|
التقاني أحد
طلابي بعدما قامت إدارة الجامعة التي عملت فيها ذات مرة بإنهاء خدماتي
بناء على طلب من جهاز المخابرات، و قال لي : "أتعلم يا أستاذ كم عدد
التقارير التي كتبتها ضدك للمخابرات ؟" ، طلبت منه أن يتفضل فقال : "إنها
تسع" . فسألته فيما إذا كان لي نصيب من الأجر الذي حصل عليه لقاء
جاسوسيته ، فابتسم و قال : "علمونا كيف نكون بلا ضمير أو أخلاق" . هذا
واحد من عدد كبير من الطلاب الذين كانوا يستمتعون في كتابة التقارير حول
المحاضرات و النقاش الذي كان يتم خلالها . و لم تنحصر جهودهم في الكتابة
ضد المدرس و إنما امتدت إلى الطلاب أيضا .
لقد عملت في
عدة جامعات عربية والمشكلة ذاتها حيثما ذهبت، رجال المخابرات في كل مكان
يستنفرون أقلامهم وربما أجهزة التسجيل ويتابعون ما يقال في الحرم الجامعي
سواء داخل غرفة الدرس أو خارجها. ولاحظت التنوع أيضا من حيث إنهم لا
يقتصرون على جهاز مخابرات الدولة التي تقع فيها الجامعة، وإنما يخدم
بعضهم أجهزة عربية أخرى وأجهزة الأمن (الإسرائيلية). وهم لا ينحصرون في
الطلاب فقط، وإنما منهم المدرسون والإداريون وحملة الدكتوراة. لقد فوجئت
مثلا أن أحد زملائي من حملة الدكتوراة في القانون قد أشبعني تقارير لجهاز
المخابرات وإدارة الجامعة. أما دكتور آخر فكان يزورني في البيت باستمرار
ويصر على اصطحابي في جولات ساهرة ليحدثني عن أهمية الثورة والتغيير
الاجتماعي والسياسي في الوطن العربي .
بسبب إصراري
على حريتي و رفضي أن أكون عبدا للراتب أو للخوف من الاعتقال أو الموت
رأيت في هذه الأمة ما يرسخ لدي القناعة أن لا جدوى من الوضع الحالي و لا
بد من إحداث تغيير بل انقلاب في هذا الوطن . رأيت نائب رئيس جامعة يحمل
سلاحا داخل الحرم الجامعي و في مكتبه الرسمي إرهابا للآخرين ، و رأيت
رئيس جامعة يرسل قضايا أكاديمية لمدرسين إلى جهاز المخابرات للبت فيها ،
و عرفت حالات كثيرة يعطى فيها طلاب و طالبات علامات تسعينية في مواد لم
يواظبوا على الدوام فيها ، و اطلعت على حالات إسقاط لفتيات من أجل
استخدامهن كأدوات لتوريط مدرسين أو إداريين ، و علمت بحالات كثيرة يدخل
فيها الطالب المخابرات إلى مكتب المدرس ليتفل في وجهه أو يضربه و يحذره ،
ال خ. من الصعب أن يعمم المرء تجاربه على أمة بأكملها ، لكن المؤشر يكون
قويا عندما تكون الإصابة في قمة الهرم التعليمي .
ينشط رجال
المخابرات في الكليات الاجتماعية و الإنسانية ، ذلك لأنها مرتع الأفكار و
التحليلات السياسية و الاجتماعية و التربوية و الأخلاقية . إنها على
علاقة وثيقة بترتيب أوضاع الشعب أو الأمة و تلمس باستمرار على الجوانب
الهامة في إدارة الأمة و مقدراتها . و لهذا لا بد من صنع جو من الخوف و
التوجس بحيث يتحول التعليم فيها إلى درب من دروب الرومانسية و منفصل عن
نشاطات الحياة . يجب أن تبتعد المهمة التعليمية عن فهم الواقع و نقده و
البحث في سبل تطويره ، و أن تحلق عاليا في أجواء الميتافيزقيا أو بعيدا
إلى ما ينتمي إلى عالم آخر لا علاقة له بالإنسان إلا من زوايا افتراضية .
من السياسة الرسمية العربية أن تكون هذه الكليات مجرد شكل بدون جوهر بحيث
يمضي طالبها وقتا وفيرا في الكافيتيريا و تهتم طالباتها بمتابعة الأزياء
و تسريحات الشعر و من ثم تحصل على شهادة خاوية ، وزنها من الملاحظات
أربعون دفترا أو كشكولا نصف أوراقها بيضاء .
وحتى لا
يحصل الطالب أو الطالبة على شهادة ذات قيمة فإن على المدرس ألا يأخذ
العملية التعليمية بجد و أمانة و أن يحرص على إظهار النفاق و التفاهة .
يضمن مندوبو المخابرات الجالسين بأدب في غرفة الدرس التزام المدرس بما
يسمى في هذا الوطن الكبير حسن السيرة و السلوك . و لهذا كان يركز زميل لي
في العلوم السياسية على بلاد الواق واق في ضرب الأمثلة أو في أسئلة
الامتحانات . سألته ذات مرة فيما إذا كان يشعر أنه يخون الأمانة العلمية
في تخيل هذه البلاد و ابتعاده عن الواقع فأجاب بالنفي معللا بأن الأمة
التي تنجب طلابا يتجسسون على مدرسهم لا تستحق ذرة من تأنيب ضمير . وأضاف
بأنه استعمل حينا بلاد الماو ماو في أمثلته إلا أن أحدا همس في أذنه أن
في المثل نفسا من التمرد و الأفضل استبداله حرصا على المصلحة .
أما مدرس
آخر في علم الاجتماع ضاق فيه الوطن العربي ليأتي بمثال عن الحركات
الإسلامية و التغيير الذي تتطلع إليه فأتى بالفلبين كمثال . تم استدعاؤه
إلى دائرة المخابرات في اليوم التالي و أعطي معلومات قيمة من قبل رجل
المخابرات الذي قال له بأن المثال يؤدي إلى إساءة العلاقة بين العرب و
الفلبين و أن الحكومة تبذل قصارى جهدها الآن لتدارك الموقف في حال تناهي
أخبار المحاضرة إلى حكومة الفلبين . و أضاف بأن الحكومة تنتظر مكالمة من
ممثل الولايات المتحدة يحذر فيها من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تترتب
على مثل هذا التدريس ، منبها إلى المساعدات المالية التي تحصل عليها
البلاد من أمريكا . طمأن رجل المخابرات الدكتور بأنه لن يتم اتخاذ
إجراءات ضده و نصحه بأن لا يكرر الخطأ . أشار الدكتور بسذاجة إلى أهمية
الأمثلة في التدريس فقال له رجل المخابرات أن يدرّس بدون أمثلة .
نجا هذا
المدرس بجلده مقارنة مع مدرس آخر سأل في أحد الامتحانات عن أهمية بناء
مؤسسات لا تقوم على أسس شخصية في بلاد الشرم برم . امتدح أحد الطلاب
تغييب العقلية القبلية في البناء و اعتبر النمط العائلي في إدارة المؤسسة
نمطا متخلفا يقود إلى الفساد و التخريب و إضاعة أموال الأمة . حصل الطالب
على علامة عالية ، لكنه لم يهنأ بها لأن أحدهم كان قد علم بالإجابة و
العلامة . أرسلت دائرة المخابرات للمدرس و تم اتهامه بتهديد استقرار
البلاد و المصالح الوطنية و تحذيره من القيام بأعمال تحريضية ضد النظام .
و لم يسلم من إدارة الجامعة و الكلية إذ هدده رئيس الجامعة بالطرد إذا
استمر باتباع الأساليب الغوغائية و الشيوعية في التدريس . أما عميد
الكلية فأمره بمراجعة ورقة امتحان الطالب و تغيير العلامة إلى راسب و
نصحه بأن ما تعلمه من الكتب و الحضارة الغربية لا يرتقي إلى فكر سيد
البلاد . بالإضافة إلى العلامة الجديدة كان على الطالب أن يقبع ثلاثة
أيام في زنازين المخابرات تحت التعذيب . و أظن أن الاتعاظ لم يقتصر على
الطالب والمدرس و إنما على المجتمع الجامعي ككل .
هذه مجرد
أمثلة قليلة مما يحصل في جامعات العرب . لكنه من الواضح أن تكرارها يحصل
مع المدرسين الجدد الذين يدخلون سلك التعليم و هم تحت تأثير قيم علمية و
أكاديمية و أخلاقية ما زالت حية في وجدانهم و يسعون إلى تطبيقها . إنهم
بحاجة إلى فترة من الزمن يقعون خلالها في مطبات و أخطاء يتعلمون من
خلالها أن القيم التي يحملونها لا تصلح للوطن العربي وجامعاته . يتعلمون
مع الزمن أنه كان يتوجب عليهم خلع ثوب العلم و التقدم و الغيرة على الأمة
على سلم الطائرة التي أقلتهم في عودتهم الميمونة و ارتداء ثوب النفاق و
الكذب و التدليس . و يوقنون بالتالي أن التخلف الاجتماعي و السياسي عبارة
عن سمة عربية بارزة تجب المحافظة عليها إذا رغبوا في بقاء أسمائهم على
لائحة الرواتب .
اجتاز
المدرسون القدامى هذا الامتحان و هم يعرفون حدودهم دون الحاجة إلى دروس و
مواعظ من المخابرات . إنهم يعرفون أن غرف الدرس تحت طائلة المخابرات ، و
أن من زملائهم من يتقن نقل الكلام ، و أنه من السلامة الالتزام بما يرضي
المخابرات و الابتعاد عما يغضبها . لقد طور كل منهم (إلا من رحم ربك و هم
قليل جدا) في داخله رقيبا ذاتيا بحيث أصبح المخابرات الذي يراقب نفسه .
إنه أشبه ما يكون بأغلب وسائل الإعلام العربية التي تعرف ما يصلح للنشر و
ما لا يصلح دون الرجوع إلى المرجعية المخابراتية . لماذا تجاوز الخطوط و
من ثم الخضوع للاستجواب ؟ الاختصار مفيد للطرفين .
قد يسأل أحد
عن الكاتب و فيما إذا جرفه التيار . ما زلت أسبح ضد التيار و لدي أمل بأن
أعكس مجراه . أنا لا أعترف بقيود أو حواجز و أدرس طلابي بوضوح و صراحة و
بدون لف أو دوران و لا يؤرقني ما يتخذه الآخرون من إجراءات ضدي . لقد
دفعت أثمانا باهظة جدا منها السجن و الطرد من الوظيفة و الإقامة الجبرية
و سحب جواز السفر و المنع من السفر والتعرض لإطلاق النار ، الخ . لكن
قناعتي مطلقة بأنني سأكون ضعيفا إذا أتى اليوم الذي يتوقف رجال المخابرات
عن متابعتي ، و فوق ذلك سأكون قد تركت موقعا مقدسا الأمة بحاجة إليه إذا
أرادت أن تتقدم و تنفض عن نفسها الذل و الهزائم . الاحتمال الأكبر أنني
لن أغير وضعا سياسيا أو اجتماعيا ، لكن الشجرة تبدأ أولا ببذرة .
كثيرون هم
الذين يستعملون الدين لتبرير الاستسلام لإرادة المخابرات و الأنظمة عموما
. منهم من يستشهد بقول الله تعالى : "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" . و
آخرون يستشهدون بالحديث الذي يقول بعضه : "و من لم يستطع فبقلبه و ذلك
أضعف الإيمان" . وقعت الأمة جميعها في التهلكة ، و الأعداء يدوسون
حياضها و مقدساتها ليل نهار و هؤلاء يظنون أن فلسفتهم في مهادنة الظلم
ستجعل لهم عند الله غفرانا . لا شك أن العجز يصنع في عقول العاجزين
أديانا تتناسب على ما هم فيه من ذل و هوان .
و العبرة في
النهاية أن من يريد تحرير فلسطين أو السيطرة على ثرواته أو توحيد الأمة
أو التخلص من الفقر و التخلف لا يقيم جامعات متخلفة عن القرون الوسطى .
إن لم تكن الجامعات منارة للتفكير الحر و الإبداع و الحوار و مركزا
للتغيير السياسي و الاجتماعي و الاكتشاف العلمي فإنها لن تكون سوى بنايات
تحوي في داخلها رواتب و بطاقات شهادة . أما الأمة التي توظف أبناءها
مخبرين و جواسيس لا يمكن إلا أن تبقى مطية للغير يسوقونها كيفما طاب
هواهم . و إذا كان هناك من يطلق العنان لتصريحات نارية حول حرصه على
التقدم و التحرير و لا يطلق العنان للعقول إنما هو كاذب أثيم .
|