|
يتساءل الإنسان
الفلسطيني و العربي البسيط المجروح الوجدان بالعجز و خيبة الأمل ، يتساءل
إلى أين ؟؟ و هو بين مكذّب و مصدق أن "مزاد التصفية" يتـناوله على مرأى
منه و أمام عينيه ! ، و إلى أين ستأخذه مرحلة "تهافت التهافت" التي فرضت
عليه منذ مؤتمر مدريد 1991م ..؟!
و يتساءل أيضـًا
لماذا يحاول البعض من أبناء جلدتنا تكرار خطيئة "أوسلو" في محاولة يائسة
لإيهامنا من جديد بأن إنهاء الانتفاضة و الدخول في مفاوضات سرية أخرى
ستقود إلي نتائج أخرى ؟! .
كيف خطر في عقول
أصحاب "أوسلو الأولى" أن يعيدوا بيع الوهم لشعبهم مرة أخرى في ظلّ حرب
الإبادة و التطهير العرقي و الفصل العنصري التي تشنّها آلة الحرب
الصهيونية ضد أطفالنا و نسائنا و شيوخنا و كلّ ما هو فلسطيني ؟!! .
لماذا يقود
(عرّاب أوسلو) حملة ضد الانتفاضة الفلسطينية ؟!! ، لماذا يتوهّم "عرّاب
أوسلو" أن شعبه قد انتفض لتحقيق ظروف معيشية يومية ؟ .. ألم تصل إلى
مسامعه الحقيقة التي تؤكّد بأن هذا الشعب قد انتفض لأنه ضاق ذرعاً من
المفاوضات على مدى عشر سنوات ؟!! .
كيف صدّق هذا الشعب
المغلوب على أمره بأن "أوسلو" قد مات ؟! و هل ما يجري الآن على الأرض
الفلسطينية ما هو إلا تطبيق عملي لاتفاق "أوسلو" المشؤوم ؟!! .. فمن غير
المجدي للشعب الفلسطيني أن يخدع نفسه بعد كل هذا ..!
فعلى مدار العامين
الماضيين لم يعرف تاريخ الإنسانية في العصر الحديث مأساة إنسانية أبشع في
تضاريسها من مأساة الشعب الفلسطيني .. !!
شاهد العالم صورًا
حية تبث يوميـًا من الأراضي الفلسطينية ، ليست من وحي الخيال و لا رسمـًا
خياليـًا : يتصاعد الدخان .. القصف لا يهدأ .. سيارات الإسعاف تجوب
الشوارع .. و مدفعية الاحتلال و طيرانه و بوارجه الحربية تمطر سيلاً من
القذائف على المدنيين في المنازل و المدارس و الأسواق التجارية
.. !!
و "الحصاد" : شهداء
و جرحى و معوّقون و أسرى جدد ينضمون إلى قافلة من سبقهم ، و دمار و خراب
هنا و هناك .لا القصف يهدأ ، و لا النزف
يتوقف !! ..
عشرات المركبات التي
تجرّها الحمير محملة بالركاب من كبار السن و المرضى و النساء الحوامل و
الأطفال و البضائع في طرق ترابية موحلة بدلاً من الطرق التي أغلقتها قوات
الاحتلال بهدف تمزيق أوصال التجمعات الفلسطينية في سياسة صهيونية أعادت
الفلسطينيين – و العالم في القرن الواحد و العشرين- إلى الحياة البدائية
و عصر الدواب .. !! و احتجاز المرضى و النساء الحوامل لساعات طويلة على
الحواجز و وفاة العديد منهم أمام أعين جنود الاحتلال ، و عمليات القتل
عند هذه الحواجز التي أصبحت سياسة رسمية صهيونية..!!
لم نسمع كلمة إدانة
واحدة من منظمات حقوق الإنسان التي تتكاثر يوميـًا في أروقة المخابرات
الغربية عن هذا الوضع المزري ، و لا كلمة استنكار من جماعة (السلام الآن)
الصهيونية تشجب هذه الممارسات .. !!و كأنّ
الجميع قد اتفق على أن كلمات الاستنكار و الشجب و الإدانة هي (صناعة
عربية) .. !!
يقف مئات
الفلسطينيين ، بل الآلاف ، عند "معابر الذل" ، ينتظرون أن يمنّ عليهم
الصهيوني بتصاريح دخول إلى النعيم، للعمل في "جنة" الاحتلال !! ..
ينتظرون و ينتظرون ، و الصهيوني يدقّق و يدقّق ، في وجوههم ، في أحجامهم
، في ملابسهم ، في نبض قلوبهم ، في مسام جلودهم ، و في عروقهم و الشرايين
.. !!
و يستمر الإذلال
.. و يطول ، و طبعـًا خارج "حفلات" القتل اليومي التي يستمر عرضها بـ
"نجاح" منقطع النظير ..!!إنه جزء من الواقع
الذي تعوّده العالم ، بل أدمنه إلى حدّ افتقاد الشعور و الإحساس بآلامه و
أثقاله . !
و إمعانـًا في
الاستهانة بعقولنا صرّح أحد إفرازات "أوسلو" بأنه (لو لم تكن أوسلو ..
لأوجدنا أوسلو جديدة) !! .. و كان الرد الفلسطيني على هذه المقولة هو
الانتفاضة الفلسطينية المباركة ..
فـ "أوسلو" قد
حوّل مسار شعبنا السياسي إلى مسار بدون هوية.. !! و جعل تاريخنا يبدو و
كأنه سجل مفتوح للإحباط و اليأس و الخيانة .. !
لقد غرس "أوسلو"
في نفوسنا شعور الخوف من الوطنية ، و صار بإمكان أي كان أن يشهر الخيانة
بكثير من الاعتزاز و الشعور بالتفوّق على هذا الوطني المطارد الذي أصبح
كالشاة البيضاء في قطيع أسود .. !!
لماذا لا يعترف
"عرّاب أوسلو" بأن ما يعيشه الفلسطينيون هذه الأيام ليس أكثر من هزيمة في
مسار السلام تضاف إلى هزائمنا في مسارات الحرب .. !!
في زمن "أوسلو"
ما أصعب أن تجد مبرراً لموقفٍ أو رأي وطني .. !! و ما أسهل أن تجد عشرات
التبريرات لمواقف الخيانة .. !! .. في زمن"
أوسلو" وجدنا من لم يكن لهم تاريخ نضالي قد شربوا حليب السباع ، و صنعوا
من بطولات الآخرين بطولات لهم .. !! و من فشلهم و عجزهم فشل و عجز
الآخرين.. !!
في زمن "أوسلو"
أصبح الإنسان الفلسطيني يعيش في غيتوهات .. !! فهذا من غيتو (أ) و آخر من
غيتو (ب) و ثالث من غيتو (ج) و هكذا حتى نهاية الحروف الأبجدية
.. !!
في زمن" أوسلو"
تحوّل السلام إلى حروب أكثر تعقيداً و أشد ضراوة .. !!حروب
بلا جبهات .. !! و أعداء اختلطوا بالأصدقاء.. !!
.. و بات من الصعب على الإنسان الفلسطيني البسيط الفصل بين (الإسرائيلي)
الذي اغتصب الأرض .. و (الإسرائيلي) الذي اغتصب الانتماء !! .. بين
(الإسرائيلي) الذي انتهك المقدّسات .. و (الإسرائيلي) الذي انتهك الولاء
.. !!
و أصبحنا لا
نميّز بين الفلسطيني الذي باع نفسه للاحتلال ، و الفلسطيني الذي أوصل
الاحتلال إلى مخادع قادة و كوادر الانتفاضة في أكثر المشاهد عبثية في
تاريخ النضال الفلسطيني .. !! عشرات بل مئات
استشهدوا أو قتلوا أو اغتيلوا – و لا فرق هنا - بأيدٍ فلسطينية لم تكن
تستطيع أن تظهر للوجود لولا "أوسلو" .. !!
كان عزاؤنا في
الماضي أنها فئة قليلة من ضعاف النفوس لا يشين انحرافهم جهاد و نضال
الشعب الفلسطيني ، و أصبحوا اليوم و بفضل "أوسلو" فئة تعمل عن سابق
إصرارٍ على تدمير ما تبقى من منجزاتٍ حقّقها الجهاد الفلسطيني!!..
في زمن الانتفاضة
الفلسطينية الأولى - قبل أوسلو بسنوات - كان شباب الانتفاضة هم الذين
يقتلون العملاء و يطاردونهم من مكان إلى آخر ، و العميل الذي ينشد
السلامة يذهب إلى المسجد و يعلن توبته أمام شعبه .
و في زمن
الانتفاضة الفلسطينية الثانية - و التي جاءت كأحد إفرازات أوسلو - أصبح
العملاء يقتلون كوادر الانتفاضة ، و قادة الانتفاضة الذين تطالب سلطات
الاحتلال برؤوسهم يسلّمون أنفسهم إلى إدارة السجون في السلطة الفلسطينية
.. !!
في الانتفاضة
الأولى - في زمن الاحتلال - كان العملاء هم المطاردون .. و في الانتفاضة
الثانية - في زمن السلطة الفلسطينية - أصبح قادة الانتفاضة هم المطاردون
بلا هوادة من قبل العملاء و جنود الاحتلال ، و لا همّ لهم سوى النجاة
بأنفسهم .. !!
لم تسلم من القتل
الصهيوني المنظّم للفلسطينيين عجوز في الخامسة و التسعين من عمرها و لا
وليد عمره شهر واحد..!!
لم نسمع كلمة
استنكار صهيونية واحدة على مقتل النساء و الأطفال ، و مع ذلك فقد سئم
الفلسطينيون من كلمات الاستنكار و الشجب و الإدانة التي تصدر من
المسؤولين في السلطة الفلسطينية عند مقتل كل (إسرائيلي) .. !! و نستغرب
كيف لم يطلب هؤلاء من الفلسطينيين في الداخل و الخارج و المنافي و في
الشتات و في مناطق (أ) و (ب) و (ج) و(د) و (هـ) و فلسطينيي 1948 و
فلسطينيي 1967 و اللاجئين و النازحين و القائمين و القاعدين أن يرفعوا
الأعلام السوداء حداداً على (أبرياء إسرائيل) !! .. نحن لا نتهم أحداً
فهذه مهمة التاريخ .. !! و قد علّمنا التاريخ
أنه لا يتآمرلكنه يسجّل المؤامرات .. !!
و لكننا نستغرب
أن يظلّ الذين أدخلونا في متاهات و زواريب "أوسلو" يواصلون السير بنا في
متاهات جديدة ... تارة في مفاوضات سرية و أخرى علنية تؤدّي بنا في نهاية
المطاف إلى"أوسلو" جديدة و مذبحة جديدة و كأن سقوط أكثر من ألفي شهيد و
خمسين ألف جريح و ألفي معاقٍ و أكثر من 10 آلاف أسير و معتقل خلال عامين
لا تكفي .. !!
و نستغرب أيضاً
كيف لم يستدعَ أحد من الذين أداروا المفاوضات السرية في "أوسلو" ، و
أصدروا مذكراتهم الشخصية التي يتبجّحون فيها بإنجازاتهم الباهرة في تحقيق
ما عجز الأوّلون و الآخرون من زعماء الجهاد الفلسطيني من تحقيقه طوال قرن
من الزمان ! .. كيف لم يستدعَ أحد منهم حتى و لو في مناظرة تلفزيونية
ليصارح شعبه كيف أوصله إلى طوابير النعوش اليومية .. !!
و نستغرب ـ أيضاً و
أيضاً و أيضاً ـ بأن أحداً منهم أو من أبنائهم لم ينضم إلى قوافل الشهداء
!! ..
و نصاب بالذبحة
عندما يخرج علينا "عرّاب أوسلو" و يتهم شعبه بعسكرة الانتفاضة و يبرّئ
الاحتلال .. !!فهذا الرجل وجد في نهاية مطاف
"أوسلو" بأن مشكلته الحقيقية لم تعد مع عدوّه السابق ، بل مع شعبه الحالي
.. !! و (إسرائيل) تدرك ذلك جيداً ، و هي
تحاول مساعدته بكلّ يد حانية .. !! و عرّاب
"أوسلو" استقر في محطة لا يرى من نافذتها غير مشهدٍ واحد يتعلّق بالخلافة
.. !!
إذاً فلا معنى
للسلام بدون عرّاب السلام .. !! إنه سرّ من
أسرار أوسلو .. !! ما أكثر الأسرار .. و ما
أصغر أوسلو.. !!
بعد توقيع"
أوسلو" أعلن العرّاب بأن هذا الاتفاق إما أن يؤدّي إلى قيام دولة
فلسطينية مستقلة أو يكرّس الاحتلال لأرضنا و ذلك حسب تعاملنا معه ! لأن
آلية الاتفاق تؤدّي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة .. !!
إذاً فالشعب
الفلسطيني هو الذي يحاصر تل أبيب و يحتل أجزاءً منها في الليل و ينسحب في
الصباح بعد تدمير منازل (الإسرائيليين) و قتل أطفالهم و إجهاض نسائهم و
طردهم في العراء.. !!
و الشعب
الفلسطيني هو الذي أعاد احتلال المدن و المخيمات و القرى (الإسرائيلية) و
قتّل أبنائهم و دمّر مؤسساتهم و حاصر مقر رئاستهم .. !!
و الشعب الفلسطيني
هو الذي يستخدم طائرات الـ إف 16 و الأباتشي الأمريكية الصنع و قنابل
الغاز المحرمة دولياً ضد المدنيين العزل ، و يقطع الماء و الكهرباء عن
المستوطنات الصهيونية لأشهر طويلة .. !!
و الشعب
الفلسطيني هو الذي يقتحم المدارس و قاعات العلم الصهيونية مستخدماً
الذخيرة الحية و الغاز المسيل للدموع .. !! و هو الذي يحاصر المدن و
المستوطنات الصهيونية مستخدماً حرب التجويع و تخريب الممتلكات الزراعية و
إغلاق المعابر الحدودية و منع دخول المواد الغذائية و الإمدادات الطبية و
المحروقات إلى المدنيين الآمنين (الإسرائيليين) .. !!
لهذا فشل "أوسلو" في إقامة الدولة الفلسطينية لأننا
لم نعرف أن نتعامل معه.. !!
إنه مرض أكبر منه
مؤامرة .. !!إنها عقدة نقص أكبر منها مسايرة
لمناخ بات يرى العلاقة مع العدو طبيعية و العلاقة مع الأخ مسألة فيها نظر
. !
مواطن فلسطيني
دمّر منزله مؤخراً في رفح عندما سمع عرّاب "أوسلو" يتبجّح بإنجازاته على
صعيد إقامة الدولة الفلسطينية في المحاضرة التي ألقاها مؤخرًا في غزة ،
قال : "ليتها لم تزن و لم تتصدّق" !! ..
إن على "عرّاب
أوسلو" و زمرة المتساقطين الذين يكيلون التهم للانتفاضة في محاولة يائسة
لكسب رضى العدو الصهيوني أن يدركوا جيدًا شرعية المقاومة في ممارسة
حقوقها و واجباتها ، تلك الحقوق التي كفلتها كل الأنظمة و الشرائع و هي
حقوق تولّدت من معاناة طويلة لآثار احتلال طارد زعماء و قادة و كوادر
المقاومة و قتلهم أمام عائلاتهم و أطفالهم ، و انتقل بكلّ هذه الجرائم من
صفّ الدولة إلى صف العصابة .
إن الشعب
الفلسطيني هو شعب النضال و التضحيات ، لم يهن و لم يستسلم منذ أكثر من
قرن من الزمن ، و لم يتوقف شلال الدم على أرض فلسطين على الرغم من كل
التسويات و التـنازلات و الانهيارات ، كان الشعب الفلسطيني يخرج دائمـًا
من تحت الأنقاض كطائر الفينيق فيعيد الروح ليس فقط إلى الانتفاضة بل و
إلى كل الأمة العربية و إلى كل الشعوب المحبة للسلام و العدالة ..
لقد استخدم الشعب
الفلسطيني و طوال قرن من الزمن ، كل أشكال و وسائل النضال المعروفة و غير
المعروفة ، حتى تلك التي لا يتخيّلها بشر .. من وفود إلى المحافل الدولية
، إلى جمعيات إسلامية مسيحية ، إلى إضرابٍ و اعتصام ، إلى عصيان مدني دام
ستة أشهر (1936) ، إلى التسلّل الفردي عبر الحدود لرؤية القرية و البيارة
و المنـزل ، إلى طعنٍ بالسكاكين ، إلى بيع حليّ الزوجة لشراء بندقية ،
إلى كفاح مسلّح لم يعرف العالم له مثيلاً ، إلى حرب الجيوش النظامية على
الحدود ، إلى العمليات الاستشهادية ، إلى .. و إلى .. الانتفاضة حيث
الحجارة هي السلاح ، و الطفل داوود يواجه الوحش متسلّحـًا بالمقلاع .. و
لا يوجد قوة في العالم تستطيع أن تـنزع عن هذا الشعب حقّه في الجهاد و
المقاومة و الحياة الحرة الكريمة فوق أرضه .
المهم أن لا تضيع
الإنجازات و التضحيات و لنتذكر مقولة : (إن الإنسان لا يموت إلا حين يموت
حلمه) ، فلنعمل جميعـًا على إبقاء الحلم حيـًا في عيون الأجيال القادمة
.. في عيون أطفال الحجارة .. أبطال النصر ، رجال الدولة الفلسطينية
المستقلة و عاصمتها القدس ، لأن هذا الحلم يلخّص كل القيم الإنسانية في
العدالة و الحرية و الاستقلال .
|