الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عادل أبو هاشم

عودة

 

رامي سعد عريس "العرس الفلسطيني"

 

بقلم / الأستاذ عادل أبو هاشم

كاتب وصحفي فلسطيني - الرياض

 

 

شهيدنا رامي سعد ..

ليس من السهل أن يكتب المرء عن رامي سعد ، فالرجل ليس شهيدًا و حسب ، إنه شاعر و أديب و مجاهد ، و هو فوق ذلك يتدفق شفافية و يفيض أحاسيس .

كل كتابة عنه ستكون ناقصة ، لأن قضيته لم تكتمل بعد .

ذلك أن "أبا نور" لم يكن في حياته و في التـزامه مجرّد شخصٍ اختار طريق الجهاد و النضال و المقاومة ، بل كان إلى جانب ذلك نموذجـًا بارزًا لجيل فلسطيني كاملٍ هو جيل انـتفاضة الأقصى ، انـتفاضة الحرية و الاستقلال ، و من خلال تمثيله لهذا الجيل ، و من خلال تعبيره عنه بالبندقية المقاتلة و الكلمة الحرة الأبية ، اكتسب قيمته كمناضلٍ و كمعلم و كرمزٍ لهذا الجيل .

أن يستشهد رامي سعد فهذا أمر طبيعي ، فلقد استشهد في كلّ لحظة من لحظات حياته القصيرة زمنيـًا ، الطويلة جهادًا و نضالاً ، فسيرة نضاله من أجل وطنه و شعبه و قضيته العادلة ، كان الاستشهاد نهايتها الطبيعية ، و سيرة نضاله هي في الواقع حياته العملية كلها .

فقد طلب "أبو نور" الاستشهاد لنفسه ، و عمل له ، و سعى إليه ، لأنه آمن به .

آمن بأن العمل لفلسطين لا حدود له ، و أن فجر النصر آتٍ لا محالة رغم الظلام الحالك الذي يلفّ الأمة ، و أن الدم و المشاركة في الجهاد ضد المحتل لا تكون من بعيد ، و أن هناك طريقـًا آخر غير طريق الخنوع و الاستسلام ، أو القبول بالفتات أو انـتظار ما يسمح به العدو الصهيوني بالتـنازل عنه ألا و هو طريق الجهاد و الاستشهاد .

لقد آمن رامي سعد أن الكتابة الثورية (و هي هوايته و قناعته و معاناته في آنٍ واحد) لا معنى و لا أثر لها إذا لم تتجسّد بالممارسة و السلوك اليومي ، و أن مقاومة المحتل لا تتحمّل المواقف الوسط ، و لا المهادنة ، و لا التأجيل ، و لا الاستراحة ، وأن الكلمة الثائرة لا تعرِف المواربة ، و لا الدبلوماسية ، و لا التلفيق ، و لا الاصطناع .

لقد كان في رامي سعد من صدق المجاهد و جرأته ما يعجز الواقع عن تحمّله ، فيثير فيه بكلماته و أشعاره و أعماله موجات متلاحقة من التأزم فيجعل هذا الواقع قلقـًا مستـنفرًا يبحث عن الحقيقة بكلّ ما فيها من مرارة ، و عن الخلاص بكلّ ما فيه من تضحيات .

كان رامي سعد صورة من صور الحياة النابضة بالمقاومة و الوطنية و الطموح الخلاق ، يرنو إلى العلا في كلّ مجال من مجالاته ، و يتقن فن الجهاد و المقاومة و يحفظ دروسها عن ظهر قلب ، و يلقّنها لأبناء شعبه البطل .

لقد كان تلميذًا و أستاذاً في آنٍ واحد .

فقد عظّم الكلمة في فكره و عقيدته ، و قدر العمل في نضاله و كفاحه اليومي ، و سبق الآخرين بنظره الثاقب ، فكان فارسـًا يجيد السباق في كلّ ميدان من ميادين الجهاد و النضال و العمل الوطني .

كان رامي سعد صاحب حجة قوية و عقلٍ منظّم و ذهن وقّاد تتدافع الأفكار في رأسه كأمواج البحر تتلاطم بعنفٍ لتعود مرة أخرى إلى الأعماق في حركة مد و جزر واعية مستمرة لا تـنقطع أبدًا .

يبدو أن العدو الصهيوني قد سبقنا بتقييم أهمية رامي سعد في حياته ، حتى أخذنا الآن ندرك حقيقة عظمته بعد استشهاده ، فالعدو أدرك أن رامي سعد كان عاملاً رئيسيـًا في جعل قتاله محببـًا للجماهير ، مما يعني أن بقاءه سيكون من العوامل المساعدة على ديمومة الانـتفاضة ، و استعداد الجماهير و رغبتها في أن تمدّها بالمزيد من المجاهدين .

كان العدو الصهيوني يدرِك أن دور رامي سعد في كونه شاعرًا في ملحمة الانـتفاضة ، من شأنه أن يرسّخ في وجدان الجماهير ديمومة الانـتفاضة و حتمية انـتصارها . 

من الصعب أن أرثي الشهيد رامي سعد بالكلمة و هو الذي رثا قبل أيام قليلة الشهيد طارق أيوب ، و من الصعب أن أرثيه بالدمع الساخن لأن مآقينا جفت منذ عشرات السنين .

جفت مآقينا منذ أن وطأت أول قدم صهيونية أرض وطننا الحبيب .

جفت مآقينا منذ أن سقط أول شهيد فلسطيني برصاص العدو الصهيوني .

فلن نرثي بعد اليوم شهداءنا ، بل سنثأر لهم من قتلتهم ، من عدونا الأبديّ و الأزلي ، سارق أرضنا و أحلام طفولتـنا .

عاش رامي سعد حياة قصيرة ، و لكنها عريضة كما يقولون ، و لم يكن ابنـًا بارًا لأهله و عائلته و شعبه و وطنه بالمفهوم الأخلاقيّ للكلمة فحسب ، و لكنه كان ابنـًا بارًا لشعبه و وطنه بالمفهوم الإبداعي للكلمة أيضـًا .

لقد علّمنا رامي دروسـًا كثيرة في الانسجام و الصدق و الاحترام من أجل قضيتـنا العادلة ، و أول ما علّمنا إياه هو أن الفلسطيني يفقد ذاته و حضوره الإنساني في  العالم و الكون إذا كفّ عن أن يكون فلسطينيـًا .

ستبقى كلّ كتابة عن رامي سعد ناقصة ، لأن قضيته هي قضية الشعب الفلسطيني كله ، هي قضية الجيل الذي يصنع المسيرة ، و هي قضية لم تكتمل بعد.

لقد كان رامي سعد في حياته شعلة مضيئة في زمن الظلام العربي الدامس ، فرسم لنا الطريق ، و أثبت بدمائه الطاهرة أن الشعب الذي يزرع أرضه بالتضحية لا بدّ و أن يحصد النصر .

كانت "الحقائق" تعتـز برامي سعد أخـًا و صديقـًا و زميلاً : يكتب لها و يشير عليها ، يعلّق على محتوياتها ، و ينـتقد بقسوة و بصدق و بإخلاص .

و بفقدان رامي سعد تفقد "الحقائق" واحدًا من أخلص و أقدم و أجرأ رجالاتها ، و تفقد أيضـًا صوتـًا مشجعـًا و نبرة محذّرة و قلمـًا جبارًا و قلبـًا واسعـًا ، و تخسر أخـًا .

لقد خسرنا رامي سعد بإخلاصه و قدرته و جرأته ، و بصوته المشجّع و نبرته المحذّرة و قلمه الجبار و قلبه الواسع ، و خسرنا الأخ ، و لسوف نفتقده كثيرًا ، و نفتقده طويلاً .

لقد استشهد رامي سعد و تركنا فجأة ، و لكنها ليست مفاجأة على الإطلاق أن يستشهد "أبو نور" ، فالذي يعيش حياته كلها مناضلاً تكون الشهادة نصب عينيه دائمـًا ، و حين تأتي ، تأتي كجزءٍ من العمل ، تأتي كرمزٍ لهذا العمل ، تمامـًا مثل الرمز الذي حمله معه في كلّ لحظة من لحظات الانـتفاضة ، كلّ ما فعله رامي أنه أكمل الرمز حتى النهاية .

فهنيئـًا لك الشهادة و وسامها يا رامي ، و نم قرير العين ، فإن رحلت عنا فسينبت فينا ألف رامي سعد نجوماً في سماء الوطن و عنوان الأمل القادم ، و لتظلّ ذكراك أنشودة فلسطينية متجدّدة على لسان الأطفال و الأمهات ، يزرعنها في الأبناء جيلاً بعد جيل حتى تحين ساعة النصر بإذن الله .

رامي سعد ..

و نحن نستعيد مسيرة جهادك و نضالك و تضحياتك و استشهادك ، و نحن نغمِض أجفاننا على طيفك ، و نضمّك إلى جوانحنا ، نكتب لزوجتك الفاضلة الصابرة السيدة "أمية جحا" و طفلتك البريئة "نور" ، و للحزانى من شعبك و أهلك و إخوانك و أصدقائك ما كنت أنت ستقوله لهم جميعـًا في مثل هذا المجال ، حول استشهاد مجاهدٍ عنيد من مجاهدي شعبنا البطل .

اليوم عرسك يا "أبا نور" في جنة الرحمن ..

في مقعد صدق عند ملك مقتدر ..

اليوم يستقبلك الشهداء الأبرار .. و حسن أولئك رفيقـًا ..

هذا هو العرس الذي لا ينـتهي .

في ساحة لا تـنتهي .

في ليلة لا تـنتهي ..

هذا هو العرس الفلسطينيُ .

لا يصل الحبيبُ إلى الحبيبْ .

إلا شهيدًا أو شريدًا .