|
يلاحظ الدارس
لقرار مجلس الأمن رقم
1701 أن الكثير من بنوده قد صيغت بعبارات غامضة تحتمل عددا من التأويلات،
وإذا كان لا بد من تطبيقه فإن أغلب البنود تتطلب مداولات مطولة قد تمتد
على مدى أشهر. إنه قرار يتعلق بعموميات تصب في أغلبها في مصلحة
"إسرائيل"،
لكن دون أن ترتقي إلى حد التحشيد الدولي ضد حزب الله. إنه يخاطب الهموم
الإسرائيلية في بنود عدة، لكنه يلمس أيضا على بعض الهموم اللبنانية مثل
الالتفات إلى مزارع شبعا، والنص على تسليم خرائط الألغام.
واضح أن القرار
معني بالدرجة الأولى بوقف الأعمال العدائية تاركا التفاصيل ومضامين
التطبيق العملي للتفاعل الإقليمي والدولي، الذي سيستمر لسنوات قادمة؛
ومعني بالدرجة الثانية بإعطاء انطباع بأن "إسرائيل" قد كسبت الحرب. أما
بخصوص ديمومة الحل بين حزب الله و"إسرائيل"، فأغمض القرار عينيه على
الرغم من أنه ذكر فكرة الحل الدائم الذي لا يجرؤ أحد على ملامسته (وهو
يتعلق بنظرة حزب الله حول وجود "إسرائيل").
أسجل هنا عددا من
الملاحظات حول بنود يصعب تفسيرها ومن ثم تطبيقها:
أولا: يتحدث
القرار عن وقف الأعمال العدائية دون أن يعرف ما يعنيه بالضبط. هل يشكل
بقاء جنود الاحتلال في جنوب لبنان عملا عدائيا أم لا؟ وهل يجوز لحزب الله
الاستمرار في أعمال المقاومة، حتى إخراج هؤلاء الجنود أم لا؟ في حال بقي
جنود الاحتلال وعمل حزب الله على طردهم، هل يجوز لإسرائيل استعمال
الطيران لضرب أهداف غير الأهداف المعنية مباشرة بالاشتباك؟ وإذا استعملت
"إسرائيل" الطيران، هل يجوز لحزب الله استعمال الصواريخ لقصف أهداف
إسرائيلية؟ ما هو موقف مجلس الأمن من أي عمل عسكري قتالي يقوم به أي طرف؟
طبعا لا إجابات.
ثانيا: قرر مجلس
الأمن تعزيز القوات الدولية الموجودة الآن في لبنان لكنه لم يوضح لماذا.
القوات الموجودة الآن لا تملك صلاحيات قتالية، وينحصر دورها في مراقبة
التحركات العسكرية وكتابة التقارير حولها للأمم المتحدة، وزيادة أعدادها
لا يوسع من الصلاحيات، وإنما ربما يؤدي إلى زحمة التقارير. يقول قرار
الأمم المتحدة بأن هذه القوات ستعزز دور الجيش اللبناني، لكنه لا يقول
بالضبط بأي المجالات سيتم هذا التعزيز. لن يخرج دور الجيش اللبناني عن
الإقامة في الثكنات العسكرية وأداء المهام الاعتيادية غير القتالية، ولا
أرى أن القوات الأممية الجديدة ستكون ذات فائدة في هذا المجال.
ثالثا: يقول
القرار بأنه يجب عدم وجود أي سلاح في جنوب الليطاني غير سلاح الجيش
اللبناني، وإن السلاح لا يدخل إلى لبنان إلا بإذن الحكومة اللبنانية
وللجهة التي توافق عليها. وينص القرار على ضرورة إنشاء منطقة عازلة في
جنوب لبنان خالية من المليشيات. في هذا البند، مجلس الأمن يمارس
الرومانسية من حيث إنه يتحدث عن تمنيات أو رغبات لن يقوى أحد على
تنفيذها. إنه يتحدث بصورة ملتوية عن تجريد حزب الله من السلاح، لكنه لا
يقول بصراحة من الذي سيقوم بهذه المهمة.
إذا كانت
"إسرائيل" قد فشلت في توجيه ضربة قاضية لحزب الله، وفشلت في إخراجه من
الجنوب اللبناني، فمن هي تلك القوة الأخرى التي ستستطيع؟ الجيش اللبناني
غير قادر، ولا قوى 14 شباط (فبراير).
يفترض مجلس الأمن
أن حزب الله قد هُزم، وهو افتراض لا أساس له ويخالف الواقع؛ وربما يفترض
أن حزب الله يقاتل بهذه القوة من أجل أن يتخلى عن سلاحه. هذان افتراضان
يعبران عن وهم، وكل ما يبنى عليهما لا يمكن أن يكون موضع تنفيذ.
رابعا: ربما يكون
الأكثر رومانسية أو ربما سذاجة في القرار هو الدعوة إلى تسريح الأسيرين
الإسرائيليين لدى حزب الله وترك مسألة تسريح الأسرى اللبنانيين لمستقبل
مجهول. حزب الله لن يقبل ولن ينفذ، وستجد "إسرائيل" نفسها مرغمة على
التفاوض حول تبادل الأسرى. لا يمكن تسريح أسرى "إسرائيل" بدون ثمن إلا
بطريقة واحدة فقط وهي توجيه ضربة قاضية لحزب الله وقتل الذين يحرسون
الأسيرين. هذا أمر قد تبخر.
خامسا: بخصوص
تزويد حزب الله بالسلاح، حكومة لبنان أعجز من أن تمنع حزب الله من التزود
بالسلاح، و"إسرائيل" لم تعد قادرة على التهديد باستخدام القوة العسكرية.
سادسا: الحرص على
سيادة الدولة اللبنانية غير واقعي لأن الدول التي تتحدث عن الحرص تنتهك
السيادة اللبنانية. فرنسا وأمريكا تتدخلان مباشرة بالشؤون اللبنانية،
ومثلما تقوم سوريا وإيران بدعم حزب الله وغيره على الساحة اللبنانية،
تقوم هاتان الدولتان وغيرهما من الدول بتقديم الدعم والمساندة لقوى
لبنانية متعددة. وهناك دول عربية تقوم بتدريب أفراد من قوى لبنانية
معادية لحزب الله.
حل مشاكل لبنان
لا يتأتى إلا من الداخل اللبناني وليس من خلال قرارات دولية.
حزب الله لا يريد
أن يجعل قوته العسكرية عاملا من عوامل التأثير على التوافق الوطني
اللبناني، ويفضل البقاء ضمن حيزه السياسي فيما يتعلق بالأمور الداخلية.
هو يريد أن يبقى
قوة عسكرية قادرة على مواجهة أعداء لبنان وأعداء العرب والمسلمين. أي أن
حزب الله لا يريد أن يحجز نفسه داخل الإطار اللبناني إلا من الزوايا
الداخلية، وأرى أنه من المهم أن تتلمس القوى المناهضة له هذا التفكير
الاستراتيجي.
|