التطبيــع جهــاراً
د. حسن حنفي
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 29/1/2005
كانت النظم
العربية التي عقدت معاهدات سلام مع الكيان الصهيوني تطبع العلاقات معه
سراً، ومن وراء ستار، في الزراعة، والصناعة، وحديد التسليح والأسمنت
والنفط والغاز. أما الشعوب ممثلة في مؤسساتها الثقافية والعلمية فإنها
كانت ترفض التطبيع.
وكانت دولة
أخرى في أقصى المغرب العربي وعلى المحيط الأطلسي وليست من دول البحر
الأبيض المتوسط قد عقدت معاهدة سلام مع العدو الصهيوني مع أنها بعيدة
عن قلب المعركة وليست من دول الجوار مع فلسطين. إلا أنها رأت في ذلك
تدعيماً للنظام السياسي القائم من أميركا و"إسرائيل" وإعلاناً عن
التوجه الغربي المطلوب في عصر العولمة.
وفي أقصى الشرق
وفي منطقة الخليج تسعى بعض الأنظمة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني
بطريق غير رسمي. مكاتب اتصال أو تجارة، تبادل للمنافع في استثمار رؤوس
الأموال وعوائد النفط بفوائد بنكية أكبر، خطوة نحو تصديره إلى المتوسط
عبر الكيان الصهيوني. وكذلك يتم نصف سراً ونصف جهراً. ثم حدث تحول نوعي
في ممارسة التطبيع من السر إلى العلن، ومن الصمت إلى الجهر، ومن الحياء
إلى الفخر، ومن الكره إلى الطوع، ومن الطاعة إلى المبادرة.
فعلى الصفحة
الأولى في الصحيفة القومية الأولى لدى الشقيقة الكبرى، يتم الإعلان عن
اتفاقية "الكويز" اختصاراً للمناطق الصناعية المؤهلة Qualified
Industrial Zones التي تعلن شراكة بين دولة عربية،
كبرى أو صغرى مع الحليف الأميركي والعدو الصهيوني، جهاراً وبالبنط
العريض. فالنظام العربي يُعلن جهاراً عن التطبيع كسياسة رسمية. ويبين
مغانمه الاقتصادية. فهناك آلاف لفرص العمل ضد البطالة. وهناك أسواق
جديدة مفتوحة للتصدير ومن ثم زيادة الدخل القومي. وهناك تحديث للمصانع
القديمة المستهلكة التي لم تعد قادرة على المنافسة مع إنتاج المصانع
الجديدة للغزل والنسيج. والواقع غير ذلك. فأجزاء من تحديث المصانع لدى
العدو الصهيوني والتصدير للأسواق العالمية بما في ذلك السوق الأميركي
مشروط بملفات حقوق الإنسان والمرأة والأقليات وتحقيق بنود مشروع الشرق
الأوسط الكبير.
ومن كان يدري
قبل القبض على عزام عزام أن جاسوساً لإسرائيل كان يعمل في مصنع الغزل
والنسيج في المحلة الكبرى؟ والقطاع الخاص هو الذي سيقوم بالشراكة بكل
ما فيه من فساد وتهريب للأموال. وإن وُجد ربح فلرجال الأعمال وليس
لجموع الشعب وتوفير حاجاته الأساسية للبقاء. النتيجة هي السيطرة على
الاقتصاد، وتحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد خدمات تابع وليس إلى
اقتصاد إنتاج ومبادرة. وتنفذ السيطرة إلى قلب الاقتصاد المصري الوطني
منذ طلعت حرب والقطاع العام منذ عبدالناصر، وهي صناعة الغزل والنسيج
فخر الصناعة المصرية وعمودها التقليدي الأول من قطن مصر وعمالة وإبداع.
ومن ثم يزدهر التطبيع ويكثر عدد المطبعين ما دامت الجيوب عامرة للقلة
حتى ولو كانت المعدة خاوية للكثرة.
والأخطر من
الاقتصاد هو السياسة. ومنها الإعلان الرسمي عن الحلف المصري الأميركي
الإسرائيلي جهاراً، وتكوين محور جديد داخل الوطن العربي بين الشقيقة
الكبرى وأعداء العرب التقليديين "إسرائيل" وأميركا. فتنقلب الحياة
السياسية رأساً على عقب، وتنتهي الثوابت الوطنية في الوطن العربي.
وتنشأ أجيال جديدة لا تفرق بين الصديق والعدو. ترى أن رأس المال ليس له
وطن، وأن التجارة شطارة، وأن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل، وأن
الأجنبي النافع خير من الوطني الضار. فيقضي على وحدة الوطن العربي، وجر
القلب إلى سياسة الأحلاف ومناطق النفوذ، وهو الذي طالما وقف ضدها
وقاومها منذ حلف بغداد إلى محور الرياض- طهران- كراتشي في بداية الثورة
المصرية. وتصبح سياسة الأمر الواقع باسم السياسة الواقعية
Realpolik هي السائدة. فإسرائيل أقوى دولة في
المنطقة العربية، وأميركا أقوى دولة في العالم، والعرب ضعاف مشتتون
مختلفون قطريون يعانون من التمزق والتخلف والتسلط والحروب الأهلية.
وأصبحوا لا وزن لهم على المستوى الدولي ولا ثقل لهم في مسار التاريخ.
فالبديل الوحيد في الداخل هو النظام العربي الحالي ولا بديل غيره.
والبديل الوحيد
في الخارج، هو التحالف مع "إسرائيل" وأميركا ولا بديل غيره. وكل ذلك
مكسب للقضية الفلسطينية، ومساعدة لشعب فلسطين ليس عن طريق المقاومة
بالحجارة أو بالسلاح بل عن طريق المواثيق الدولية والتأييد الأوروبي
وخريطة الطريق. فالعرب يكسبون بالسلام ما افتقدوه بالحرب. ويُشرع
لسياسة الهرولة نحو المحور الجديد بل قد يقع التنافس بين العرب، بين
مصر والأردن مثلاً، لكسب ود الحليف الجديد، كل منهما يريد تقديم مزيد
من الخدمات وتحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع. وما يصرح به الخليج
جهاراً ويمارسه فعلاً تسبق إليه دول الجوار وتحققه عملاً. والغاية
النهائية هي القضاء على ما تبقى من صمود الإرادة الوطنية في سوريا
وإيران ولبنان، بحصار سوريا، وتهديد إيران، وتفتيت لبنان. مع أن تركيا
حاولت ذلك في سياساتها التقليدية منذ الثورة الكمالية وبدأت تتراجع بعد
ما يزيد على سبعين عاماً إلى سياسة وطنية عربية إسلامية بعيداً عن
الحلف الأميركي الإسرائيلي.
والأخطر من
الاقتصاد والسياسة هي الثقافة. التطبيع جهاراً، والاعتراف بالصهيونية
علنا، من أجل صهينة العقل العربي، والاستسلام لمنطق القوة، "إسرائيل"
في الداخل وأميركا في الخارج. وتنتهي القصص القديمة التي سادت في
الخمسينيات والستينيات عن التنمية المستقلة، والاعتماد على الذات،
والسوق العربية المشتركة، والتكامل العربي، والوحدة الاقتصادية العربية
والقومية العربية. فقد أدى كل ذلك إلى هزيمة يونيو- حزيران 1967.
الخطورة على الثقافة أن تتحول الأقلية المطبعة إلى أكثرية، وأن ما يتم
سراً يتم علناً، وأن ما يستحي من الناس يصبح لا حياء فيه. و"أن لم تستح
فاصنع ما شئت". الخطورة أن تهتز قناعات، وتحل محلها قناعات أخرى، فتهتز
النفس، ويضطرب الوجدان بعد أن تتحول الثوابت إلى متغيرات، والمتغيرات
إلى ثوابت.
والأخطر من
الاقتصاد والسياسة والثقافة هو التاريخ. إذ قد يتحول التطبيع جهاراً
إلى تغيير مسار التاريخ ابتداء بحصار الأوطان ونفي الإرادة الوطنية
المستقلة والدولة الوطنية المستقلة التي كانت حصيلة حركات التحرر
الوطني، وكلفت ملايين الشهداء ثم يأتي حصار المعارضة العربية التي تسبح
ضد التيار حتى تبدو قديمة تتبع أساطير الأولين خارج العصر والزمان،
تجرفها الواقعية السياسية وتذويها في أقبية التاريخ. ثم يأتي حصار ما
تبقى من كرامة. فيصبح الواقع هو القاعدة والوطن هو المثال. ينتهي عصر
الأيديولوجيا ليس إلى التكنولوجيا كما كان قديما بل إلى سوق المال.
وكما تنتهي الوطنية تنتهي القومية التي أدت إلى ضرب الثورة الإسلامية
في إيران في ظهرها بعد عامها الأول، ثم إلى احتلال الكويت ثم إلى
احتلال العراق. وتـُحاصر الحركة الإسلامية الباقية التي مازالت تقاوم
نظراً لأنها الوحيدة تقريبا في الساحة، في فلسطين والعراق، ضد الاحتلال
وفي سائر الأقطار العربية ضد القهر والفساد، ونظراً لأنها غير شرعية في
معظم الحالات تبدو وكأنها عنيفة فيتم تشويهها في الداخل والخارج. لم
يبق إلا الاستسلام التام، والتطبيع جهاراً وليس سراً، والتبعية عملا
بإرادة حرة وطوعاً وليس جبراً وكرها. ويتم الاستسلام للنظام الدولي
الجديد ولجدول الأعمال المفروض من الخارج: العولمة، صراع الحضارات،
نهاية التاريخ، العالم قرية واحدة، قوانين السوق للغرب. وجدول أعمال
آخر لنا: حقوق الإنسان دون حقوق الشعوب، وحقوق الأقليات دون حقوق
المواطنة، والإدارة العليا بديلاً عن الدولة الوطنية، والتعليم الخاص
بدلاً من التعليم الوطني، والتأهيل بعلوم السوق وإدارة الأعمال واللغات
والحاسبات الآلية وليس بالتعليم الوطني لإعداد المواطن الصالح.
وتضعف الذاكرة
العربية ويطويها النسيان. ويغيب الخيال العربي. ويختفي المتنبي
والمعري. وتنسى الأجيال القادمة أحمس وصلاح الدين ومحمد علي
وعبدالناصر، طاردو الغزاة، ومؤسسو الدول، وحماة الشعوب، والمحافظون على
مسار التاريخ من الانكسار أو الردة.
التطبيع جهاراً
و(لا يحب الله الجهر بالسوء). ولا يجوز الخضوع إلا لله طوعاً أو كرهاً
(وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً و كرهاً). وهو وحده الذي يأمر
(فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً). وفي المأثور "تجوع الحرة ولا
تأكل بثدييها".