الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الشّروع في تغيير خريطة الشرق الأوسط بتغيير خريطة لبنان

 

د. عبدالهادي بوطالب

صحيفة الخليج الإماراتية 7/8/2006

 

زُرعت "إسرائيل" شوكة مدمية في خاصرة العالم العربي سنة 1948 تحقيقاً لوعد بلفور الذي أعطته إنجلترا لليهود سنة 1917 باتفاق الأطراف الغربية بما فيها الاتحاد السوفييتي الشرقي الغربي وأنشئت "إسرائيل" مكلفة مهمة إضعاف الكيانات العربية لتصبح لُقمة سائغة سهلة الابتلاع. وراهن الأقطاب على جعل "إسرائيل" قوة ضاربة مزلزلة للكيانات العربية الهشّة التي لم تكن تتوفر على مقومات الصمود في وجه العدوان "الإسرائيلي" ونشأت متداعية للسقوط أو متربصة الوقوع.

 

وطيلة الحروب التي قامت بين "إسرائيل" ودول الجامعة العربية في المشرق العربي لم تسجل هذه الدول ولو انتصاراً واحداً على الجيش "الإسرائيلي" العتيد رابع جيش في العالم، ومالك السلاح النووي، الذي حصلت عليه "إسرائيل" بفضل الولايات المتحدة الأمريكية.

 

لخصت "إسرائيل" رهاناتها في التطلع إلى أن تكون الدولة الأقوى بين المجموعة العربية، وفي أن تحقق أملها في اغتصاب كامل أرض فلسطين وتحويلها إلى أرض "إسرائيلية" كخطوة أولى على طريق إقامة "إسرائيل" الكبرى.

 

لم تكن أمام "إسرائيل" قوات عربية من المشرق العربي تخشاها باستثناء مصر وسوريا، فشنّت عليهما وعلى الأردن حرب الستة أيام سنة 1967 لإنزال هزيمة بالدول الثلاث، وفقدت فيها مصر وسوريا أجزاء من ترابهما الوطني. ولا يزال الجولان السوري إلى اليوم تحت الاحتلال وسيناء المصرية معزولة ومُحيّدة. وفي مخطط غزو العراق من لدن الولايات المتحدة راهنت هذه الأخيرة على دكِّ معقل سوريا في نطاق سياسة دكّ المعاقل الرافضة ل "إسرائيل". ودور سوريا يقترب اليوم بعد دكّ معقل العراق الذي أصبح حليفاً طَيِّعاً وتابعاً للولايات المتحدة.

 

لبنان كان الدولة الثالثة في محيط المشرق العربي التي تزعج "إسرائيل" وتضايقها، لا لقوة عسكرية تملكها، فقد اختار لبنان أن ينهج نهج سويسرا في أوروبا ويبني كيانه في ظل السلام والتعايش والبعد عن التورط في الحرب، واختار ألا يكون له جيش ضارب مغامر في الحروب. لكنه مع ذلك ظل يشكِّل ل "إسرائيل" هاجساً مخيفاً بما كان يملك من أسلحة تماسك وحدته الوطنية، وتعدديته الدينية والسياسية والطائفية، وباختياره أن يكون منطقة اقتصادية حرة، وبلداً ديمقراطياً ضارباً المثل لدول المنطقة بكمال ديمقراطيته ونجاحها ما جعله قِبلة الأنظار، والبلد المثالي المنفتح على زائريه من كل جنس ودين وطائفة ولون. وقد اشتهر لبنان بفصله الصيفي الذي تزدهر فيه السياحة العالمية. وبلغ أوج كماله عندما أصبح نظامه السياسي والاقتصادي يعطي عن نفسه صورة النظام القدوة الجدير بالاحتذاء إلى حد أن المجتمع الدولي روَّج لمقولة التوجه إلى حل مشكلة النزاع "الإسرائيلي"  الفلسطيني بإقامة نظام عربي يهودي شبيه بنظام لبنان على الأراضي الفلسطينية تحتضن دولته الواحدة رعايا اليهود والعرب معاً حسماً للنزاع.

 

ربما كانت "إسرائيل" لا تُظهر العداوة للبنان بالقدر الذي تُسِرُّه وتُعلنه لكل نظام عربي، لكنها بكل تأكيد ظلت تَحسد لبنان وتغار منه لتمتعه بالاستقرار ونعمة التعايش والديمقراطية والحرية والتعددية. "ويأكل الحسد من الجسد ما تأكل النار من الحطب". لذا لم تتورّع "إسرائيل" عن حشر أنفها في الحرب الأهلية التي عرفها لبنان. ولم يزعجها شيء مثلما أزعجها وأرَّقها اتفاق الطائف. ولا يوجد في بلد عربي ما يوجد في لبنان من أجهزة استخبارات الموساد "الإسرائيلي". وهو المحرك لتوجهات الجيش "الإسرائيلي" الحاكم في المؤسسة العسكرية المسمَّاة "إسرائيل".

 

تسْتبْلِد "إسرائيل" والولايات المتحدة العالم بادعائهما أن "إسرائيل" إنما شنَّت الحرب على لبنان لمواجهة تحدِّي حزب الله وأنها إنما تكلفت مشقة خوض الحرب الضروس ضده لردع حزب الله وقمعه بغزوه في عقر داره بالجنوب وحمله على تسريح الأسيرين "الإسرائيليين"، وأنها ستوقف النار عند انتهاء مهمتها في الأجل الذي تحدده. والمؤكد أنه لا صحة مطلقاً لهذه الادِّعاءات التي لم تخدع أحداً.

 

إذا كان الهدف فقط تأديب حزب الله، فلِمَ طال اعتداؤها لبنان كله أرضاً وجواً وبحراً وشمالاً وجنوباً؟ ولماذا كان عدد القتلى والمصابين المدنيين، - وخاصة من الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة - لا يقارَن بالعدد المحدود من مصابي حزب الله وقتلاه؟ ولماذا عمَّ خرابها وتدميرها وقتلها وتشريدها مدن وقرى لبنان بما فيها بيروت البعيدة عن معقل المقاومة؟ إن الأمر يتعلق بكل تأكيد بتصفية حساب "إسرائيلي" مع لبنان العظيم القلعة المتميزة الذي ظلَت "إسرائيل" تجترُّ طيلة سنوات شعور الغيرة والحسد منه.

 

وقد اهتبلت "إسرائيل" فرصة اعتقال الأسيرين، لتحوِّل حربها على لبنان إلى حرب جهنم، هذه الحرب التي ورثها أولمرت عن سلفه شارون الذي سمَّى حربه على فلسطين بكل صفاقة بهذا الاسم.

 

من ينخدع لادِّعاء أن حرب جهنم اللبنانية إنما شنت من أجل أسيرين "إسرائيليين"، و"إسرائيل" تحتفظ في سجونها بأزيد من عشرة آلاف عربي؟ إنه شعور العنصرية المخزي الذي قامت "إسرائيل" على أساسه باعتبار اليهود شعب الله المختار المطلوب منه دينياً قتل الأغيار (غير اليهود) كما جاء صريحاً في التلمود. واعتماداً على ما جاء في هذا الكتاب أفتى الأسبوعَ الماضي - وحرب لبنان على أشدّها - حاخامات "إسرائيل" بوجوب قتل المدنيين العرب والتقرب بدمهم إلى الله نساء وأطفالاً وشيوخاً لأنهم أعداء الله.

 

وبعد مجزرة قانا التي لم يتقدم في التاريخ لها نظير، ألا يحتشم البيت الأبيض وهو يُسند ويُؤيد ويتبنى مجازر "إسرائيل" ويُسوف من موعد لآخر في المجتمع الدولي صدور أي قرار بإيقاف حرب جهنم.

 

ما أبعد أمريكا اليوم عن أمريكا المرحومة أمس! تلك الدولة العظمى التي كم كان يشرفها دفاعها المستميت عن قضية تحرير الشعوب من الاستعمار الأوروبي، ومن الديكتاتورية النازية والفاشية والشيوعية. وها هي أمريكا اليوم تتنكَّر لماضيها المجيد وصورتها المشرقة.

 

كيفما كانت نهاية حرب "إسرائيل" على لبنان - حتى لو سحق الجيش "الإسرائيلي" المعزز بالسلاح الأمريكي والقنابل الذكية الأمريكية جميع مقاومي لبنان، وحتى لو أقبر تحت الأنقاض جميع زعماء حزب الله - فلن يربح هذه الحرب إلا مقاومة حزب الله، التي سيخلِّد التاريخ ذكراها كحركة أنزلت الهزيمة بالجيش "الإسرائيلي" الذي اشتهر بأنه الجيش الذي لا يُقهر ولا يُهزم. ولن تقدم هزيمة حزب الله للولايات المتحدة ول "إسرائيل" ثمناً مفيداً يساعدهما في صنع الشرق الأوسط الكبير الذي لن يكون في جميع الحالات شرق الشعوب، بل شرق النظم المغلوبة على أمرها.

 

المجد للبنان العظيم العملاق الذي تريد الحرب "الإسرائيلية"- الأمريكية أن ترسم له في خريطة الشرق الأوسط الجديد - إذا ما عرف الوجود - صورة لبنان القزم الخَنوع. والمجد لوحدته المتراصَّة بين جميع فصائله التي تفرض احترامها والإعجاب بها وهي تساند بالإجماع حركة حزب الله المغوار البطل.