|
يلاحظ
المتتبع لوسائل الإعلام العربية أن مزاجية تتقاذفه بحيث يشعر أحيانا أن
الفلسطينيين يحققون انتصارات بارعة ضد "إسرائيل" وأحيانا أخرى يشعر بأن
الفلسطينيين لا حول لهم ولا قوة أمام الجبروت الصهيوني. تتراوح المزاجية
ما بين هذين الطرفين وذلك تبعا للحدث في حينه، وهي أشبه ما تكون بمزاجية
طفل تتقاذفه آنية المشهد دون أن يكون من قدرته الفكرية على التحليل.
وواضح أن هذا ينعكس على المواطن العربي المتفاعل مع الحدث وكذلك على
فلسطينيين يعيشون الحدث اليومي بتفاصيل تفوق تفاصيل الإعلام.
ينشغل
الإعلام العربي هذه الأيام وعلى مدى فترة من الزمن باحتجاز عرفات إلى
درجة تقليص الصراع إلى شخص واحد قد تكون مفاتيح الحلول أو النجاة في يده.
لا شك أن مسألة الاحتجاز مهمة لكن القضية الفلسطينية والصراع الدائر لا
يتقلص إلى درجة الظن بأن فك الحصار عن رئيس السلطة يفتح آفاقا جديدة نحو
التسوية. يصور الإعلام المسألة أبعادا تعطي الانطباع وكأن الشعب
الفلسطيني مكبل لا يقوى على مصارعة عدوه وأن المبادرة قد انتقلت نهائيا
إلى يد العدو وعلى الشعب الفلسطيني أن يتلقى الضربات فحسب. وواضح أن قادة
عرب، رؤساء وملوك يشتركون في حملة التثبيط والتباكي. علما أن مسألة
الاحتجاز ليست إلا نتيجة لوَهَم سياسي ألبست القيادة الفلسطينية نفسها به
لتهرب من مسؤولياتها التاريخية أمام الشعب والأمة، فقدمت نفسها عبر
اتفاقيات أوسلو هدية إلى قفص العدو.
الحقيقة أن
هذا صراع طويل والحرب سجال. على الرغم من أن الكفة تميل تاريخيا لصالح
العدو الذي استطاع أن يقيم دولة ويلحق هزائم متكررة بالعرب إلا أن الأمور
لم تستتب له وما زال حنى الآن بعيدا عن تحقيق غايته في الاستقرار
والاندماج في المنطقة العربية كعضو طبيعي فيها. وعلى الرغم من الخسائر
الفادحة التي مني بها العرب إلا أن سيل خسائر العدو لم يتوقف على مدى
السنين. يقدم الشعب الفلسطيني التضحيات المتواصلة وسيستمر في تقديمها ما
دامت الحقوق سليبة، لكنه لا يقدمها مجانية بل أن هناك ثمنا باهظا يدفعه
الطرف المقابل. هذه هي الحرب: يدفع المتحاربون أثمانا، ومن يدخل معركة لا
بد أن يتوقع أذى يلحق به وأذى آخر يلحق بعدوه. وهكذا قال لنا الله سبحانه
بأننا إن كنا نألم فإن القوم يألمون كما نألم ولكننا نرجو من الله ما لا
يرجون.
وإذا أردنا
الوقوف على الحقيقة فهي بصورة عامة كالتالي لدى الطرفين:
الطرف
الفلسطيني: دفع الطرف الفلسطيني حتى الآن في هذه الانتفاضة الحالية حوالي
ألف شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى الذين تراوحت حالاتهم بين الطفيفة
والإعاقة المستديمة. تم تدمير آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وعشرات
الآلاف من الأشجار المثمرة والحرجية. هدمت مئات البيوت وشردت بالتالي
مئات العائلات، فضلا عن أضرار ثانوية وهامة لحقت بآلاف البيوت. هذا فضلا
عن الأضرار الاقتصادية الكبيرة الناجمة عن الحصار. يضاف كل هذا إلى
الأضرار النفسية التي تلحق بأطفال فلسطين وما يترتب عليها من نتائج
مستقبلية.
الطرف
"الإسرائيلي":
لا شك أن
الجانب الفلسطيني يدفع ثمناً باهظا والنزيف مستمر، لكنه في المقابل
يستنزف "الإسرائيليين" وذلك في الميادين التالية:
تشهد هذا
الانتفاضة أعلى نسبة خسائر "إسرائيلية" في النفوس والجرحى مقارنة مع
خسائر الشعب الفلسطيني. كانت خسائر "الإسرائيليين" والصهاينة عبر
انتفاضات أو ثورات سابقة عدا انتفاضة البراق عام 1929 نسبة لخسائر
الفلسطينيين دون 5%. أما الآن فالنسبة تفوق 25%. وهذا ينطبق على أعداد
الجرحى. هذا في غاية الأهمية بسبب أن "إسرائيل" قامت في جزء كبير من
تبريرها السياسي على الأمن، وإذا عدم الأمن فإن التفكير اليهودي سيبدأ
يأخذ منحى آخر غير الاستقرار في بلاد لا تعرف الاستقرار.
يتألم
اليهود في فلسطين الآن من أوضاع نفسية صعبة للغاية إلى درجة التفكير
مرارا قبل الخروج إلى الشارع لشراء سلعة أو قضاء حاجة. هذا لا ينطبق على
كل اليهود إلا أن التعبير عنه واضح في وسائل الإعلام وفي الجلسات الخاصة
وفي السلوك اليومي. استطاع الشعب الفلسطيني أن يفرض درجة من منع التجول
على الشارع "الإسرائيلي" وأن يضعه في أزمة نفسية عميقة. لم يعد من
المستغرب أن يرى المشاهد امرأة "إسرائيلية" على شاشة المرناة تقول أنها
تمنع أبناءها من الخروج إلى الملعب مثلا أو النادي، أو أن يرى شابا يقول
أنه لا يرتاد بعض الأماكن ويحاول التفكير بالأوقات المناسبة للخروج والتي
تقل فيها احتمالات انفجار عبوة تحيله إلى أشلاء.
على الرغم
من أنه لا توجد لدينا إحصاءات إلا أن عددا من اليهود الميسورين تركوا
البلاد آملين أن يستقروا في بلاد أخرى. ويتردد أن عددا من المسؤولين
"الإسرائيليين" قد أرسلوا بأبنائهم خارج البلاد تحت ذرائع مختلفة. وإذا
استمر الوضع الأمني بالتدهور فإنه من المتوقع أن تشتد الهجرة خارج
البلاد. فإذا سقطت الحجة الأمنية سقط السبب في البقاء لدى نسبة كبيرة من
اليهود. فأغلب اليهود لم يأتوا إلى فلسطين بسبب انتماء لوطن أو دفاعا عن
دين وإنما هربا من وضع مؤلم عاشوه في أوروبا أو تحت تأثير الدعاية
الصهيونية حول الأمن والرخاء.
تأثرت
"إسرائيل" اقتصاديا بصورة ملحوظة بسبب الانتفاضة. الاقتصاد "الإسرائيلي"
قوي ويقوم على مرتكزات إنتاجية صلبة ولديه قدرة كبيرة على المنافسة
العالمية، وبالرغم من ذلك لحقت به أضرار بخاصة في مجالات الزراعة
والسياحة والتجارة مع الأرض المحتلة/67. أشغال عديدة توقفت وكثيرون فقدوا
أعمالهم وتدهور معدل الإنفاق وارتفعت معدلات المخزون. ومن المتوقع أن
استمرار المقاومة الفلسطينية سيجعل كرة التدهور الاقتصادي أكثر تسارعا.
لم تأت
الإجراءات "الإسرائيلية" القمعية بنتائج مفيدة ل"إسرائيل" وإنما ولدت
مزيدا من العنف وعددا متزايدا من الاستشهاديين. ما زالت "إسرائيل"تقع تحت
تأثير قدراتها العسكرية وتحت الظن بأن العجلة العسكرية سترهب الفلسطينيين
مما يدفعهم إلى الإخلاد إلى السكينة. كل هذا الجبروت العسكري لا يستطيع
أن يعالج إرادة شخص يقرر أن يموت مجاهدا في سبيل الله. وربما هذا ما يفسر
التهديدات العسكرية المتكررة التي يطلقها المسؤولون "الإسرائيليون" بنوع
من الضيق. تغيب الآن تلك التصريحات التي تعبر عن الثقة بالذات وبالقدرة
العسكرية وتحل محلها تصريحات متشنجة تخرج من أفواه يظهر عليها عدم
الارتياح والتشكك. ولا شك أنه من المحبط أن يمتلك شخص كل تلك القوة ولا
يستطيع أن يُخضع شعبا شبه أعزل من السلاح المادي.
باختصار،
الوضع الشعبي الفلسطيني صلب وكذلك الوضع الميداني. الخسائر متوقعة في كل
لحظة والعدو قوي، لكن خسائر العدو متوقعة في كل لحظة أيضا. وأرى أن
الأداء الفلسطيني في المواجهة في تطور مستمر وأن عناصر مقاتلة جديدة
ستدخل معترك الجهاد. لقد تجاوز الوضع الفلسطيني إمكانية التلاعب به من
الخارج على الرغم من أن العناصر الرسمية تعمل جاهدة على جره إلى الوراء.
لا أظن أن الوراء جزء من الحسابات الآن علما بأن فترات مؤقتة من الهدوء
قد تطرأ. ولهذا لا أعتقد أن الشعب الفلسطيني يحتاج لمن يبكي عليه وإنما
لمن يساعده ويمد له يد العون. وإذا كانت المسألة مسألة بكاء فكل شعب يملك
من الدمع ما يكفيه، لكن المسألة مسألة إمكانات وليس تضحيات. الرغبة في
التضحية قوية ولكن الإمكانات تتعزز بالعرب والمسلمين.
|