الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عادل أبو هاشم

عودة

 

يوم الجمعة الأسود ... و لا يزال الذبح مستمرًا ..!!

 

بقلم / الأستاذ عادل أبو هاشم

كاتب وصحفي فلسطيني - الرياض

ما بين الفلسطيني و الدم رحلة طويلة معمدة منذ أكثر من خمسين سنة ، و على أرض فلسطين و "بلاد العرب أوطاني" نزف الفلسطينيون من جراح كما لم ينزف شعب من الشعوب، و من دير ياسين و قبية و نحالين مرورًا بكفر قاسم و صبرا و شاتيلا و الحرم الإبراهيمي الشريف ، برزت المجازر (الإسرائيلية) اليومية في انتفاضة الأقصى المباركة ضد أبناء الشعب الفلسطيني كافة العنوان الأكثر إيلامـًا و المنعطف الأكثر دموية في السجل الدموي الصهيوني الأسود ضد الفلسطينيين . 

فقد شكل القمع الوحشي (الإسرائيلي) ضد أهلنا في فلسطين و المتواصل منذ ثمانية عشر شهرًا معرضـًا لأسئلة و تساؤلات تميل بدورها إلى مراجعة للتاريخ ، و تضع جميع الدول أمام مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني و حقوقه الطبيعية و التاريخية .

فالتصعيد الجنوني الذي يقوده مجرم الحرب جزار صبرا و شاتيلا "شارون" ضد كل ما هو فلسطيني ، أوجد حالة مأساوية و بدرجة غير مسبوقة في التاريخ الحديث ، فحرب تدمير المخيمات التي يشنها شارون ضد الشعب الفلسطيني تذكرنا بالمجازر التي ارتكبها هذا السفاح في صبرا و شاتيلا ، فلم يوفر هذا الشارون الدموي كل ما لديه من أسلحة حديثة فتاكة لحصد أكبر عدد من أرواح المدنيين العزل من الأطفال و النساء و العجزة بالدبابات و الصواريخ و المروحيات و المقاتلات و البوارج في جميع مخيمات و قرى و مدن فلسطين تكريسـًا لشهوته الجنونية في سفك المزيد من الدماء ، فلا يمضي يوم إلا و يشيع الفلسطينيون أعدادا كبيرة من شهداء العدوان الصهيوني نتيجة  الغارات (الإسرائيلية) جوًا و برًا و بحرًا و عمليات الاغتيال و الاجتياحات المستمرة ، حيث أصبح الشعب الفلسطيني بالكامل هدفـًا لهذا العدوان النازي اليومي الذي ينفذه جيش الاحتلال .

لقد كان ياسر عبد ربه محقـًا حين نصح هذا الشارون الدموي بالفحص لدى طبيب نفسي ، و لكنه لم يقل لنا من أي الأمراض النفسية بالضبط يجب أن يعالج شارون ؟ هل يعالج من الشيزوفرينيا أو انفصام الشخصية التي تجعله يأمر قواته بقتل الأطفال و النساء و الشيوخ و إجهاض الحوامل على الحواجز .. ؟!

و يطرح التساؤل التالي نفسه : "هل شارون هو الوحيد المجنون في المجتمع (الإسرائيلي) ؟!

عندما أضرم المتعصب الصهيوني مايكل روهان النار في المسجد الأقصى قبل أكثر من اثنين و ثلاثين عامـًا ، زعم المحققون (الإسرائيليون) أن الفاعل مجنون ، و خرج بعض أبناء العروبة علينا بالقول بأن هذا الفاعل مجنون ، و ليس بمستغرب أن يظهر مجنون واحد فقط ليحرق المسجد الأقصى ! .

و عندما فتح المستوطن (الإسرائيلي) باروخ جولدشتاين النار على المصلين في الحرم الإبراهيمي في الخليل قبل ثمان سنوات ، سارع الإعلام (الإسرائيلي) و الساسة في تل أبيب إلى تكرار نفس الزعم أن الفاعل أيضـًَا مجنون ، و أعلن بعض أبناء جلدتـنا أن هذا مجنون آخر يحاول أن يخرب اتفاق أوسلو الذي أنتج لنا "سلام الشجعان" .. "سلام الأقوياء" .. "سلام أبناء العم" .. "سلام الشرفاء" !!! ..

حتى إيجال عامير قاتل رئيس الوزراء (الإسرائيلي) إسحاق رابين (الذي أطلقنا عليه صفة "شهيد السلام" !!) حاول البعض أن ينتحل له عذر الجنون لينفي عن (الإسرائيليين) شبهة أنهم يقتلون حتى حكامهم ..!

مجانين إحراق الأقصى و مجزرة الحرم الإبراهيمي لم يكونوا جنودًا في الجيش (الإسرائيلي) عندما ارتكبوا جرائمهم ، لكن من شرع في ارتكاب مجزرة السوق بالخليل في يناير 1997م  كان جنديـًا (إسرائيليـًا) في غير نوبته .. فهل يأوي الجيش (الإسرائيلي) المجانين بعد أن أكدت الحكومة (الإسرائيلية) مزاعم الجنون لدى الجندي (الإسرائيلي) ناعوم فريدمان الذي أطلق النار على الفلسطينيين في سوق الخليل .. ؟! و كم عدد المجانين في (إسرائيل) حتى نعرف في العالم العربي كم عدد المجازر التي تنتظرنا ؟!!!

هل مذابح يوم الجمعة الأسود و سقوط أكثر من 60 شهيدًا و جرح المئات في خلال أقل من 12 ساعة و اعتقال الآلاف من الشباب الفلسطيني ، قام بها العقلاء أم المجانين في الجيش (الإسرائيلي) ؟! .

سرقة سيارات الإسعاف الفلسطينية بعد قتل أطقمها و استخدامها فخـًا في قتل الفلسطينيين ، و التمثيل بجثث الشهداء و وضعها على مقدمات الدبابات بعد وشمها بالنجمة السداسية ، و ترك المئات من الجرحى ينزفون دون إسعاف ، و اغتيال الأجنة و الأطفال الرضع و تلاميذ المدارس و أمهاتهم ، و قتل 25 طفلا فلسطينيـًا دون سن الرابعة ، و قتل المعوقين و الجرحى و دهس جثث الشهداء بجنازير الدبابات ... هل من قام بذلك هم العقلاء أم المجانين في الجيش (الإسرائيلي) ؟!

إنهم ليسوا مجانين بل متعطشين للدم الفلسطيني ، و قد استمرءوا سفك الدماء العربية منذ أكثر من نصف قرن ، و لننظر إلى المظاهرات العارمة التي خرجت في تل أبيب في نفس الليلة التي قام جيش الإحتلال الصهيوني باقتحام مخيم جباليا و سقوط أكثر من 20 شهيدًا و مئات الجرحى في التصدي البطولي للمقاومة للعدو ، تطالب شارون بقصف و ذبح الفلسطينيين و إعادة احتلال الأراضي الفلسطينية ..!!

حتى حركات ما يسمى بـ "السلام" (الإسرائيلية) التي راهن عليها البعض للوقوف بجانب الحق الفلسطيني لم نسمع لها صوتا يـُذكر منذ بداية الانتفاضة و قوائم الشهداء و الجرحى الفلسطينيين تزداد يومـًا بعد يوم ، و رقعة الدم و سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها مجرم الحرب شارون تتمدد في كل يوم ! .

إن السجل الدموي الصهيوني ضد الفلسطينيين حافل بجرائم غريبة في بشاعتها يندر أن تجد مثيلا لها في أي مكان ، أو في أي زمان ، إلا في العصور المظلمة التي عانت فيها البشرية من جحافل التتار أو البربرية أو النازية أو الفاشية ! .

إن من حق العالم أن يطمئن إلى الحالة العقلية لكثير من القادة و الجنود في الجيش (الإسرائيلي) ، لأن ما يتعرض للخطر من جراء ذلك هو سلام و أمن العالم كله ، و على الأمم المتحدة و منظماتها المعنية - منظمة الصحة العالمية مثلا - أن توفد بعثة تقصي للحقائق للتعرف على الحالة العقلية للجنود (الإسرائيليين) ، و اتخاذ الإجراءات الاحترازية الضرورية لضمان عدم وقوع أعمال مجنونة أخرى يرتكبها مجانين الجيش (الإسرائيلي) !! .

إن على (الإسرائيليين) أن يعترفوا أمام العالم بأن ثمة خلل لديهم يفرز متطرفين على استعداد لقتل الأطفال و النساء والعجزة و المعاقين و المصلين في أي وقت بدعوى أنهم لا يحبون (إسرائيل) ، تمامـًا كما تفعل (إسرائيل) و الدوائر الصهيونية بالاغتيال المعنوي لمن يناهضون سياستها في العالم بدعوى معاداة السامية ! .

الخلل الكامن لدى (إسرائيل) و الذي يفرز كل هذا العنف و الإرهاب هو التسامح إزاء ثقافة العنف مهما كانت نتائجها مادام أن ضحاياها من العرب عامة ، و الفلسطينيين بصفة خاصة ، و الهروب المستمر إلى الأمام بممارسة المزيد من العنف و التستر عليه بزعم أنه "حالة" و ليس "ظاهرة" ، أي بإدعاء أن مرتكبي هذه الجرائم هم أفراد و ليسوا تيارات فكرية مدمرة .

مجانين العنف في (إسرائيل) تفرزهم الآن المؤسسة العسكرية (الإسرائيلية) ، و على الساعين إلى تحقيق "سلام" حقيقي في الشرق الأوسط أن يعترفوا بكل شجاعة بذلك ، إلا إذا اعتبرنا بأن المجتمع (الإسرائيلي) بالكامل عبارة عن مجتمع من المجانين !! .

ما من بريء في الكيان (الإسرائيلي) من دم الفلسطينيين .. !! فكلهم يجدون متعة في قتل الفلسطينيين ... !

 لقد أثبت الشعب الفلسطيني البطل أنه عصي على التركيع برغم كل ما تعرض له من مجازر خلال أكثر من نصف قرن ، فلم تفلح في كسر إرادته الغارات الوحشية و لا عمليات الاغتيال و الحصار و التجويع و الهدم و التجريف ، فضلا عن التشريد و الاعتقال و الإذلال اليومي ، بل إن هذه الممارسات (الإسرائيلية) زادته إصرارًا و صلابة و فجرت في الأجيال الفلسطينية المتعاقبة طاقات المقاومة الجبارة التي استهانت بالموت و تسابقت على الشهادة .

و كفانا استغاثة بالأمة العربية التي بلغ الاستسلام فيها المدى ، و الذي اعتبر البعض منهم أن الانتفاضة ما هي إلا ترهات كبيرة لا بد من تجاهلها تخفيفـًا للأعباء !!! ... فالواقع العربي مخيف جدًا ، خمسون عامـًا و نحن نشتري الطائرات و الدبابات و الصواريخ و المدافع لمحاربة العدو ، و عندما جاءت معركة الدفاع عن كرامة هذه الأمة نظر الفلسطينيون بدهشة إلى هذه الترسانات العملاقة فوجدوا أن الصدأ قد أتم التهامها كما التهم ذات يوم عقولنا و ذاكرتـنا المجهدة أصلا ! .

ليس أمام الفلسطينيين إلا الاستمرار بانتفاضتهم و تعزيز وحدتهم الوطنية التي عمدت بالدم في انتفاضة الأقصى ، و تجسدت على أرضية توحد فصائل المقاومة في وجه آلة الحرب و الدمار (الإسرائيلية) .

إن استمرار الانتفاضة يعمق المأزق (الإسرائيلي) ، فالمقاومة الفلسطينية أسقطت المنطق الوحيد الذي اعتاد الصهاينة على الانطلاق منه لمخاطبة العالم و هو منطق القوة و الحروب و فرض الأمر الواقع . فالرهان (الإسرائيلي) يستند إلى عامل الزمن بحيث يصل الفلسطينيون إلى حالة من التعب و الإجهاد و بالتالي اليأس من تحقيق طموحاتهم الوطنية مما يدفعهم إلى القبول بما تقدمه لهم حكومة القتلة في تل أبيب من حلول و مشاريع .

يستطيع أحفاد هولاكو أن يقتلوا كل يوم الآلاف من أبناء شعبنا الفلسطيني في ظل هذا الصمت العربي الغريب ، لكنهم لن يستطيعوا أن يقتلوا فينا روح الجهاد و المقاومة . فعصابة القتلة في تل أبيب لم يتركوا لنا من خيار سوى المقاومة بالعبوات الناسفة و بصواريخ القسام و بأجسادنا و بعظام أطفالنا و نسائنا و بقوتنا اليومي . فلم تبق عندنا دموع لسكبها على ضحايا المجازر اليومية ، فقد جفت دموعنا منذ مذابح دير ياسين و قبية و كفر قاسم . لم يبق أمامنا من خيار سوى المقاومة و الصمود و التضحية .

لن نحصي جثث شهدائنا بعد اليوم بل سنجعلهم يحصون قتلاهم ... و إن كان رصيد الفلسطينيين من الشهداء في تزايد مستمر فقد اعتاد أبناء هذا الشعب المناضل على ملاقاة الموت في كل لحظة و كل يوم .

و لنردد معـًا و نحن نواجه حرب التطهير العرقي (الإسرائيلية) كلمات توفيق زياد :

كأننا عشرون مستحيل

في اللد و الرملة و الجليل

هنا على صدوركم باقون كالجدار

نجوع .. نعرى .. نتحدى

نملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات

و نملأ السجون كبرياء

ونصنع الأطفال جيلا ثائرًا وراء جيل