التطبيع مع الصهاينة.. وحرب المصطلحات
بقلم: ناصـر
الفضـالة
صحيفة أخبار
الخليج البحرينية 4/8/2005
في سعيهم
الحثيث إلى قلب الحقائق وتزويرها وخداع العالم ينجح الصهاينة في
استدراج أجيال كاملة من الفلسطينيين والعرب والمسلمين إلى التعامل
بسلبية مع شعار «السلام» كمرادف للاعتراف بالاغتصاب الصهيوني لفلسطين،
وإظهار المجاهدين المقاومين بمظهر أعداء السلام، ليجري تأليب الرأي
العام الدولي ضد الحق الإسلامي العربي، بل ليبرز ارتباك داخل الأمة،
فيتصاعد الانقسام بين المتمسكين بالثوابت والحقوق من جهة، وبين ذوي
النفس القصير والمصالح الصغيرة والنظرة الضيقة من المتعبين أو
المتخاذلين أو المتواطئين.
من أقوال موشيه
ديان التي تنم عن وقاحة اللصوص حين يتحدثون: «لو أننا أقمنا دولتنا على
شطر من أرض ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا.. لاعترف بنا الألمان
والفرنسيون والإيطاليون، فلماذا لا يعترف بنا العرب؟ ».
ويجيب بصفاقة
عجيبة: «إن المشكل يكمن في جذر الثقافة الإسلامية والعربية التي لم
تفسح محلاً لفلسفة الهزائم. إن التاريخ العربي المكتوب يركز على
الانتصارات: «اليرموك، القادسية، حطين، عين جالوت.. » ولكي يعترف بنا
العرب فإن علينا أن نقطع صلتهم بجذورهم.. ». ومن هنا فإن ما يسميه
الكيان الصهيوني «التطبيع الثقافي» بات هو الأهم صهيونياً والأكثر
إلحاحاً فعبره يمكن النفاذ إلى كل المجالات، وفي غيابه يمكن إعادة
إنتاج المقاومة الذاتية للأمة.
وما يميز مشروع
«التطبيع الثقافي» عن غيره من مشاريع التطبيع الاقتصادي والسياسي
والأمني والمائي.. أنه لا يحمل - ظاهرياً - مشروع إحلال هيمنة ثقافية
صهيونية على الحياة الثقافية العربية - كما هو الأمر في المشاريع
الأخرى- بل هو يقوم على تدمير المقومات الذاتية لثقافة الأمة.
إن الحركة
الصهيونية تدرك استحالة تحقيق هيمنة ثقافية صهيونية على العرب
والمسلمين لعراقة الهوية الثقافية والحضارية لأمتنا من جهة، وعدم وجود
ثقافة صهيونية واحدة بالأساس، فالكيان الصهيوني محض تجمع أتى من كل
أرجاء العالم وكل جماعة في هذا التجمع تحمل معها ثقافة البلد الذي جاءت
منه (روسيا وبولونيا وألمانيا والمجر وتركيا والمغرب إلخ) وما تشهده
الساحة «الثقافية» الصهيونية من صراعات حادة وعميقة بين أخلاط اليهود
على أرض فلسطين (أبرزها الصراع بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين)
هو أبرز مظاهر هذا التعدد.
ومع أن الوضع
كذلك فإن العقل الصهيوني المخطط يطمع في أن تصبح جامعاته ومراكز
أبحاثه.. هي عقل المنطقة بأسرها، وموجه الحياة فيها، أي أنه «مشروع
تدمير وتفكيك ثقافي للمنطقة» بكل ما تحمله الكلمة من معاني التناثر
والبعثرة والارتباك والضياع.. تفكيك الأواصر وتدميرها على كل
المستويات، بين الأقطار، وداخل كل قطر، وبين الأديان، وداخل كل دين،
وبين المذاهب، وداخل المذهب ذاته، وبين الأقوام وداخل كل قبيلة
وعشيرة.. وتفكيك التواصل بين الماضي والحاضر، وبين الأجيال داخل الحاضر
ذاته.
إن التطبيع
السياسي مثلاً هو المظلة التي يجري من خلالها الاختراق الصهيوني للنسيج
الداخلي للمجتمعات العربية. والتطبيع الاقتصادي هو المدخل لتفكيك الحد
الأدنى من الروابط والمصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدان العربية،
بل داخل كل بلد، ليربط هذه الكيانات الممزقة بالمركز الصهيوني.
و«التطبيع
الأمني» معناه فرض رقابة أمنية صهيونية على كل جوانب الحياة السياسية
والاجتماعية والنقابية والإعلامية داخل البلدان العربية إذ يسهل التذرع
بالخطر الأمني لمنع أي حركة أو مؤتمر أو اجتماع أو مقال أو تظاهرة.. من
أقصى المشرق إلى أقصى المغرب.
و«التطبيع
المائي» معناه مشاركة صهيونية في كل ثروة مائية عربية أو إسلامية، بما
في ذلك مياه اليرموك والعاصي والليطاني والنيل وأنهار تركيا إلخ، ولن
يتحقق ذلك إلا عبر إثارة الحروب والنزاعات المائية بين بلدان المنطقة
بأسرها.. وفي الحقيقة فإن هذا «التطبيع» أو «التطويع» قد بدأ منذ
سنوات، تدل عليه المكاتب التجارية والبعثات «الدبلوماسية»، وتبدل
المفردات في الإذاعات ومحطات التلفزة وأجهزة الإعلام وتحولها لمصطلحات
تسوغ للصوص الصهاينة كل ما يقومون به من جرائم واعتداءات. لقد شطبت
كلمات لها مدلولاتها مثل «الكيان الصهيوني» و«دولة العدو» و«قوات
الاحتلال» وحلت محلها كلمات أخرى «مطبعة». وصار الشهيد «قتيلاً»
والاستشهادي «انتحارياً»، والعمليات الاستشهادية «عمليات انتحارية»
والمقاومة «إرهاباً» والصهاينة الغاصبون مدنيين أبرياء؟!
التطبيع
الثقافي - بمعناه الواسع - حالة نعيشها منذ عقود، بل هي الحالة التي
مهدت لكل مظاهر الانهيار والتردي التي نعيشها اليوم، وبات المطلوب
«الخروج من حالة التطويع الثقافي» لا مجرد «منع حصوله».. بات المطلوب
تأصيل ما كان مؤصلاً، وتثبيت ما كان ثابتاً وفي هذه اللحظات المصيرية
الحرجة علينا أن نتشبث بجذورنا التي تحمينا من الاقتلاع لنتمكن من
الثبات في معركة الكرامة والبقاء.