|
إنه من قبيل
الاستغباء أن يقول مسؤول أمريكي أن أمريكا ستغادر العراق بمجرد أن يتمكن
الشعب العراقي من إقامة حكومته المنتخبة، ومن قبيل الغباء أن يصدق أحد
هذا الادعاء. لم ترسل أمريكا أبناءها وبوارجها وطائراتها من أجل اليتامى
والأرامل وحرية أهل العراق ولا من أجل المبادئ الإنسانية أو القيم
الفاضلة. لقد شنت الحرب من أجل مصالح واضحة لها وللكيان الصهيوني وبتخطيط
مسبق وواضح. وإذا كان لها أن تقيم ديمقراطية فإنها ستقيم واحدة مفصلة
خصيصا حسب المقياس الأمريكي بحيث يبقى العراق تحت الهيمنة.
أمريكا لا تؤمن
أساسا بالديمقراطية بقدر ما تؤمن ببرامج ثقافية وإعلامية تطغى على عقول
الناس فيتشربون المعرفة التي يراد لهم أن يتشربوها ومن ثم ينطلقون
يتحدثون عن حرية شكلية تم تحديد جوهرها سلفا. لا تخلو أمريكا من الحريات
وإنما لا ترتقي إلى درجة انفتاح المرء على مختلف وجهات النظر والتحليلات
وذلك بسبب الآلة العلمية والثقافية التي تخضع لمعايير محددة يعتبرها
المخططون الأمريكيون المعبّر الوحيد عن الحقيقة. الأمريكيون أحرار إلى
درجة كبيرة ضمن دائرة الحقيقة الأمريكية وليس ضمن دائرة البحث المستمر عن
الحقيقة. هم يتهمون الآخرين، الإسلاميين مثلا، بأنهم منغلقون ولا يقبلون
الآخر على اعتبار أنهم وحدهم الذين يمسكون بزمام الحقيقة المطلقة، لكنهم
هم أنفسهم في مصيدة اتهاماتهم والشواهد على ذلك كثيرة. فمثلا يصعب على
الأمريكي أن يعرف أن الأغلبية الساحقة من أعضاء مجلس النواب الأمريكي من
الأثرياء الذين لهم مصالح اقتصادية ومالية كبيرة وارتباطات مع شركات
ضخمة. وبالتالي يصعب عليه أن يعرف أن القوانين يصيغها أصحاب مصالح تحت
مظلة من حرية الرأي. تاريخيا، القانون يعكس مصلحة واضعه وفلسفته الخاصة
في الحياة. على أية حال، هذا موضوع طويل.
أمريكا تريد أن
تطبق معاييرها للديمقراطية على مختلف دول العالم بحيث يرتبط تعريفها
بالمصلحة. الدولة الديمقراطية أو تلك التي يمكن التعايش مع استبداديتها
هي تلك التي تلبي المصالح الأمريكية، أما الدول التي تتناقض مع المصلحة
الأمريكية فليست كذلك بمن فيها فرنسا هذه الأيام. ولهذا هناك نظم عربية
صديقة للولايات المتحدة على الرغم من أن تحت الأرض يشهد بجرائمها ضد
الإنسان، وأنظمة أخرى مصنفة عدائيا على الرغم من أن أبناءها يتمتعون بنوع
من الحرية مثل لبنان. أي أن أمريكا تعرّف الديمقراطية بناء على مصالح
وقيم اقتصادية وليس بناء على مبادئ وقيم إنسانية.
يشهد التاريخ
الأمريكي على ذلك داخليا وخارجيا. أجرم الأمريكيون الأنغلو-ساكسون بحق
الهنود الحمر والسود، وقاموا بتغيير أنظمة حكم بالقوة والتآمر كما حصل في
تشيلي والدومينيكان. ولم يتوان الأمريكيون عن استخدام القنبلة الذرية ضد
أهل اليابان، ولا اليورانيوم المخفف ضد أهل العراق.
أمريكا عبارة عن
مجتمع مغامر لا يؤمن إلا بالقوة، ولديها قناعة بأن البقاء للأصلح. إنها
عبارة عن مجتمع مغامرين تجمعوا من مختلف بقاع الأرض وكان التقدم الشخصي
هدف كل منهم استنادا على وسيلة القوة سواء الداخلية أو الأدواتية. أرض
أمريكا هي أرض المتباهين بقوتهم وصلابة إرادتهم وقدراتهم على مواجهة
الأخطار والتحديات. لقد ترك الأمريكيون أساسا بلدانهم ومجتمعاتهم بحثا عن
الثروة التي يحتاج جمعها إلى سلك طرق المخاطر ويتطلب استجماع ما أمكن من
القوة. وقد انطلقت الدولة من روح مؤسسيها الذين لم يؤمنوا بأن الضعفاء
يصلحون للبناء أو للبقاء، وسعت على الدوام إلى امتلاك القوة التي لا حدود
لها ولا سقف. امتلاك قوة، حسب الطرح الأمريكي، يجب أن يقود إلى البحث عن
قوة أكبر، وهكذا لتبقى عجلة التسلح في تطور مستمر.
ولهذا يبقى من
السذاجة أن يتخيل أحد أن دولة المغامرين ستتحول فجأة إلى دولة الراحمين
أو المحسنين. الإحسان ليس من شيم الأمريكيين، ولا الرحمة من السياسة
الأمريكية. المصالح وحدها هي التي تقرر متى يجب أن تبدو رحيما ومتى يجب
أن تقدم المساعدات. فإذا ظهر مصاص الدماء رحيما فذلك لأن استمراريته في
العمل الاستغلالي تتطلب ذلك، ولأنه يعرف أن أغلب الواقعين تحت الاستغلال
في العالم وعبر التاريخ هم من السذج الذين يأخذهم الظاهر دون أن يتعبوا
أنفسهم في البحث عن الباطن. المصلحة المستندة على القوة هي التي تقرر
كيفية ممارسة الفضائل، إنما ليس من أجل الفضائل نفسها وإنما بهدف
ميكافيللي يأتي بخير خاص يخدم الأمريكيين وليس الإنسانية بالضرورية. لقد
خدمت الكثير من المكتشفات الأمريكية الإنسان، لكنه لولا الأرباح المطلوبة
لما قدمت أمريكا شيئا للآخرين.
لم يدرك
الطالباني عندما ظهر على شاشة التلفاز وهو يحتضن جارنر على نمط ما يفعله
العرب والأكراد عند لقاء الأحبة حقيقة الأمريكيين. لقد أشفقت على هذا
الرجل ليس لشخصه وإنما لما يمثله العربي أو الكردي أو التركي من سذاجة.
ربما لا يعرف هذا القائد الذي يريد أن يحرر شعبه أن الأمريكيين لا يؤمنون
بحرارة اللقاء وإنما بنفعيته، وإذا كان هناك من معانقة فهي مخصصة فقط
للجنس اللطيف. ولهذا سار جارنر في طريقه لينتبه بعد لحظات أن مصافحه يريد
أن يحتضنه فلبى له الرغبة إنما بدون قُُبل. وليت الطالباني يسترجع
التاريخ ليرى كيف استعمل الأمريكيون الأكراد كأدوات وبدون أدنى نوع من
الاحترام. هذا شبيه ببعض القيادات الفلسطينية التي ظنت أن المعانقة تجدي
نفعا مع الأمريكيين، لتكتشف أنها لا تزيد الأمريكيين إلا جفاء.
لنا في الوضع
العربي عبرة قوية من حيث أن الولايات المتحدة بقيت حاضرة على الدوام في
أغلب الدول العربية وتحدد لها تلك السياسات التي لها علاقة بمصالح
الولايات المتحدة. لم تكن الولايات المتحدة حاضرة بقواتها على الدوام في
الدول العربية لكن شبح قواتها المسلحة وقدرتها على تغيير الأنظمة كان
دائما حاضرا. حتى أن الولايات المتحدة كانت دائما حاضرة في مؤتمرات القمة
ليس كمجرد لاعب قوي على الساحة الدولية وإنما كآمر يتدخل في صياغة
القرارات العربية. حتى أن الدول التي تسمي نفسها ثورية كانت تدرك أن أقوى
المقاعد في القمة هو ذلك الذي لا كرسي له.
يخطئ العرب إذا
ظنوا أن أمريكا تستند على نظام سياسي أخلاقي أو أنها تحاول نشر العدالة
والسلام في العالم. ربما يرى بعض الأكراد والعرب في العراق أنفسهم الآن
منتعشين بسبب زوال النظام العراقي، لكنهم سيجدون أنفسهم قريبا مجرد خدم
لدى السيد الأمريكي لا سلطة لهم ولا قدرة على اتخاذ القرار. سيستشارون
بشأن قضايا داخلية لرفع ثقافة الأمريكيين حول المزاج الشعبي العراقي
والنسيج الاجتماعي والقيم الأخلاقية، لكن ذلك لن يتعدى مهمة الجاسوس
المثقف الذي يقدم المعلومات الوفيرة لقاء الفتات من المال والمحافظة على
الجاه. ستنحصر مهمتهم في معاونة الأمريكيين على التحكم بالعراق وأهله
وثرواته ولن يفوزوا إلا بصفة المقربين من الأمريكيين الذين لهم يد في
خدمة هذا الشخص أو ذاك على حساب المصالح العامة.
سنجد العراقيين
الذين يوالون الأمريكيين أنهم ينقسمون إلى قسمين شبيهين بالمتعاونين
الفلسطينيين مع الاحتلال الإسرائيلي. منهم من سيكون مجرد جاسوس صغير يقدم
معلومات عن أفراد، ومنهم من سيكون جاسوسا كبيرا كبعض المثقفين الذين
يعملون في مراكز وجمعيات بحثية تقدم المعلومات المستندة على أبحاث علمية
للأمريكيين. ومن المحتمل جدا أن يقبل بعضهم القيام بدور جيش جنوب لبنان
أو بعض الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. أما من أراد رحمة
لنفسه فإنه بالتأكيد سيسارع بإدارة ظهره للأمريكيين حفاظا على ماء وجهه
على الأقل.
الجنة الأمريكية
ليست على أبواب العراق، ولن ينفذ الأمريكيون أيا من الوعود البراقة التي
أطلقوها. أخلاقهم لا تسمح بتنفيذ ما أوهم بعض العرب أنفسهم به،
وسيتخندقون بالمزيد في الأرض العراقية انسجاما مع أخلاقياتهم المغامرة.
هذا إن قرر العراقيون أن يتركوا الأمور تستتب للغزاة. وصحيح أن
للأمريكيين مصالح نفطية، ولهم مصلحة في القضاء على العلماء العراقيين وفي
المحافظة على إسرائيل، لكن كل هذه المصالح تنتهي في النهاية إلى أخلاق
المغامرة التي تحكم السياسة الأمريكية. وعليه فإن الأمريكيين باقون ما لم
يدركوا أن جهنم تأكل منامهم.
|