|
حرب بين من لا ينتصر ومن لا
ينهزم
د. سليم الحص
صحيفة الخليج الإماراتية
22/9/2005
إنها الحرب التي لا نهاية
لها. ففي جانب منها قوى لا تنتصر وفي الجانب الآخر قوى لا تنهزم. إنها في واقع
الحال حروب ولكنها تُختصر في صراع بين قوتين. حرب "إسرائيل" على فلسطين، وهي إيّاها
حرب الصهيونية على العرب، والدولة العظمى أمريكا تقف فعلياً إلى جانب "إسرائيل"
والصهيونية، فتمدّها بالدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي.
وكانت حروب أمريكا
المتتالية في شتى أرجاء العالم منذ الحرب العالمية الثانية، فكانت حرب كوريا وحرب
فيتنام وإنزالات عسكرية أمريكية هنا وهناك، كان منها إنزال في محيط مطار بيروت
الدولي في الثمانينات خلال الأزمة اللبنانية الدامية والمتمادية. وكانت آخر حروب
أمريكا في أفغانستان ثم في العراق. ما انتصرت الدولة العظمى في كوريا أو في فيتنام
إذ انتهى الصراع على انقسام دائم بين الشمال والجنوب في كلا البلدين. ولم تنتصر
الدولة العظمى في أفغانستان ولا في العراق، حيث الحرب ما زالت سجالاً. في الحالات
التي أنزلت أمريكا قواها البحرية أو البرية انتهى الأمر بانسحابها على غير ما نتيجة
حاسمة. فهي لم تنتصر، ومن حاربتهم لم يهزموا، ولن يهزموا.
كذلك هي حرب "إسرائيل" على
فلسطين، في إطار حرب الصهيونية على العرب. الدولة العظمى طرف مباشر فيها. هي في
مقدم صانعي القرارات الدولية التي قسّمت فلسطين، والقرارات الدولية التي مكّنت
الصهيونية من تحصين اغتصابها للأراضي والحقوق العربية، وكانت حامية للكيان الصهيوني
في إهمال القرارات الدولية التي تحفظ الحق العربي لا بل في تعطيل تلك القرارات.
فأين آلت هذه الحرب؟ ما زالت الحرب سجالاً، الأقوى فيها عسكرياً لم ينتصر والأضعف
فيها عسكرياً لم ينهزم، أو أقلّه لم يستسلم. كانت هناك اختراقات مهمّة لحالة الحرب
ولكن الحرب لم تنتهِ. أول اختراق كبير كان في كامب دايفيد الذي أسفر عن توقيع اتفاق
بين مصر، كبرى الدول العربية، و"إسرائيل". وكان الثاني في وادي عربة حيث وقع اتفاق
بين الأردن والدولة العبرية، في الحالتين توقف القتال ولم يتحقق السلام.
يحلو لنا أن نميّز بين
السلام والتسوية. كلاهما يسجّل نهاية للقتال أو الصراع المسلّح مع فارق كبير.
فالسلام يقترن برضى الشعب واقتناعه ويتلازم تالياً والاستقرار، ومن آياته تطبيع
العلاقات على شتى الصعد السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. كيف يمكن أن يُسمى
اتفاق كامب دايفيد أو اتفاق وادي عربة سلاماً والشعب المصري كما الشعب الأردني غير
مقتنع بما تمّ أو غير راضٍ عنه أو غير مكتفٍ به؟ وهذا بدليل أن تطبيع العلاقات لم
يسجل أي تقدّم محسوس: فلا البضائع "الإسرائيلية" متداولة في السوقين المصرية
والأردنية على نطاق واسع أو ملموس، ولا السياح "الإسرائيليين" يتجوّلون في حرية في
شوارع القاهرة أو عمّان.
لا بل ما زال "الإسرائيلي"
في الأدبيات السياسية كما في الكتابات الإعلامية هو العدو الصهيوني. هذا ناهيك عن
أن الجبهات الأخرى ما زالت على مستوى العداء السافر، كما على الجبهة اللبنانية
وكذلك السورية، فضلاً عن أن الانفتاح على "إسرائيل" في سائر الأقطار العربية ما زال
خجولاً ومحدوداً جداً. هذا من دون أن ننكر أن ثمة محاولات للانفتاح تحت ضغط الدولة
العظمى أو بدافع محاباتها أو استرضائها. وإذا كان التردد ما زال سيّد الموقف على
هذا الصعيد فلعلّ السبب هو بقية باقية من مهابة الحكام العرب لشعوبهم.
التراخي العربي الرسمي حيال
"إسرائيل" كان له تجلّيات كبيرة. منها انقلاب في موريتانيا يؤكّد أول ما يؤكّد
استمرار الانفتاح على الكيان الصهيوني. ومنها اجتماع وزير خارجية قطر مع وزير
خارجية "إسرائيل" في نيويورك، على هامش قمة الأمم المتحدة، والحديث عن تمهيد للقاء
قمة يعقد مستقبلاً بين رئيسي البلدين، ومنها مبادرات من الشقيقة الكبرى مصر، على
صعيد الاستخبارات، قامت فيها بدور الوسيط بين "إسرائيل" والفلسطينيين إبّان التحضير
لانسحاب المستوطنين اليهود من غزّة وبعده. ومنها تنويه بعض المسؤولين العرب
بإيجابية خطوة شارون في سحب المستوطنين وكأنما في الأمر منّة، متجاهلين دور
المقاومة الفلسطينية وإدراك "إسرائيل" عجزها عملياً عن حماية بضعة ألوف من
المستوطنين اليهود وسط يم من الفلسطينيين يتجاوز تعدادهم المليون وثلاثمائة ألف
نسمة في منطقة غزة. ومنها بوادر من دول إسلامية مثل إندونيسيا وماليزيا وباكستان
للانفتاح على "إسرائيل" على سبيل المكافأة لها على الانسحاب من غزّة. ومنها أن
أحداً من الحكّام العرب لم يعد يسمح لنفسه بأن يلفظ كلمة "احتلال أمريكي للعراق".
فإذا لم يكن الوجود العسكري الأمريكي في العراق احتلالاً، فما هو؟ وعلامَ هذا
الإغضاء العربي عنه؟
مع ذلك كله فالحرب ما زالت
سجالاً: في فلسطين، في العراق، في أفغانستان، بين العرب والصهيونية عموماً. هذه
الحرب، على تلاوينها وتشعّباتها، لن يكون فيها غالب ومغلوب. إنها حرب بين قوة الحق
وحق القوة. "إسرائيل" والدولة العظمى تعتصمان بحق القوة. إنه منطق أن الأقوى هو
دوماً على حق، وما على الأضعف إلاّ أن يرضخ ويسلّم بأمر كان محتوماً.
أما العرب فيتحصنون بقوة
الحق. إنهم مؤمنون بحقّهم في أرضهم وفي حريتهم وفي حياة كريمة لهم ولأبنائهم. إن
منطق الحق للقوة يعرّض العالم لحكم شريعة الغاب. والمؤمن بحقه لا يتنازل عنه أيّاً
يكن ميزان القوى الذي يتحكّم بالساحة الدولية. وقد أظهرت العمليات الاستشهادية أن
لا حدود للتضحيات التي يمكن أن يقدّمها صاحب الحق دفاعاً عن حقّه. فليس أغلى على
المرء من حياته، وعندما يغدو المرء على استعداد لبذل حياته فداء حقه يغدو الحق في
حرز حريز، ليس من قوة في العالم تستطيع أن تلغيه أو تنال منه. والعرب حتى اليوم لم
يستسلموا، ولم يتخلوا عن جوهر حقّهم تحت ضغوط القوة الغاشمة.
الكلمة الفصل لا يمكن أن
تكون للقوة الغاشمة في صراع يكون فيه الحق ناصعاً. أعداء العرب يمتلكون أسلحة
الدمار الشامل على أشكالها. فما استطاع هؤلاء استخدامها ضدّهم، ولن يستطيعوا. في
المقابل يمتلك العرب سلاحاً ماضياً هو سلاح المقاومة، سلاح الفداء. هذا السلاح لم
يتردد العرب في امتشاقه دفاعاً عن حقّهم، وكان حتى اليوم فاعلاً جداً. بهذا السلاح
لن يتمكّن العرب من سحق "إسرائيل" أو أمريكا، ولكنه يحول دون سحقهم وهزيمتهم. إنه
سلاح الصمود.
لا ريب في أن العرب
استطاعوا حتى اليوم الصمود في التمسّك بحقّهم. الدولة العظمى، ومعها "إسرائيل"،
تتميّز على العرب باقتنائها التكنولوجيا الحربية الأكثر تطوراً، والعرب يتميّزون
على أمريكا، ومعها "إسرائيل"، بامتلاكهم القنبلة البشرية. وأنا أعتبر أنه إذا كان
للعرب أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم، فإن الأولوية بين مطالبهم يجب أن تكون لعودة
اللاجئين الفلسطينيين جميعاً إلى ديارهم في فلسطين بموجب القرار 194 الصادر عن
الهيئة العامة للأمم المتحدة. فإذا ما تمّ ذلك فإن ذلك وحده كفيل بإفقاد الدولة
العبرية هويتها العبرية وبالتالي مبرر وجودها. كان العرب في المراحل الأولى من قضية
فلسطين يطالبون باستعادة فلسطين وقذف اليهود في البحر. هذا الطرح لم يعد له مكان في
الرؤية العربية. فالمطلب اليوم هو استعادة فلسطين والتعايش مع يهود "إسرائيل".
وقد أظهرت التجارب أن
المقاومة أقوى على الصمود من أي جيش نظامي. فحركة "حماس" الفلسطينية تقاوم
"الإسرائيلي" في عقر داره، وهو لا يقوى على قهرها، وهي قادرة على الصمود إلى ما لا
نهاية. ولو كانت "حماس" جيشاً نظامياً لسحقته "إسرائيل" بأسلحتها المتطوّرة في
ساعات. أما "حماس" المقاومة فقادرة على الصمود إلى الأبد. ولبنان أنموذج آخر: كانت
المقاومة هي التي طردت الاحتلال من أرض لبنان، وما كان باستطاعة الجيش اللبناني
النظامي ذلك في ظل التفوّق العسكري الساحق للجيش الصهيوني.
نحن لا ننكر أننا في ما
يشبه عصر الانحطاط بتشرذم الموقف العربي الرسمي وذبذبته وانصياعه للضغوط من دول
كبرى، في ظل ما يشبه الهجعة في الرأي العام العربي قد يكون مردّها إلى انشغال
الإنسان العربي بمشاكله عن قضاياه وكذلك القمع الذي تمارسه الأنظمة العربية على
شعوبها. ولكن الحقيقة أيضاً أننا لم نستسلم ولم نقبل الهزيمة، وقضيتنا ما زالت حية
جداً في وعي أبناء الأمة كما على الساحة الدولية. الحرب التي شُنّت وتُشن علينا
ضارية، ولكنها حرب لم ينتصر فيها عدونا ولن ينتصر، ولم نهزم فيها ولن نهزم. الصمود
هو طريقنا إلى النصر بإذن الله مهما طال الزمن. أما مضمون النصر، أي كيف يكون ومتى،
فهذا ما يجب أن نحدده نحن بعد يقظة، لا بدّ، آتية.
|