الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عادل أبو هاشم

عودة

 

استـنكارات أبو مازن والأسئلة الكبيرة ..!!

 

بقلم / الأستاذ عادل أبو هاشم

  مدير تحرير جريدة الحقائق- لندن

 

 

 في ظل عبارات الاستنكار والتـنديد والشجب والإدانة التي يطلقها السيد محمود عباس "أبو مازن" منذ بداية انـتفاضة الأقصى في 28/9/2000م ، لكل عمل مقاوم ضد العدو الإسرائيلي ، ومع تـزايد عبارات الاستـنكار بعد توليه منصب رئيس الوزراء ، يطرح الشارع الفلسطيني بمرارة الكثير من الأسئلة والتساؤلات :

هل يدرك هذا الرجل الذي نقرأ في سيرته الذاتية بأن إيمانه بالعمل العسكري لتحرير وطنه هو الذي جعله ينضم إلى "مجموعة فتح في قطر" التي تشكلت في أواخر الخمسينات مع الشهداء عبد الفتاح حمود وأبو يوسف النجار وكمال عدوان ، لتـنضم إلى "مجموعة فتح في الكويت" والتي كان أعضاؤها ياسر عرفات وفاروق القدومي وخليل الوزير وصلاح خلف وسليم الزعنون وخالد الحسن ، حيث تلاقت المجموعتان في الفكر والمنهج لينتج ولادة حركة فتح .

هل يدرك الفرق بين المقاومة والإرهاب  ..؟!

هل وصل إلى مسامعه رفض السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية إدانة العمليات الاستشهادية ، التي أكد بأنها طبيعية في مواجهة الاحتلال والعدوان ..؟!

طوال اثنين وثلاثون شهرًا من عمر الانتفاضة ، وما تخللها من مذابح يومية للفلسطينيين يندر أن تجد مثيلا لها في أي مكان ، أو في أي زمان ، إلا في العصور المظلمة التي عانت فيها البشرية من جحافل التتار أو البربرية أو النازية أو الفاشية ، من قتل للأطفال والنساء والشيوخ والرجال ، والتمثيل بجثث الشهداء ، ووضعها على مقدمة الدبابات بعد وشمها بالنجمة السداسية ، وسرقة أعضائهم الداخلية ، وترك المئات من الجرحى ينزفون حتى الموت دون إسعاف ، واغتيال الأجنة والأطفال الرضع وتلاميذ المدارس وأمهاتهم ، وقتل المعوقين والجرحى ، ودهس جثث الشهداء بجنازير الدبابات ، وتدمير المستشفيات على نزلاءها من المرضى ، والبيوت على رؤوس ساكنيها  العزل ..!! لماذا لم نسمع كلمة إدانة من "أبو مازن" لجرائم العدو الصهيوني بحق أبناء شعبه ..؟!

أكثر من ثلاثة آلاف شهيد ، وأكثر من خمسين ألف جريح من بينهم خمسة آلاف معاق إلى الأبد ، وأكثر من عشرة آلاف أسير ومعتقل ..!! هل سمعتم يومـًا أن "أبا مازن" ذهب لتعزية عائلة شهيد ، أو لزيارة عائلة جريح أو معتقل ..؟!

في نفس اليوم الذي كان فيه "أبو مازن" يتلقى التهاني بعد تصديق المجلس التشريعي على وزارته قام العدو الإسرائيلي باغتيال المناضل نضال سلامة عضو اللجنة المركزية الفرعية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مدينة خانيونس ، واغتيال محمود صلاح قائد كتائب شهداء الأقصى في بيت لحم ومساعده عدنان الجواريش .

في اليوم التالي وفي الوقت الذي كان "أبو مازن" يتسلم نص خريطة الطريق ارتكب العدو الإسرائيلي مذبحة حي الشجاعية في مدينة غزة التي سقط فيها خمسة عشر شهيدًا من بينهم طفل رضيع وثلاثة أشقاء هم القائد  في كتائب القسام يوسف خالد أبو هين وشقيقاه محمود وأيمن ، والشهيد الأديب والشاعر رامي سعد .

ولم تمض أيام قليلة حتى قامت طائرات العدو الإسرائيلي باغتيال إياد عيسى البيك أحد كوادر القسام في غزة ، واستمر مسلسل الاغتيالات الذي طال عشرات الكوادر حتى هذه اللحظة ، ولم يصدر "أبو مازن" كرئيس وزراء أو وزير داخلية أي كلمة استـنكار ضد هذه الاغتيالات ، أو كلمة تعزية لعائلات الشهداء ..!!

(مجرم الحرب أرييل شارون علق على حملة الاغتيالات التي طالت البشر والحجر والهواء الفلسطيني بالقول : "إنه يسهل الأمر على أبو مازن في محاربته للإرهاب الفلسطيني والقضاء على نشطاء الانتفاضة" ..!!) .

بدلا من ذلك أخذ "أبو مازن" يطلق التصريحات التي تثير البلبلة في عقول الكثيرين من المتابعين لمسيرة جهاد ونضال الشعب الفلسطيني ، من اتهام الانتفاضة بالعسكرة التي أدت إلى تدمير كل ما بنته السلطة الفلسطينية .! والمطالبة بإنهاء الانتفاضة وتجريد الفلسطينيين من السلاح المقاوم ، إلى اتهام فلسطينيي عام 1948م بإفشال الانتفاضة وإسقاط حق عودة اللاجئين إلى ديارهم .! ، واتهامهم أيضـًا بالمسئولية عن مقتل شهدائهم الثلاثة عشر الذين سقطوا في انتفاضة القدس والأقصى في شهر أكتوبر عام 2000م ..!!  

إن السياسة التصعيدية الخطيرة والحرب العدوانية التي يشنها الكيان الإسرائيلي بجميع شرائحه وأحزابه بقيادة مجرم الحرب " شارون " على الشعب الفلسطيني منذ بداية إنتفاضة الأقصى المباركة ، والتي إزدادت خطورة بعد تولي "أبو مازن" الوزارة ، تمثلت في عدوان إرهابي غادر على مدن ومخيمات قطاع غزة من رفح جنوبـًا حتى بيت حانون شمالا ، لم تكن تتم لولا هذه الأصوات التي تصدر من بعض القيادات المتـنفذة والنخب السياسية الفلسطينية التي أعطت المبرر تلو الآخر للعدوان الصهيوني ، تارة بإصدار البيانات التي تشوه تاريخ نضال وجهاد الشعب الفلسطيني من إدانة المقاومة ووصفها بالإرهاب مرورًا بتحريم العمليات الاستشهادية وإطلاق صفة القتلى على منفذيها بزعم أن ضحاياها من المدنيين الأبرياء ، إلى تصفية حق العودة للاجئين الفلسطينيين ، وتارة أخرى بالتصريحات التي تحاول دق إسفين بين فصائل المقاومة الفلسطينية لجر الشعب الفلسطيني إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر ..!!

  ففي ضوء الحملة الأمريكية- الإسرائيلية على الرئيس ياسر عرفات والتي فرضت في النهاية "أبو مازن" رئيسـًا للوزراء ، للقضاء على الانتفاضة ونزع سلاح المقاومة ، يمكن القول أن قرار العدو الإسرائيلي شن حرب الإبادة على الفلسطينيين ، وتحميل الرئيس ياسر عرفات مسؤولية  الإخفاق الأمني الإسرائيلي ، ووزر أية عمليات إستشهادية داخل الكيان الإسرائيلي أو في الأراضي الفلسطينية التي لم تـنسحب منها إسرائيل بعد ، ليس قرارًا إسرائيليـًا فقط ، ولكنه قرار أمريكي- إسرائيلي- أوروبي- عربي- فلسطيني مشترك ..!!

  وتناسى هذا الحلف الغريب أن الآلة العسكرية الإسرائيلية الجبارة  التي أخفقت في توفير هذا الأمن المفقود لنفسها طوال عقود سابقة ، لن يستطيع "أبو مازن" أن ينجح فيما أخفقت فيه إسرائيل .؟!

  إن الإخفاق الأمني الإسرائيلي مصدره الحقيقي ليس قصورًا في آليات القمع الإسرائيلية أو في أجهزة جمع المعلومات ، لكن سببه الحقيقي هو أن الجانب الإسرائيلي راح يعالج الأعراض تاركـًا الأمراض ، فهو يتعامل مع العنف مهملا أسبابه عن عمد ، وهو يغض الطرف عن إرهاب الدولة الإسرائيلي المنظم للشعب الفلسطيني ناسيـًا أن لكل فعل رد فعل مساويـًا له في المقدار ومضادًا له في الإتجاه ، وأن سلام " تغييب الحقائق" لن يغيب عنه سوى" السلام " ، وأن سلام " لوي العنق"  الذي يحاولون فرضه على الفلسطينيين ليس " سلامـًا " بأي حال ، بل هو شبيه بـ " سلام فرساي " الذي لم يكن سوى مقدمة ضرورية للحرب العالمية الثانية ..!!

  لماذا يتجاهل الذين يطالبون "أبو مازن" بالقضاء على الإرهاب الفلسطيني المتمثل بالانتفاضة ، أن اليهود هم الذين أدخلوا الإرهاب إلى منطقة الشرق الأوسط منذ الأيام الأولى التي وصلوا فيها إلى فلسطين ؟! ، والجرائم التي إرتكبوها قبل وبعد وخلال إقامة الكيان "الإسرائيلي" والتي شملت ذبح سكان قرى بأكملها والتي لم تنته إلى اليوم والغد شاهدة على ذلك ، ولا يكاد يمر يوم دون أن نسمع أو نشاهد عمليات قتل جديدة ، ومع ذلك لا يتحدثون إلا عن " إرهاب " تواجهه الدولة العبرية في حين أنها تواصل إرتكاب أبشع أنواع الإرهاب وهو "إرهاب الدولة "..!!

إن مطالبة "أبو مازن" بالقضاء على المقاومة الفلسطينية كجائزة ترضية للعدو "الإسرائيلي" ليست إلا نوعـًا جديدًا من الابتـزاز والضغوط التي تمارسه "عصابات المافيا " والتي يحاول بها شارون إرضاء " عصابة القتلة " التي يرأسها ..!!

  إن العمليات الإستشهادية الأخيرة في الخليل والقدس والعفولة هي عمليات مقاومة مشروعة ردًا على الإرهاب الإسرائيلي ، وهي  ثمار سياسة "إسرائيلية" استرخصت الدم الفلسطيني ، فأبى الفلسطينيون في المقابل إلا أن يسترخصوا دماءهم من أجل الحفاظ على كرامتهم وعزتهم وشعبهم ، وليثبتوا لعدوهم أن روح المواطن الفلسطيني ليست أقل أهمية من المواطن الإسرائيلي ، وأن الدم الإسرائيلي ليس بأغلى أو أعز من الدم الفلسطيني ، وإذا كان شارون يستمتع بقتل الأطفال والنساء والشيوخ والشباب بهذه الصورة المأساوية اليومية التي يشاهدها العالم ، فليستعد إلى دفع الثمن أكثر وأكثر ..!! 

  إن أبطال العمليات الإستشهادية الذين فجروا أنفسهم في الخليل والقدس والعفولة وفي كل المدن الفلسطينية المحتلة ليسوا كارهين للحياة ، ولكنهم كارهون للظلم.!

  وليسوا راغبين في القتل ، ولكنهم هم القتلى وقد اغتالهم الإجرام والظلم والغطرسة والإضطهاد الإسرائيلي ..!!

  فعلى مدار اثنين وثلاثين شهرًا شاهد العالم صورًا حية تبث يوميـًا من الأراضي الفلسطينية ، ليست من وحي الخيال ولا رسمـًا خياليـًا :

  يتصاعد الدخان .. القصف لا يهدأ .. سيارات الإسعاف تجوب الشوارع .. ومدفعية الإحتلال وطيرانه وبوارجه الحربية تمطر سيلا من القذائف على المدنيين في المنازل والمدارس ..!!

و" الحصاد " : شهداء وجرحى ومعوقين  جدد ينضمون إلى قافلة من سبقهم ، ودمار وخراب هنا وهناك .

  لا القصف يهدأ ، ولا النزف يتوقف ..!! 

    عشرات المركبات التي تجرها الحمير محملة بالركاب من كبار السن والمرضى والنساء الحوامل والأطفال والبضائع في طرق ترابية موحلة بدلا من الطرق التي أغلقتها قوات الإحتلال بهدف تمزيق أوصال التجمعات الفلسطينية في سياسة "إسرائيلية" أعادت الفلسطينيين - والعالم في القرن الواحد والعشرين- إلى الحياة البدائية وعصر الدواب ..!! واحتجاز المرضى لساعات طويلة على الحواجز ووفاة العديد منهم أمام أعين جنود الإحتلال ، وعمليات القتل عند هذه الحواجز التي أصبحت سياسة رسمية إسرائيلية ..!!

   لم نسمع كلمة إدانة واحدة من منظمات حقوق الإنسان التي تتكاثر يوميـًا في أروقة المخابرات الغربية عن هذا الوضع المزري ، ولا كلمة استنكار من جماعة ( السلام الآن ) الإسرائيلية تشجب هذه الممارسات ..!!

  وكأن الجميع قد اتفق على أن كلمات الاستنكار والشجب والإدانة هي (صناعة عربية ) ..!!

 يقف مئات الفلسطينيين ، بل الآلاف ، عند " معابر الذل " ، ينتظرون أن يمن عليهم الإسرائيلي بتصاريح دخول إلى النعيم ، للعمل في " جنة " الاحتلال .

  ينتظرون وينتظرون ، والإسرائيلي يدقق ويدقق ، في وجوههم ، في أحجامهم ، في ملابسهم ، في نبض قلوبهم ، في مسام جلودهم ، وفي عروقهم والشرايين ..!!

  ويستمر الإذلال .. ويطول ، وطبعـًا خارج " حفلات " القتل اليومي التي يستمر عرضها بـ" نجاح " منقطع النظير ..!!

  إنه جزء من الواقع الذي تعودناه ، بل أدمناه إلى حد إفتقاد الشعور والإحساس بآلامه وأثقاله .!

لا شك أن الفلسطينيين يدركون جيدًا حجم الضغوط التي تحاول إسرائيل أن تفرضها عليهم ، ويدركون أيضـًا شرعية المقاومة في ممارسة حقوقها وواجباتها ، تلك الحقوق التي كفلتها كل الأنظمة والشرائع وهي حقوق تولدت من معاناة طويلة لآثار احتلال طارد زعماء وقادة وكوادر المقاومة وقتلهم جهارًا ونهارًا ، وانتقل بكل هذه الجرائم من صف الدولة إلى صف العصابة .

  إن الشعب الفلسطيني هو شعب النضال والتضحيات ، لم يهن ولم يستسلم منذ أكثر من قرن من الزمن ، ولم يتوقف شلال الدم على أرض فلسطين ، وعلى الرغم من كل التسويات والانهيارات والوثائق والخرائط والتفاهمات ، كان الشعب الفلسطيني يخرج دائمـًا من تحت الأنقاض كطائر الفينيق فيعيد الروح ليس فقط إلى الانتفاضة بل وإلى كل الأمة العربية وإلى كل الشعوب المحبة للسلام والعدالة ..

  لقد استخدم الشعب الفلسطيني كل أشكال ووسائل النضال المعروفة وغير المعروفة ، حتى تلك التي لا يتخيلها بشر .. من وفود إلى المحافل الدولية ، إلى جمعيات إسلامية مسيحية ، إلى إضراب واعتصام ، إلى عصيان مدني دام ستة أشهر ( 1936) ، إلى التسلل الفردي عبر الحدود لرؤية القرية والبيارة والمنـزل ، إلى طعن بالسكاكين ، إلى بيع حلي الزوجة لشراء بندقية ، إلى كفاح مسلح لم يعرف العالم له مثيلا ، إلى حرب الجيوش النظامية على الحدود ، إلى العمليات الإستشهادية ، إلى .. وإلى .. الإنتفاضة حيث الحجارة هي السلاح ، والطفل داوود يواجه الوحش متسلحـًا بالمقلاع.. ولا يوجد قوة في العالم تستطيع أن تـنزع من هذا الشعب حقه في الحياة الحرة الكريمة فوق أرضه .

 المهم أن لا تضيع الإنجازات والتضحيات تحت شعار تطبيق "خطيئة الطريق" والتي أحد أهدافها هو تدمير البقية الباقية من الحلم الفلسطيني ، ولنتذكر مقولة الشهيد خليل الوزير "أبو جهاد" الذي نفتقده كثيرًا هذه الأيام : ( إن الإنسان لا يموت إلا حين يموت حلمه ) ، فلنعمل جميعـًا على إبقاء الحلم حيـًا في عيون الأجيال القادمة .. في عيون أطفال الحجارة ..أبطال النصر ، رجال الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، لأن هذا الحلم يلخص كل القيم الإنسانية في العدالة والحرية والاستقلال.