإسلام الحق يتوسطون فيؤمنون بجميع رسل الله عليهم الصلاة و
السلام و جميع كتبه و يحبون أولياءه و يترضون عن جميع صحابته -
رضي الله عنهم و أرضاهم .
إن هناك
مجالا آخر تتألق فيه وسطية هذه الأمة في مجال العبادة و مراعاة
مقتضيات الفطرة و التناسق البديع بين متطلبات الروح و الجسد بلا
غلو في التجرد الروحي و لا في الارتكاز المادي ، فلا رهبانية و
لا مادية بل تناسق و اعتدال على ضوء قول الحق تبارك و تعالى : (و
ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا) ، و
ردّ الرسول - صلى الله عليه و سلم - على عثمان بن مظعون رضي الله
عنه التبتل و أنكر على من حرم نفسه طيبات الدنيا قائلا : (أما
إني أخشاكم لله و أتقاكم له لكني أصوم و أفطر و أصلي و أرقد و
أتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، و قال صلى الله عليه
وسلم : (هلك المتنطعون) ، و قال ك (إن هذا الدين يسر فأوغلوا فيه
بيسر و لن يشاد الدين أحد إلا غلبه) .. و هكذا نأى الإسلام
بأتباعه عن كل الكبوات و الهزات و الهفوات التي تخل بغاية الوجود
الإنساني و تضييع حقوق الإنسان و تفرط في تحقيق التوازن بين
متطلبات روحه و جسده حيث تأرجحت كثير من النظم المادية كما هو
ظاهر في المدنية الغربية التي تنطلق من نظرات و مقتضيات مادية
صرفة حتى تنادى عقلاؤهم و منصفوهم بالحاجة إلى دين يحقق التوازن
بين الرغبات و التناسق بين المتطلبات و يرتفع بالبشرية إلى مستوى
إنسانيتها و تحقيق قيمها و مثلها و ينتشلها مما تعاني من بؤس و
طغيان و شقاء .
إن من
المجالات المهمة التي تبرز فيها وسطية هذه الأمة ما يتعلق
بالتشريع و التحليل و التحريم و مناهج النظر و الاستدلال فتوسطت
الشريعة بين هذه المجالات بين اليهود الذين حُرّم عليهم كثير من
الطبيات و بين قوم استحلوا حتى المحرمات ، و الحكم بالتحليل و
التحريم حق لله سبحانه (إن الحكم إلا لله) .
إن
الإسلام في منهج النظر و الاستنباط وازن بين مصادر التلقي و
المعرفة و وافق بين صحيح المنقول و صريح المعقول و عالم الغيب و
الشهادة و إعمال النصوص و رعاية المقاصد و استجلاء القواعد و حكم
الشريعة و أسرارها و وازن بين تحقيق المصالح و درء المفاسد .
و في
مجال الأخلاق و السلوك مظهر من مظاهر الوسطية في هذا الدين بين
الجنوح إلى المثالية و الواقعية ، وسطية تزكي المشاعر و تهذب
الضمائر و تسمو بالتفكير و الشعور و توازن بين متطلبات الفرد و
المجتمع و أعمال العقل و العاطفة في تربية متوازنة و تنسيق متسق
بديع على ضوء المنهج النبوي "إن لنفسك عليك حقا و لأهلك عليك حقا
و لجسدك عليك حقا و لربك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه" .
أما في
مجال النظام الاقتصادي فالإسلام وازن بين حرية الفرد و المجتمع
فيحترم الملكية الفردية و يقرها و يهذبها بحيث لا تضر بمصلحة
المجتمع فجاء الإسلام وسطا بين رأس مالية ترعى الفرد على حساب
الجماعة و اشتراكية تلغي حقوق الأفراد و تملكهم بحجة مصلحة
الجماعة .
و
الوسطية تتحقق أيضا في مجال الإنفاق (و الذين إذا أنفقوا لم
يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما) ، و المراد أن الإسراف
سيئة و التقتير سيئة و الحسنة ما بين ذلك فخير الأمور أوسطها .
و هكذا
في مجال الحرية بين الفرد و المجتمع حرية الرأي و الفكر و السلوك
و غيرها جعل الإسلام ضوابط شرعية لهذه الحرية بحيث تكون ضمن
دائرة المشروع و مجانبة المجذور الممنوع أمة الوسطية .
إن
الإسلام في النظام السياسي جاء وسطا بين النظم مبينا حقوق الراعي
و الرعية حاثا على العدل و القسط معليا قيم الحق و الأمن و
السلام و السمع و الطاعة للمعروف مترسما المنهج الشوريّ المتكامل
سابقا شعارات الديموقراطيات المعاصرة إلى تحقيق منافع البلاد و
العباد في بعد عن الاضطراب و الفوضى محاذرا الدكتاتورية في الحكم
و الاستبداد في الرأي (و شاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على
الله) .
إن مما
يجلي وسطية الإسلام جمعه بين الأصالة و المعاصرة ، تميزه بالثبات
و المرونة و حسن التعامل مع المتغيرات و وضع الضوابط للاجتهاد في
النوازل و استيعاب المستجدات ، فهو بثوابته و أصوله يستعصي على
التميع و الذوبان ، و بمرونته يستطيع التكيف و يواجه التطور بلا
جمود و لا تحجر بل يبني الحياة على القواعد الشرعية و النواميس
المرعية التي تستجيب لحاجات الأمة في مختلف الظروف و الأحوال (و
من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) .
إن وسطية
الإسلام شاملة جامعة لكل أمور الدين و الدنيا و الآخرة ، بل إنها
وجه من وجوه الإعجاز فيه و صلاحيته لكل زمان و مكان ، إن هذه
الوسطية تعظم مسؤولية الأمة الإسلامية و دورها العالمي فهي أمة
الوسطية و الشهادة على الناس (لتكونوا شهداء على الناس) ، شهادة
تصان فيها الحقوق و تتحقق فيها العدالة و تحفظ الكرامة و يبسط
السلام و تبنى الحضارة المعاصرة بعد أن شقي العالم بألوان
الصراعات و أنهكت البشرية بأنواع من الصدامات و تقاذفت الإنسانية
أمواج من الأنظمة و الأهواء و مزقت كياناتها في رحلة منهكة من
الضياع و هوة سحيقة من الفناء و بؤر عميقة من التيه و العدم و
ذلك بسبب ألوان من الصلف و التطرف و الأحادية في الرأي و الشطط
في الرؤى و المواقف .
لئن حال
العالم إلى ما نراه اليوم من تسلط و صراع حضاري خطير فإن الأمل
بعد الله في أمة الوسطية و الاعتدال أن تكبوا من عثرتها و تفيق
من غفلتها و تجمع من شتاتها بعد أن عانت طويلا من جرّاء تجاوزات
بعض أبنائها و المحسوبين عليها عن منهج الوسطية في مجالات عقدية
و فكرية و سلوكية بل و ثقافية و إعلامية و أصبح بعض أبنائها
يقتات من على فتات موائد الغرب في لون من ألوان التطرف الفكري
يقابله ردود أفعال مخالفة في الرأي معاكسة في الاتجاه فربما سلكت
مسالك التجاوز و الشطط في تضخيم إعلامي مفضوح حتى وصم الإسلام
بأخطاء هذا و تقصير ذاك ، و من المقرر لدى المنصفين أن أخطاء
الفرد في تطبيق نظام ما ليس عيبا في النظام نفسه فأين المصداقية
و الموضوعية و الواقعية .
هذا هو الإسلام في وسطيته و سماحته و يسره و
اعتداله ، فأين هذا من الحملات المسعورة عبر وسائل إعلامية
مأجورة؟
أين هذه السماحة من التطرف الصهيوني والصلف
اليهودي الذي يبرز من خلال شلالات الدم المسلم المتدفق على ثرى
فلسطين المجاهدة؟
أين هذه السماحة من التطرف الهندوسي الوثني
على ربى كشمير الصامدة؟
أين هذا التيسير من التطرف الإلحادي على أرض
كوسوفا والشيشان المسلمة؟
أين هذا من المتلاعبين بالمصطلحات والألفاظ
الذين أصبح عندهم المتطرف في قتل المسلمين وظلمهم وإرهابهم رجل
أمن وسلام؟؟ والمظلومون المطالبون بحقوقهم الشرعية المقاومون
للاحتلال ضد عقيدتهم وبلادهم ومن يساندهم في حملات إغاثية
وتبرعات مادية وعينية إن هؤلاء في نظرهم إرهابيون متطرفون في
شنشنة معروفة من أقزام؟؟؟؟
فالله المستعان.
ألا ما
أحوج الأمة إلى سلوك منهج الوسطية في علاج كثير من الانحرافات في
شتى المجالات وهذا كله يلقي على كواهل علماء الشريعة ودعاة
الإصلاح في هذه الأمة المسؤولية الكبرى أمام الله ثم أمام الأمة
والأجيال التي تنشد سبيل الخلاص من إفرازات تجاوز منهج الوسطية
المتألق.
|