الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عادل أبو هاشم

عودة

 

الأسرى الفلسطينيون بين عنجهية "إسرائيل" ونداء الشيخ أحمد ياسين

 

بقلم / الأستاذ عادل أبو هاشم

كاتب وصحفي فلسطيني - الرياض

 

في السابع عشر من أبريل 1980م أصدر الصليب الأحمر الدولي في مؤتمره الذي عقد في جنيف بسويسرا قراراً باعتبار المناضلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني أسرى حرب ، وتنطبق عليهم اتفاقيات جنيف ، وقد حاولت سلطات العدو "الإسرائيلي" خلال سنوات الاحتلال إبعاد هذه الصفة الشرعية عنهم لتصويرهم أمام العالم بالإرهابيين ، وليسوا مناضلين من أجل انتزاع حقوقهم من براثن الاحتلال.

 

وعلى الرغم من ضغوط المؤسسات الدولية الإنسانية والقانونية على الكيان "الإسرائيلي" للقبول بهذا القرار ، فإن السلطات "الإسرائيلية" تعتبر الأسرى الفلسطينيين مجرد قتلة وإرهابيين وخارجين على القانون ومخربين إلى آخر هذه الصفات التي يحفل بها قاموسها الإعلامي والدعائي ، ذلك أن اعتبارهم مقاتلين من أجل الحرية وضد الاحتلال إنما يعني القرار الضمني "الإسرائيلي" بأن الوجود "الإسرائيلي" في الأراضي العربية المحتلة – بما فيها الجولان – هو وجود غير شرعي واحتلالي .

 

ولذلك تعتبر الحكومة "الإسرائيلية" أن الممارسة النضالية الفلسطينية غير مشروعة ، بعكس ما تقر به كل الشرائع والقوانين الوضعية والسماوية حين يكون هناك احتلال ، ليس ذلك فحسب بل إنها أخذت تصنف المعتقلين – خصوصاً بعد اتفاق أوسلو – إلى فئات بحسب مواقفهم ومواقف منظماتهم من هذا الاتفاق ،  وكذلك التمييز بين الأسرى الذين اشتركوا في عمليات قتل فيها "إسرائيليون" ، و اتهامهم بأن هؤلاء الأسرى أياديهم ملطخة بدماء اليهود ..!!

 

وكأن هؤلاء الأسرى كانوا في رحلة كشافة ولم يكونوا يخوضوا معركة التحرر الوطني .!

وتناست الحكومة "الإسرائيلية"  أن كل القيادات السياسية والعسكرية وكل الرؤساء وأعضاء لجان المفاوضات من "الإسرائيليين" ، بل كل "إسرائيلي" يديه ملطخة بدماء الشعب الفلسطيني ..!!

 

وراحت تربط الإفراج عن الأسرى بالتقدم في مسيرة المفاوضات ووقف الانتفاضة ، وكأن قضية الأسرى والمعتقلين أصبحت ورقة ضغط قوية في يد "إسرائيل" لإجبار الفلسطينيين على تقديم التنازلات .

 

وللتذكير فقط فإن الوفد الفلسطيني إلى المفاوضات بشأن الانسحاب "الإسرائيلي" من قطاع غزة وأريحا أعلن في أول جلسة للمفاوضات في القاهرة في نوفمبر 1993م بأنه لن يوقع أي اتفاق مع "إسرائيلي" في هذا الشأن إذا لم يحصل منها على تعهد مكتوب وعلى جدول زمني للإفراج الكامل عن المعتقلين الفلسطينيين .

 

وأكدت جميع فصائل المقاومة الإسلامية والوطنية على أن وضع قضية المعتقلين على جدول المفاوضات ينطوي على مخاطر سياسية وقانونية تبدأ من الإقرار الفلسطيني بأن "الإسرائيليين" يشاركون في السيادة على المناطق المحتلة ، وتنتهي بالموافقة الفلسطينية على تجزئة الكفاح المسلح الفلسطيني إلى ما هو مقبول وغير مقبول ، مما يجعل ممارسات الاحتلال وضحاياه على قدم المساواة في المعاملة القانونية . وأكدت على أن الفلسطينيين لن يسمحوا للعبة "الإسرائيلية" الخطيرة بالتمييز بين معتقل وآخر على أساس موقفه السياسي وانتمائه التنظيمي ، حيث تم الإفراج عن المئات من الأسرى والمعتقلين من جميع التنظيمات والفصائل .

 

لقد اعتبر الفلسطينيون أن المعيار المزدوج في التعامل مع قضية الأسرى هو الذي سيشجع الحكومة "الإسرائيلية" على ربط حرية البعض منهم بحرية العملاء والمتعاونين الذين خانوا شعبهم وأصبحوا أداة بيد الاحتلال ، وأن هذا التمييز مثار فتنة بين المعتقلين أنفسهم وبين أهلهم وذويهم ، وأن التمييز بين المعتقلين حسب مواقفهم من اتفاق أوسلو  هو خروج على الأعراف والمواثيق الدولية الخاصة بمعاملة الأسرى والمعتقلين ، فمن الطبيعي إنه إذا ما تم الاعتراف بحقيقة الصراع السياسي والوطني بين الشعب الفلسطيني وسلطات الاحتلال فإن مقتضيات حل الصراع تستدعي - وفي إطار الاعتراف بالحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني – إطلاق سراح كافة الأسرى والمعتقلين .

 

وبعد توقيع اتفاق القاهرة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" في مايو أيار 1994م ، أطلقت "إسرائيل" سراح بعض المعتقلين والأسرى في سجونها على دفعات بعد شد وجذب مع السلطة الفلسطينية ، حيث لا يزال يقبع في زنازين ومعتقلات الاحتلال أكثر من 4000 أسير ومعتقل فلسطيني ، أضيف إليهم أكثر من عشرة آلاف معتقل في انتفاضة الأقصى الحالية وبعد إعادة احتلال مدن الضفة الغربية ..!!

 

ومع تـزايد حملات القمع المنظمة التي يمارسها الجلادون "الإسرائيليون" ضد أبناء شعبنا الرازحين في السجون ، من معاقبة الأسرى جماعيـًا عقوبات جسدية تتمثل بالاعتداء ضربـًا ورش الغاز والتكسير والتعرية ، و إخضاعهم لكل صنوف الإهانة والتحقير ، وتقييد أيديهم وشبحهم لأيام عديدة في زنازين ضيقة مغمورة أرضيتها بالمياه النتـنة أو حتى في المراحيض ، وتدهور الأوضاع الصحية للأسرى الفلسطينيين في السجون "الإسرائيلية" بسبب الحرمان من النوم والأكل  انتشار الأمراض والحشرات ورداءة الطعام وقلته ، وحرمان الأسرى من زيارة ذويهم من بداية انتفاضة الأقصى ، إضافة إلى الإهمال الطبي ضدهم وحرمانهم من تلقي العلاج  خاصة مصابي وجرح الانتفاضة ،  و الازدحام الشديد واستمرار استخدام العنف وعزلهم في زنازين انفرادية ، في عملية قتل للأسير الفلسطيني قتلاً بطيئـًا ولكنه منظمـًا ومدروسـًا بعناية فائقة ..!! وإحالة الأطفال الأسرى إلى محاكمات صورية جائرة واستصدار عقوبات بالسجن لسنوات طويلة ، ووضعهم مع السجناء الجنائيين "الإسرائيليين" ..!! وقصة الأسيرة الفلسطينية سوسن داود أبو تركي التي تبلغ من العمر- 13 عامـًا- والتي ألقي القبض عليها بتهمة محاولة طعن جندي "إسرائيلي" لهي خير دليل على همجية ونازية هذا المحتل ..!! حيث وضعت هذه الأسيرة الفلسطينية في زنزانة انفرادية مقيدة اليدين والرجلين لأكثر من ستة أشهر ..!!

 

إن الأسرى والمعتقلين جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وقطاع أساسي من قطاعات الحركة الوطنية الفلسطينية ، فمن مواقع الألم  والمعاناة العميقة ، ومن قلب جدران القهر والحرمان في سجون الاحتلال ، ومن أعماق جراحهم النازفة طوال سنوات الاعتقال الرهيبة صنعوا ملحمة الصمود وكتبوا فصلاً جديدًا في كتاب الحركة الوطنية الفلسطينية .

فالأسرى هم من حمل لواء النضال جنباً إلى جنب مع بقية المناضلين من أبناء الشعب الفلسطيني في كل ساحات العمل والتواجد ، وتقدموا الصفوف  غير آبهين لشيء إلا استمرار النضال ودعم مسيرة شعبهم التحررية ، وقدموا الغالي والنفيس دفاعاً عن كرامة وشرف الشعب الفلسطيني وحقوقه العادلة ، وكان لهم في سفر التاريخ والبطولة سطوراً مضيئة ، حيث لم يعرفوا إلا الثورة وطنـًا وهويةً في السراء والضراء .

 

والأسرى هم الذين انخرطوا في صفوف النضال في أصعب مراحله ، وتركوا عائلاتهم وأطفالهم والامتيازات و الإغراءات ، وقادوا معارك المقاومة والشرف ، وفي الأسر خاضوا معارك الاعتقال بإباء وصمود أسطوريين وخاضوا عشرات الإضرابات عن الطعام ، فكان الألم زادهم والمعاناة شرابهم ، حيث سقط العشرات منهم شهداء من أجل كرامة الإنسان الفلسطيني وحقوقه ، وسطروا صفحات مشرقة في تاريخ سجناء الحرية في العالم ، حيث كتبوا بصمودهم فصلاً جديدًا في ملحمة الحركة الفلسطينية الأسيرة ، الأسرى .. هذا الحشد الكبير المرابط خلف القضبان بكل ما حباه الله من إيمان وإرادة وإصرار وتضحية ، الذين أذهلوا قلوب جلاديهم بالحصانة الوطنية التي يتسلحون بها .

 

فمنذ شهر مارس من العام الماضي توجه الفعل الانتقامي "الإسرائيلي" العاجز نحو قمع واضطهاد الأسرى والمعتقلين في السجون "الإسرائيلية" ، وأخذت صرخات الاستغاثة تخترق جدران السجون وأسلاكها الشائكة ، لكنها فشلت في الوصول إلى أسماع العالم..!!

 

لقد آن الآوان أن يلتفت العالم قليلاً نحو ما يجري داخل السجون والمعتقلات "الإسرائيلية" لينظر بعينيه إلى إرهاب الدولة "الإسرائيلي" المنظم من خرق مواثيق الأمم المتحدة المتعلقة بحفظ حقوق الإنسان و الاتفاقات الدولية حول معاملة أسرى الحرب والسكان المدنيين زمن الحرب ، حيث أن أكثر من نصف مليون فلسطيني مروا على السجون والمعتقلات منذ احتلال الضفة والقطاع عام 1967م ، وهي أكبر نسبة في العالم إذا ما قيست بكثافة السكان في فلسطين ..!!

 

فمنذ بداية الاحتلال للأرض الفلسطينية تحولت السجون "الإسرائيلية" إلى البديل المعاصر لأعواد المشانق و محارق العصور الوسطى ، لكن هذه السجون لم تكن أبدًا البديل الحضاري ، ففيها تجري أبشع عمليات القتل الـروحي والنفسي والتعذيب الجسدي والحرمان ، لتعطي للعالم أبرز دليل على أن الكيان الإسرائيلي " الذي شرع تعذيب المعتقلين " كيان قمع ممنهج يستـند في بقائه و استمراريته و أيدلوجيته إلى وسائل الموت والقمع ..!!

 

وسط هذه المعاناة والتجاهل "الإسرائيلي" والعجز الفلسطيني تظل قضية الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال تراوح مكانها ينـتظرها المجهول ، ويظل الأسرى رقمـًا يزداد كل يوم .

 

من هنا تكمن أهمية نداء الشيخ المجاهد أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس " الذي طالب فيه فصائل المقاومة بالعمل على أسر جنود "إسرائيليين"  لمبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين ، فالأسرى لا يخرجون إلا بقوة السلاح ، فهم يحتاجون إلى القوة في ظل الأوضاع المعيشية المأساوية التي يعيشون فيها ، والتي تحولت إلى كابوس يومي ، وفي ظل الخطط التي تعرض على الشعب الفلسطيني وآخرها خطة الطريق الأمريكية التي لم تتضمن ولو كلمة واحدة عن مسألة الأسرى .!!