|
من الغريب على صفحات
التاريخ أن تكون مسألة مقاومة الاحتلال أو الاستعمار أو أيّ غزو كان موضع
تساؤل . هل نقاوم أم لا نقاوم . المعروف تاريخياً أن الشعوب أو المجتمعات
التي تتعرّض إلى هيمنة أجنبية من أي نوعٍ كان أو تشريد تنهض و تحاول أن
تسترد حقوقها بمقاومة العدو التي تتعدّد أشكالها . هناك شعوب و مجتمعات
لم تقاوم و فضّلت الاستكانة فكان مصيرها الانقراض أو الذوبان في مجتمعات
أكثر قوة أو الغياب بصورة أو بأخرى ، و هناك مجتمعات استكانت تبعاً لظروف
معيّنة مثل الهنود الحمر . لكن النمط الذي ساد تاريخياً لدى الشعوب التي
أصرّت على التحرّر و استرداد الحقوق كان المقاومة بكافة أشكالها .
لا أجد في صفحات
التاريخ أمة استردت حقوقها أو طردَت المستعمر من خلال الحوار الذي يطلق
عليه صفتي العقلانية و الحكمة . لا مفرّ من الحوار لكنه كان باستمرار
مترافقاً مع وسيلة أخرى تقنع القوة الغاشمة أن فشل الحوار ثمنه كبير .
هناك دول حصلت على استقلال شكليّ مثل بعض الدول العربية ، لكنها لم
تحقّقه لا بالحوار و لا بالقوة و إنما بإرادة الاستعمار نفسه الذي اختار
ممارسة استعماره بطريقة غير طريقة الوجود المباشر . خرج الاستعمار
المباشر من هذه الدول لكنها بقيت بلاداً مستعمرة . على أية حال ، قد يجدي
الحوار المستقل عن الوسائل الداعمة ، لكنه لن يأتي بالحقوق حسبما تشتهي
النفوس .
شهد التاريخ حواراً
بين القوى الظالمة و المظلومة لكنه كان حواراً حقيقياً دعمته القوى
المظلومة بإرادة عملية صلبة في مواجهة القوى الظالمة . لم يكن مثل هذا
الحوار استجدائياً و إنما ندّياً وجد فيه الظالم نفسه أمام خيارين : إما
رفع الظلم أو دفع ثمنه .
إنه من سوء
الطالع أن نجد على الساحة الفلسطينية من يصرّ على السير عكس التاريخ أو
خلفه و يرى ضرورة توقّف المقاومة الفلسطينية . على الرغم من أن المقاومة
عبارة عن ظاهرة تاريخية موضوعية لا يستطيع أشخاص وقفها ، إلا أن
فلسطينيين يحاولون السير في ركب تلك الدول التي تجد في المقاومة تطوّراً
خطيراً على المشروع الصهيوني و يعملون على تصوير المقاومة على أنها سبب
معاناة الشعب الفلسطيني .
الشعب الفلسطيني
يعاني بسبب الاحتلال ، و إذا أراد تخفيف المعاناة فأمامنا ما يلي : لندع
التاريخ يعمل حسب قواه الموضوعية و التي بالتأكيد كلّ من يتحدّاها ، و
لنعمل على تطوير البرامج الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية التي تخفّف
المعاناة , نحن نستطيع أن نحمل بعضنا البعض ، و نستطيع أن نقتسم اللقمة و
أن نقتسم المعاناة . فمن كان قلبه على الشعب الفلسطيني ، بإمكانه أن
يتأكّد أولاً من أنه لا يوجد متخم و لا يوجد جائع ، و أن يحرص على حسن
التوزيع و على حسن التوجيه حتى لا يدفع الشباب ثمناً بلا مقابل يدفعه
العدو . حياة شبابنا ليست رخيصة و من المفروض أن يتطوّر برنامج ثقافي
يصقل همتهم العالية في ردع العدو .
إنه من المشروع
أن نسأل عن فزع الولايات المتحدة و (إسرائيل) من المقاومة . هل حرصاً على
نفوس الفلسطينيين و راحتهم أم على راحة (الإسرائيليين) ؟ .. بإمكان من
يحرص على راحتنا أن يخرج من بلادنا و يفتح الباب أمام اللاجئين للعودة
إلى بيوتهم و ممتلكاتهم .
|