|
تجهيز المجاهدين وإعانتهم وخدمتهم
في هذا الزمن
الذي لم يعد يتسنى فيه لكل من أراد الجهاد أن يجاهد بنفسه قد لا نجد
لأحد عذرا لأن باب الجهاد مفتوح من طرق أخرى , فإذا قام المجاهدون في
فلسطين وغيرها من أرض الجهاد بواجبهم من الجهاد بالنفس فلا يعني ذلك
أن يجلس باقي المسلمين مطمئني البال ومرتاحي الخاطر لا يجدون في
أنفسهم ملامة ولا إثما.
بل إن هؤلاء
المجاهدين الذين يحملون الواجب عن الأمة بأسرها لهم أيضا حقا واجبا
في ذمة باقي المسلمين حتى يتمكنوا من مواصلة جهادهم وتضحياتهم وقد
جاءت النصوص الدالة على ذلك كثيرة في كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله
عليه وسلم ومن ذلك :-
أولا: إن الذي يجهز المجاهدين أو يرعى أسرهم من
بعدهم يكتب له مثل أجرهم .
روى البخاري
ومسلم عن زيد بن خالد الجهني رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : {من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في
أهله بخير فقد غزا }.
وروى الترمذي
وابن ماجة عن زيد بن خالد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : { من فطر صائما كان له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء ومن جهز
غازيا في سبيل الله كان له مثل أجره لا ينقص من أجر الغازي شيء}.
وروى
الطبراني عن زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : { من جهز غازيا في سبيل الله فله مثل أجره ومن خلف غازيا في
أهله بخير وأنفق على أهله فله مثل أجره}.
ثانيا: خيانة المجاهدين من بعدهم ليست كخيانة
غيرهم من الناس .
روى مسلم عن
بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : {حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم وما من
رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين فيخونه فيهم إلا وقف له يوم
القيامة فيأخذ من عمله ما شاء , فما ظنكم ؟ }.
ثالثا: إن الذي يعين المجاهد في سبيل الله في ظل
الله يوم لا ظل إلا ظله .
روى أحمد
وابن أبي شيبة والحاكم عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال : {من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غازيا في
عسرته أو مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله }.
وقال عبد
الله بن مسعود رضي الله عنه :لأن أجهز سوطا في سبيل الله أحب إلي من
حجة بعد حجة الإسلام .
رابعا: تجهيز المجاهدين من أفضل الصدقات عند
الله تعالى .
روى الترمذي
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: {أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله ومنحة خادم في سبيل
الله أو طروقة فحل في سبيل الله } , ومعنى الحديث : الترغيب في إعانة
المجاهد إما بخيمة يستظل بها أو بخادم يساعده أو بناقة صالحة للركوب
يزيد عمرها عن ثلاث سنوات فإن هذا أفضل الصدقات عند الله تعالى .
خامسا: خدمة المجاهدين وإدخال السرور عليهم من
أفضل القربات.
قال معاذ بن
جبل رضي الله عنه : لأن أشيع رفقة في سبيل الله فأصلح لهم أحلاسهم
وأرد عليهم من دوابهم أحب إلي من عشر حجج بعد حجة الإسلام .
وكان عامر بن
عبد قيس إذا خرج للغزو يقف يتوسم بالمجاهدين فإذا رأى رفقة توافقه
قال لهم : يا هؤلاء : إني أريد أن أصحبكم للجهاد وأن أجاهد معكم على
أن تعطوني من أنفسكم ثلاث خصال ! فيقولون : ما هي ؟ فيقول :
الأولى : أن أكون خادمكم لا ينازعني أحد منكم في
الخدمة !
والثانية : أن أكون مؤذنا لكم لا ينازعني أحد
منكم في الأذان !
والثالثة : أن أنفق عليكم بقدر طاقتي !
وهكذا كان
سلفنا رضوان الله عليهم إذا خرج أحدهم للجهاد يجتهد أن يكون خادم
لرفقائه وأن يدخل عليهم السرور ما استطاع وأن ينفق عليهم ما وجد لذلك
سبيلا وأن يؤثرهم على نفسه إذا لم يجد سعة بما يقدر عليه احتسابا
لذلك عند الله وابتغاء لمرضاته ورغبة في ثوابه .
عن أبي الجهم
ابن حذيفة العدوي قال : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي ومعي شنة من
ماء فقلت : إن كان به رمق سقيته من الماء ومسحت به وجهه فإذا أنا به
يشهق فقلت له : أسقيك فأشار: أي نعم ,فإذا رجل يقول: آه , فأشار ابن
عمي أن انطلق إليه , فإذا هو هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص رضي
الله عنهما , فأتيته فقلت : أسقيك ؟ فسمع رجلا آخر يقول: آه , فأشار
هشام أن انطلق إليه , فجئته فإذا هو قد مات ! ثم رجعت إلى هشام فإذا
هو قد مات!! ثم أتيت ابن عني فإذا هو قد مات !!! رحمهم الله جميعا .
فانظر يا
رعاك الله إلى إيثارهم وهم في مثل هذه الحال فهم يجودون بأشد ما
يحتاجون إليه وفي أصعب الأوقات وأعصبها فما نقول نحن في رخائنا ونحن
نبخل بالقليل الذي قد لا نحتاجه أبدا وصدق الله تعالى إذ قال : { ها
أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما
يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما
غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم }.
|