الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة

 

التطبيع الباكستاني.. ومستقبل المنطقة

 

بقلم: جلال عارف 

صحيفة البيان الإماراتية 4/9/2005

 

البدء في تطبيع العلاقات الإسرائيلية - الباكستانية، وبهذه الصورة المستفزة.. وفي هذا التوقيت بالذات، لا ينبغي عزله عما يجرى في العراق وفلسطين ولبنان، فكلها خطوات على طريق رسمته العصابة الصهيونية المتحكمة في القرار الأميركي، ليصل في النهاية إلى تحقيق الهدف المعلن وهو «الشرق الأوسط الواسع أو الموسع أو الكبير» الذي يكون جزءاً أساسياً في بناء الإمبراطورية الأميركية.

 

نعم.. قد تكون الخطوة الباكستانية إحدى الثمار المريرة لـ «مسرحية» الانسحاب الإسرائيلي من غزة التي تقدمها "إسرائيل" (وأميركا بالطبع) على أنها تنازل كبير من شارون، بينما هي - في واقع الأمر - تترك «غزة» وقد حولتها إلى سجن كبير لتتفرغ لاستكمال تهويد القدس، وترسيخ الاستيطان في الضفة الغربية.

 

الخطوة الباكستانية هي ثمرة لهذه «المسرحية» الإسرائيلية حول الانسحاب الزائف، ولن تكون باكستان وحدها في هذا الطريق، كما تؤكد "إسرائيل" التي «تبشر!» الجميع بأن عشر دول عربية في طريقها للتطبيع، بعد أن تم السلام وعم الوئام وتحققت الآمال بانسحاب "إسرائيل" من قطاع غزة!.

 

ولكن هذا كله ليس إلا جزءاً من الخطة الأكبر التي تشمل المنطقة كلها. ولهذا لم يكن صدفة أن يتم تجاوز الدول العربية العشر المرشحة لدخول «جنة» التطبيع، لتأتي المبادرة هذه المرة من باكستان، وليكون مكان اللقاء بين وزيري خارجية باكستان و"إسرائيل" هو تركيا، ليعطي الأمر صورة عن مسرح العمليات المتسع الذي تجرى فيه عملية إعادة صياغة المنطقة ورسم الخريطة الجديدة لها، وفقاً للمصالح الأميركية (والإسرائيلية بالتبعية).

 

والمخطط ليس جديداً، ومنذ سيطرة اليمين الصهيوني على الإدارة الأميركية وهو يتحين الفرصة لبدء تنفيذه، وجاءت الفرصة مع أحداث (11 سبتمبر). ولم يكن احتلال العراق إلا البداية، أما النهاية فهي تفكيك المنطقة العربية ثم إعادة دمجها في كيان هلامي يمتد من أفغانستان حتى موريتانيا، تحت عنوان الشرق الأوسط الكبير، وفي رداء إسلامي فضفاض تذوب فيه الهوية الوطنية وينشغل فيه الجميع بالحروب الأهلية التي ستغمر المنطقة، بينما تركز الولايات المتحدة جهودها على تأمين مناطق البترول، وضمان التفوق الإسرائيلي، والحديث عن فضائل الديمقراطية التي لن تراها شعوب المنطقة - إذا تحقق هذا المخطط - لأنها تتناقض مع مصالح اليمين الصهيوني المتحكم في القرار الأميركي.

 

ورغم كل حملات تشويه الإسلام، فإن اليمين الصهيوني (المسيحي واليهودي) يدرك خطورة إشعال حرب دينية عالمية، ويعرف أنه غير قادر على حسمها مهما امتلك من أسباب القوة، لكن هذه الحملات تخفي الهدف الأساسي في هذه المرحلة، وهو ضرب الهوية العربية والسيطرة الكاملة على المنطقة وتحويلها إلى كيانات صغيرة على أسس عرقية أو طائفية.

 

ولم يكن اختيار العراق كنقطة بداية ضرباً من العبث، بل كان أمراً مدروساً بعناية، ليس فقط لما يمتلكه من مخزون نفطي، ولا نتيجة للصراع مع النظام السابق في بغداد، ولكن لأن الطريق ممهد لتقديم «النموذج» الذي يرتدي ثوب الديمقراطية كما يقال، بينما يخفي في حقيقته التدمير الكامل للعراق كما عرفناه، ولدوره كقوة عربية فاعلة وجزء مهم من حضارة الأمة العربية.

 

ومن هنا أيضاً كانت المهمة الأساسية بعد احتلال العراق هي تدمير مقومات الدولة، من جيش وشرطه وإدارة، ثم فتح كل الأبواب التي تؤدي إلى فرض أمر واقع جديد يقوم على تقسيم العراق، وهو ما جرى خلال الأعوام الماضية، وما يراد تكريسه من خلال الدستور المقترح الذي لا يكتفي بفرض الأمر الواقع بالنسبة للأكراد في الشمال، ولكنه يفتح الباب لدويلة «شيعية» في الجنوب ترتبط بإيران، وتفتح الأبواب لتطورات وانقسامات بالغة الخطورة على مستقبل الخليج. هذا هو «النموذج» الديمقراطي جداً(!!) الذي يراد تعميمه في المنطقة، والذي يترافق مع تجربة مشابهة في السودان، ويمهد لتجارب أخرى في لبنان وسوريا، ولن تنجو منه دولة عربية واحدة.. إذا قُدّر للمخطط أن يمضي في طريقه للنهاية.

فالمطلوب أن يتم الإجهاز على «وهم!!» العروبة التي جمعت شعوب المنطقة في أمة واحدة، وأن يتم تفكيك الدول «العربية» التي كانت تسعى لخطوات على طريق وحدتها، لتتحول إلى كيانات صغيرة على أسس عرقية وطائفية، لا تكون فقط هي المبرر لوجود "إسرائيل" (فلم تعد "إسرائيل" في حاجة إلى هذا المبرر) وإنما تكون الأساس لدمجها - كوحدات صغيرة ضعيفة - في كيان هلامي يضم كيانات أقوى عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، مع ضمان أن يكون الجميع في خدمة الأهداف الأميركية.

 

وكما يتفتت العراق الآن إلى سُنة وشيعة وتركمان وأكراد.. إلخ، فالمطلوب أن يتفتت العالم العربي كله إلى مسلمين ومسيحيين، وموارنة ودروز، وبربر ونوبيين، وإلى قبائل تتناحر وفرق تتقاتل، ثم يفرض عليها أن «تتوب» عن عروبتها، وأن تلتحق بجنة «الشرق الأوسط الكبير» الذي يسيطر عليه القوى غير العربية، من تركيا إلى باكستان إلى "إسرائيل".. انتظارا لانضمام إيران بعد إسقاط نظامها.

 

وفي هذا الإطار، تأتي خطوة التطبيع الباكستاني - الإسرائيلي، ويتم اللقاء العلني الأول بين الطرفين على أرض تركيا. وفي لحظة واحدة لم تعد القنبلة النووية الباكستانية (التي دفع العرب معظم تكلفتها) خطراً يهدد "إسرائيل"! فكل طرف يطمع في نصيبه من الغنيمة، وكل طرف له مكانه في الاستراتيجية الأميركية للمنطقة، حيث تتم السيطرة على أكبر مخزون للنفط في البلاد العربية ثم في أواسط آسيا.

 

وحيث يتم الإعداد للتحدي القادم لأميركا من الصين، والذي سيتعاظم لو تطور الأمر إلى تحالف صيني - روسي، في ظل عقيدة أميركية تؤمن بأن القرن الحادي والعشرين هو «قرن أميركا» وحدها، وترفض أي مشاركة حقيقية في تسيير أمور العالم، وتؤكد أنها ستلجأ للحروب الاستباقية لمنع ظهور أي قوة منافسة لها على زعامة العالم والهيمنة على مصيره.

 

وفي لحظات الضعف العربي الراهنة، وأمام توحش الهجمة الموجهة إلينا، علينا أن نتذكر أمرين أساسيين:

* أن ما يجري الآن له جذوره، والحرب على «عروبة» المنطقة بدأت منذ انبعاث التيار القومي ليستعيد للمنطقة هويتها الأصيلة. وقبل نصف قرن كانت واشنطن تتحدث عن «فراغ» تركته بريطانيا وفرنسا بعد انهيار إمبراطوريتها، وعن ضرورة أن تتقدم أميركا لملء الفراغ. وكانت نفس القوى غير العربية في المنطقة تتآمر في خدمة هذه المخططات وتقيم الأحلاف العسكرية والسياسية وتحاول فرضها على دول المنطقة.

وكانت أميركا تجند الدول الإسلامية في المنطقة لمواجهة مد القومية العربية، ولكن المقاومة العربية والظروف الدولية أفشلت هذا المخطط يومئذ. والأمر الآن يختلف.. فالعالم العربي في أضعف حالاته، وانفراد الولايات المتحدة بزعامة العالم يدفع للمضي في هذه المخططات حتى النهاية، دون إدراك بأن للقوة مهما كانت حدودها، وأن التاريخ والجغرافيا لا يتغيران بقرار سياسي أو بضربة عسكرية مهما كانت القوة وراءها.

 

* الأمر الآخر الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن فشل تجربة حزب أو آخر كان يرفع شعار «القومية» لا يعني أن العرب لم يعودوا عرباً. إن الفشل هنا للحزب والسقوط للتجربة، وليس للعروبة التي ستظل هوية الأمة إلى يوم الدين.

نقيب الصحافيين المصريين