|
ليس الحديث عن حقوق
الشعب العربي الفلسطيني جديدًا ، فالقضية مطروحة منذ غزا الاستعمار
الغربي الأرض العربية ، و منذ بدأت الصهيونية تـنفّذ مخطّطاتها على أرض
فلسطين ، إلا أن الجديد في هذا الحديث هو أنه يأخذ ضمن الأوضاع الراهنة
الرديئة بعدًا سلبيـًا خطيرًا ، يهدف إلى تفريغ مفهوم شعب فلسطين من
محتواه و معناه الحقيقي .
و من هنا فإن ما
يستجدّ اليوم من أحاديث عن حقوق شعب فلسطين و في هذه المرحلة بالذات ،
إنما هو في الحقيقة حديث عن الانـتقاص من حقوق شعب فلسطين ، خصوصـًا لدى
الإدارة الأمريكية و حكومة العدو الصهيوني .
ما دعانا إلى الكلام
السابق خطاب محمود عباس"أبو مازن" رئيس الوزراء الفلسطيني ، و "عرّاب
أوسلو" في قمة العقبة يوم الأربعاء 5 يونيو 2003م الذي وصف فيه جهاد
الشعب الفلسطيني ضد أشرس غزوة استعمارية استيطانية صهيونية عنصرية
استهدفته بالإرهاب ، و أن الفلسطينيين السبب في معاناة اليهود .. !!
و تـناسى أبو مازن
أيتامنا و أراملنا و ثكلانا و أسرانا و معتقلينا و مشرّدينا و مخيماتـنا
المدمّرة ، بفعل الآلة العسكرية الصهيونية .
لقد أكّد أبو مازن
في خطابه المشؤوم تنازله عن أرض فلسطين التاريخية و ذلك باعتراف واضحٍ و
صريحٍ بدولة (إسرائيل) ، فلم يتطرّق لقضية اللاجئين الفلسطينيين ، و
القدس و الاستيطان ، و السيادة ، بل كان همه الوحيد إعلان الحرب على
المقاومة الفلسطينية المشروعة ! ..
لقد أكّد محمود عباس
في خطابه أنه لا زال سادرًا في غي مسيرته و نهجه رغم كلّ ما أفرزته
السنوات العشر الماضية من مصائب و كوارث ، حيث الانفصام الكامل و عدم
التمييز بين الحقيقة و الوهم .. !!
فهل من المعقول أن
يصدر عن أبو مازن ما لم يعد يصدر عن كثير من قادة العدو الصهيوني حول
الشعب الفلسطيني و انتفاضته المباركة .. ؟!
ما الذي جعل أبو
مازن ينحى هذا المنحى في تصريحاته و مواقفه الانهزامية التي أثارت
البلبلة في عقول الكثيرين من المتابعين لمسيرة جهاد و نضال الشعب
الفلسطيني ؟! ..
من أين جاءت لهذا
الرجل الجرأة على تحميل شعبه نتائج العدوان الصهيوني من حالة الضياع و
الجوع و المعاناة و الحصار التي يعاني منها هذا الشعب ، و هل باتت
الانتفاضة - في نظره - سوءة شعب يرفض الاحتلال و يقاوم الظلم و يواجه
العداون ، و لا بد من تغطيتها أو إزالتها أو حتى نسفها حتى ترضى الإدارة
الأمريكية و الحكومة الصهيونية عنه ؟! .
للإجابة علي هذا
التساؤل السابق يجب علينا العودة إلى السنوات الأخيرة لهذا الرجل الذي
كان حلمه أن يصبح مهندساً لكن ظروفه الاجتماعية و ارتباطه بالثورة
الفلسطينية منذ بدايتها حالت دون تحقيق أمنيته ، و قد تحقّق حلمه بعد
أوسلو .. !! فقد استغل هذا الرجل مفاوضات واشنطن الثنائية ليوجّه وفداً
فلسطينياً آخر ليتفاوض مع الصهاينة و بسريّة تامة في (أوسلو) بالنرويج ،
و لم تمضِ إلا شهور قليلة على بدء التفاوض من خلال القناة الخلفية
للمفاوضات- حتى كان التوقيع بالأحرف الأولى في أوسلو على إعلان المبادئ
الفلسطيني – الصهيوني الذي أسّس للتفاوض بين الجانبين لإنجاز الاتفاق
المرحلي و المؤقّت للحكم الذاتي في قطاع غزة و الضفة الغربية ، و من ثم
تم التوقيع عليه في حفل دولي كبير في 13 سبتمبر (أيلول) عام 1993م في
حديقة البيت الأبيض برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ، و قد وقّع
الاتفاق عن الجانب الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) و قد أطلق عليه
"مهندس اتفاق أوسلو" ، و عن الجانب الصهيوني شيمون بيريز .
بعد التوقيع قال أبو
مازن إنه حقّق شيئاً مهماً في حياته بإنجاز هذا الاتفاق حيث إن لقّب
(مهندس الاتفاق) يثير فيه الشعور بالاستمتاع في تحقيق حلمه أن يكون
مهندسـًا ! ..
لقد سلّطت اتفاقية
أوسلو الأضواء على أبي مازن و كشفت النقاب عن خيوط اتصالٍ حاكها منذ
عقدين مع شخصيات يهودية و عسكرية يعتبرها من أنصار السلام . في اجتماع
المجلس المركزي الذي عقد لمناقشة اتفاق "غزة - أريحا أولاً" و التصويت
عليه يومي 10 و 11/أكتوبر/1993م بتونس أعلن أبو مازن بأن "ما تم التوصل
إليه يحمل في بطنه دولة أو تكريساً الاحتلال ، و هذا يتوقّف على أسلوبنا
في التعامل معه ، عقل الثورة غير عقل الدولة ، علينا أن نلبس ثوبـًا
جديدًا" .. !!
و نسي أبو مازن كلّ
أبحاثه عن الصهيونية في غمرة فرحته بالاتفاق الذي وقّعه في واشنطن . !!
و تساءل البعض : أي
مقامرة هذه بنضال شعب لأكثر من قرن تـنتهي إما بدولة هي في حقيقتها
"دويلة" على جزء صغير من الوطن ، و إما بتكريس الاحتلال الصهيوني لفلسطين
كلها ؟! أي شكلٍ يأخذه هذا الثوب الجديد ؟ و أية مفاهيم غذّي بها عقل
الدولة الذي يحلّ محل عقل الثورة ؟! ..
و لم يستمر التساؤل
كثيرًا فقد كان أبو مازن دائب الدعوة إلى الانفراد الفلسطيني في التسوية
بعيدًا عن التـنسيق العربي الذي له رأي سيء فيه ، و إلى التفاهم المباشر
مع العدو الصهيوني و العمل لكسب ثقته كي يعطينا بعض حقوقنا و التعاون من
ثم معه ليكون للدولة الفلسطينية دورها في المنطقة ، و قد طرح مرارًا في
تصريحاته فكرة "كونفدرالية مع (إسرائيل)" .. !
لقد اعتبر أبو مازن
اتفاق أوسلو و ما تبعه من اتفاقيات هو ذروة لانتصار السياسة التي دافع
عنها و مهّد الطريق لنجاحها منذ أن قام بالدعوة إلى كسر المحرّمات و
اختراق (التابوت) الذي يحيط بالكيان الصهيوني ، لذلك فكلّ ما يصدر عنه من
تصريحات و مواقف بعد "أوسلو" تؤكّد أنه من "المؤمنين" حتى النخاع فيما
يقوله ، لدرجة الاعتقاد بأنه من خلال هذا الاتفاق أعطى شعب فلسطين الفرصة
ليقيم دولته المستقلة ، و أنه إذا فشل في ذلك فسيكون الشعب هو المسؤول عن
ذلك .. !!
و اعتبر أن أهمية
أوسلو أنها كرست وجود الشعب الفلسطيني على أرضه و فرضت على أمريكا و
(إسرائيل) الاعتراف به و بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي و
الوحيد لهذا الشعب ! ..
لقد استلب أبو مازن
من شعب فلسطين كلّ جهاده و نضاله و تضحياته ، و حرم شهداءه من شرف
الشهادة ، لأن هؤلاء و ليس اتفاق أوسلو هم الذين كرّسوا بقاء الشعب على
أرضه ، و دافعوا عنه و لا يزالون .
و استمرت محاولات
أبو مازن في ترسيخ المفهوم الصهيوني للسلام ، من وثيقة (بيلين – أبو
مازن) في فبراير 1996م التي تنسف الحد الأدنى من الثوابت و المطالب
الفلسطينية ، فقد فرّطت هذه الوثيقة في القدس ، و وضعت بديلاً لها في
أبوديس ، و أبقت على المستوطنات القائمة و كأنها حق مشروع و مكتسب
للصهاينة ، و ألغت حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين .
بعد مفاوضات واي
بلانتيشن في أكتوبر 1998م تجاهل أبو مازن السجّل المجلّل بالدم و المسكون
بالكراهية و البغض للسفاح آرييل شارون (الذي رفض مصافحة عرفات الملوثة
يده بالدم "الإسرائيلي" .. !!) ، حرص أبو مازن على أن يبيع للفلسطينيين و
العرب (شارون الطيب الذي تغيّر و الذي لم يعد ذلك الرجل الذي عرفناه في
صبرا و شاتيلا ، و أن الرجل عادي و خارج المفاوضات يصبح أقرب إلى الفلاح
منه إلى العسكريّ ، و أنه عَبر - أي شارون - عن تقديره للإنسان
الفلسطيني) .. !!
في نفس اليوم الذي
بشّرنا فيه أبو مازن بولادة جديدة للسفاح شارون - أصدر شارون – الطيب -
نداء للمستوطنين حثّهم فيه على الاستيلاء على المزيد من الأراضي قائلاًً
: (الكل يجب أن يتحرّك .. أن يركض .. أن يسيطر على المزيد من التلال ..
سنوسّع المنطقة .. كل ما نمسك به سيكون ملكنا .. و كل ما نستولي عليه
سينتهي به الأمر في أيدينا .. هذا هو ما سيكون .. و ما يجب أن يكون) .. !
و منذ اندلاع
انتفاضة الأقصى المباركة في 28/9/2000م لم يتوانَ أبو مازن في النيل من
بطولات الشعب الفلسطيني ، حيث أعلن بعد أيام قليلة من انطلاق الانتفاضة
بأنها لن تحقق نصرًا ، بل هي رسالة لـ (الإسرائيليين) بأنهم يجب ألا
يفكّروا بهذه الصورة في رفض تطبيق الشرعية الدولية .
و توالت تصريحاته
الغريبة و التي كانت محاضرته أمام رؤساء اللجان الشعبية في أكتوبر من
العام الماضي في غزة ذروتها ، و التي اتهم فيها أبطال و مجاهدي الانتفاضة
بـالوقوع في الأخطاء من خلال "عسكرة الانتفاضة" من خلال العمليات
الاستشهادية التي دفعت شارون إلى الاستمرار في عدوانه .. !!
و ماذا بعد ؟!!
لقد أوصل الطريق
الذي رسمه عرّاب أوسلو - الذي بشرنا بقيام الدولة الفلسطينية قبل عشر
سنوات - القيادة الفلسطينية إلى أن تتحوّل رهينة لدى العدو الصهيوني ،
ليس أمامها سوى الاستجداء و التوسل للحصول على حقوق شعبها .. !!
و أصبح "سلام
الشجعان" الذي وصفت به اتفاقية أوسلو هو "سلام القبور المفتوحة" لكلّ ما
هو فلسطيني . !
و الآن يعود نفس
العراب ليفرض على شعبه خطيئة جديدة فرضتها الإدارة الأمريكية بالاشتراك
مع العدو الصهيوني تحت مسمى "خريطة الطريق" . !
عبر كلّ التجارب
المُرة التي مر بها شعبنا الفلسطيني خلال العشر سنوات الماضية ، يعود
العقل "التجريبي و الذرائعي" للعمل مرة أخرى في الساحة الفلسطينية . !
هذا العقل لا يجوز
أن يبقى مهيمنـًا على الساحة الفلسطينية على امتداد هذه السنوات الطويلة
المفعمة بالمرارة و الألم و خيبات الأمل المتكررة .
لهذا يجب رفع شعار
محاربة و إسقاط هذا العقل المهيمن على بعض المتـنفّذين في السلطة
الفلسطينية ، و الذي يعتبر أن الجهاد و المقاومة و رفض المحتل هو من
مخلفات الماضي ، بينما المناورة و العمل السياسي و طرح البدائل هو الذي
يعطي النـتائج ! . |