قمة المعلومات أم قمة التطبيع؟
د. عبدالله
السويجي
صحيفة الخليج
الإماراتية 21/11/2005
استضافت تونس
في الفترة من 16- 18 تشرين الثاني / نوفمبر الجاري القمة العالمية
للمعلومات التي نظمتها الأمم المتحدة بمشاركة نحو 15 ألف شخصية عالمية،
ومن أبرزها إلى جانب كوفي أنان أمين عام الأمم المتحدة، الزعيم الليبي
معمر القذافي والرئيسان الفلسطيني محمود عباس واللبناني إميل لحود
ورئيس نيجيريا أوباسانجو وعدد من رؤساء الوزراء الأفارقة والآسيويين.
وكانت القمة قد
عقدت وسط جدل كبير، وخلافات كثيرة، وعلى الصعيدين العربي والإسلامي
أثارت مشاركة الكيان الصهيوني ممثلاً بوزير خارجيته سيلفان شالوم الذي
هو من أصل تونسي، ومن مواليد مدينة "قابس" القريبة من جربة، أثارت
جدلاً كبيراً وانتقاداً حاداً، وفي موضوع آخر أعلنت المفوضية الأوروبية
أن عدداً من الزعماء الأوروبيين قرروا تخفيض مستوى تمثيلهم في القمة
احتجاجاً على ما وصفوه بتدهور أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في تونس
وعدم الإفراج عن مئات من السجناء السياسيين سبق للأمم المتحدة والعواصم
الغربية أن طالبت بإطلاق سراحهم قبل القمة، وفي هذا السياق أيضاً منعت
السلطات التونسية ممثلي 19 منظمة غير حكومية عالمية من عقد قمة موازية
للقمة الرسمية وقد نددوا بهذا المنع في ندوات وتظاهرات أمام مقر انعقاد
القمة.
وفي ما يتعلق
بدعوة الوفد الصهيوني للقمة أوردت السلطات التونسية أن الأمم المتحدة
هي الجهة المنظمة للمؤتمر، وبالتالي هي المسؤولة عن توجيه الدعوات لكل
الأعضاء دون استثناءات. لكن الأمر لا يبدو على هذا الشكل، إذ وقعت تونس
والكيان الصهيوني في العام 1995 اتفاقاً يتعلق بإقامة علاقات دبلوماسية
ولكن، ووسط ضغط عربي وشعبي أقفلت تونس تنفيذاً لقرارات القمة العربية
في القاهرة العام 2000، مكتب الاتصال الذي افتتحته في تل أبيب، فيما
غادر رئيس مكتب الاتصال الصهيوني تونس إلى بلده، وتوقع كثيرون أن يتم
إحياء الاتفاق الموقع في العام 1995 خلال قمة المعلومات، إلا أن
الجانبين لم يعلنا عن هذا الموضوع.
إن العلاقات ما
بين تونس والكيان العبري ليست وليدة قمة المعلومات، فقد تناقلت وكالات
الأنباء العام الماضي الأنباء المتعلقة بعقد أربعة اجتماعات بين وزير
الخارجية التونسي السابق، الحبيب بن يحيى، ونظيره "الإسرائيلي" شالوم،
كما اجتمع الوزير الحالي عبد الباقي الهرماسي مع شالوم في العاصمة
البلجيكية بروكسل في وقت سابق من هذه السنة. وسبق أن اجتمع الهرماسي مع
شالوم في لاهاي قبل نهاية العام الماضي وهو ما "تبعته اتصالات سرية بين
الجانبين". وفقاً للصحف الصهيونية.
ومن وجهة نظر
(التعامل مع الواقع) فقد اختار العرب مبدأ الأرض مقابل السلام في أكثر
من مؤتمر قمة وفي أكثر من تصريح لمسؤولين عرب كبار، لكن السؤال الذي
يطرح نفسه بألم: هل تحقق السلام؟ وهل أعاد الكيان الأراضي التي احتلها
في العام 1967، التي هي شرط قمة بيروت حتى (تهرول) الدول العربية نحو
الكيان الصهيوني؟ وهل الانسحاب الشكلي من قطاع غزة كاف لمكافأة الكيان
الصهيوني بكل هذه الجوائز المدمرة للمشروع العربي والمعنويات العربية؟
أم أننا سنعود لنؤكد أنه لا توجد سياسة عربية واضحة في التعامل مع
الكيان الصهيوني، حتى في ظل صدور قرارات عن قمة بيروت أو غيرها من
القمم، وهي قرارات تفتقد أي آلية، حتى لو كانت شكلية، لمتابعة تطبيق
القرارات؟
إن تبرير أي
دولة لحضور مسؤولين صهاينة لأي نشاط تعقده الأمم المتحدة على أراضيها
غير كاف وغير مبرر أيضاً، فبإمكان هذه الدول رفض انعقاد هذه المؤتمرات،
وبإمكانها إثارة ما تم الإجماع العربي عليه كسبب رئيسي في التعاطي مع
الأمم المتحدة. وهذه المنظمة الدولية، التي تقبل دولة مثل الكيان
الصهيوني، عضواً فيها، وهي تشهد يومياً وكل لحظة الممارسات البشعة من
جانبه ضد الشعب الفلسطيني، وقيامه بنقض الاتفاقيات والمعاهدات، ناهيك
عن رفضه التعامل مع قرارات الأمم المتحدة ذاتها، هذه المنظمة يجب ألا
يكون لمؤتمراتها صفة الإلزام، وحرية التحرك على أي أرض، أو في أي دولة،
لأن هذا الإجراء يصيب سيادة هذه الدول في قلبها، ولهذا فإن التبرير غير
كاف.
وقد يكون ما
فعلته تونس جهاراً تفعله أكثر من عاصمة في الخفاء، والسؤال الذي يطرح
نفسه بألم مرة أخرى هو: ما هي الحاجة الملحة لهذه الدول للتعامل مع
الكيان الصهيوني، والفلسطينيون مازالوا في حالة صراع مع الكيان، الذي
استطاع أن ينفرد بهم، ويعزلهم عن محيطهم العربي، وأحياناً بموافقة
عربية، فالصراع لم يعد صهيونياً عربياً ولكن صهيوني فلسطيني.
ويبني كثير من
المسؤولين العرب مواقفهم قياساً على التعامل الصهيوني الفلسطيني
اليومي، من اجتماعات وعقد اتفاقيات وغيرها، وهذا ما يبرر لهم التعامل
بالمثل، وهو أمر لا يمكن لأي عقلية عربية أصيلة مدركة قبوله، فالمساندة
العربية مطلوبة وضرورية وملحة، وعدم قيام العرب بإقامة علاقات مع
الكيان الصهيوني يشكل دعماً كبيراً للفلسطينيين.
القمة العالمية
للمعلومات التي عقدت في تونس الخضراء، أربكت اللون الأخضر. ففي السابق،
كان يرفض كثير من الرؤساء حضور اجتماع أو مؤتمر يحضره الكيان، والآن
تغير الأمر، فهل هذه من ثمار العولمة، أم تطبيع غير مباشر أم ماذا؟
مهما يكن من
أمر، فإنه يمكننا القول بكل ثقة، إن القرار العربي لم يعد واحداً وقد
يهزأ كثيرون من هذا الاكتشاف، ونحن نعلمه، ولكننا نعيد تأكيده، وهو ما
يشكل خطراً على مستقبل المنطقة العربية، لأن هدف الكيان الصهيوني كان
ولا يزال، تقطيع الجسد العربي، وتفتيت الكلمة العربية الواحدة، ويبدو
أنه نجح إلى حد بعيد، ولكن، هل نجح بنفسه، أم ساعدناه على النجاح.. وكل
قمة معلوماتية والعالم العربي بخير.