الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عادل أبو هاشم

عودة

 

ماذا بعد "خطيئة الطريق" يا عرّاب أوسلو .. ؟!

 

بقلم / الأستاذ عادل أبو هاشم

  مدير تحرير جريدة الحقائق- لندن

 

ليس الحديث عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني جديدًا ، فالقضية مطروحة منذ غزا الاستعمار الغربي الأرض العربية ، و منذ بدأت الصهيونية تـنفّذ مخطّطاتها على أرض فلسطين ، إلا أن الجديد في هذا الحديث هو أنه يأخذ ضمن الأوضاع الراهنة الرديئة بعدًا سلبيـًا خطيرًا ، يهدف إلى تفريغ مفهوم شعب فلسطين من محتواه و معناه الحقيقي .

و من هنا فإن ما يستجدّ اليوم من أحاديث عن حقوق شعب فلسطين و في هذه المرحلة بالذات ، إنما هو في الحقيقة حديث عن الانـتقاص من حقوق شعب فلسطين ، خصوصـًا لدى الإدارة الأمريكية و حكومة العدو الصهيوني .

ما دعانا إلى الكلام السابق خطاب محمود عباس"أبو مازن" رئيس الوزراء الفلسطيني ، و "عرّاب أوسلو" في قمة العقبة يوم الأربعاء 5 يونيو 2003م الذي وصف فيه جهاد الشعب الفلسطيني ضد أشرس غزوة استعمارية استيطانية صهيونية عنصرية استهدفته بالإرهاب ، و أن الفلسطينيين السبب في معاناة اليهود .. !!

 و تـناسى أبو مازن أيتامنا و أراملنا و ثكلانا و أسرانا و معتقلينا و مشرّدينا و مخيماتـنا المدمّرة ، بفعل الآلة العسكرية الصهيونية .

لقد أكّد أبو مازن في خطابه المشؤوم تنازله عن أرض فلسطين التاريخية و ذلك باعتراف واضحٍ و صريحٍ بدولة (إسرائيل) ، فلم يتطرّق لقضية اللاجئين الفلسطينيين ، و القدس  و الاستيطان ، و السيادة ، بل كان همه الوحيد إعلان الحرب على المقاومة الفلسطينية المشروعة ! ..

لقد أكّد محمود عباس في خطابه أنه لا زال سادرًا في غي مسيرته و نهجه رغم كلّ ما أفرزته السنوات العشر الماضية من مصائب و كوارث ، حيث الانفصام الكامل و عدم التمييز بين الحقيقة و الوهم .. !!

فهل من المعقول أن يصدر عن أبو مازن ما لم يعد يصدر عن كثير من قادة العدو الصهيوني حول الشعب الفلسطيني و انتفاضته المباركة .. ؟!

ما الذي جعل أبو مازن ينحى هذا المنحى في تصريحاته و مواقفه الانهزامية التي أثارت البلبلة في عقول الكثيرين من المتابعين لمسيرة جهاد و نضال الشعب الفلسطيني ؟! ..

من أين جاءت لهذا الرجل الجرأة على تحميل شعبه نتائج العدوان الصهيوني من حالة الضياع و الجوع و المعاناة و الحصار التي يعاني منها هذا الشعب ، و هل باتت الانتفاضة - في نظره - سوءة شعب يرفض الاحتلال و يقاوم الظلم و يواجه العداون ، و لا بد من تغطيتها أو إزالتها أو حتى نسفها حتى ترضى الإدارة الأمريكية و الحكومة الصهيونية عنه ؟! .

للإجابة علي هذا التساؤل السابق يجب علينا العودة إلى السنوات الأخيرة لهذا الرجل الذي كان حلمه أن يصبح مهندساً لكن ظروفه الاجتماعية و ارتباطه بالثورة الفلسطينية منذ بدايتها حالت دون تحقيق أمنيته ، و قد تحقّق حلمه بعد أوسلو .. !! فقد استغل هذا الرجل مفاوضات واشنطن الثنائية ليوجّه وفداً فلسطينياً آخر ليتفاوض مع الصهاينة و بسريّة تامة في (أوسلو) بالنرويج ، و لم تمضِ إلا شهور قليلة على بدء التفاوض من خلال القناة الخلفية للمفاوضات- حتى كان التوقيع بالأحرف الأولى في أوسلو على إعلان المبادئ الفلسطيني – الصهيوني الذي أسّس للتفاوض بين الجانبين لإنجاز الاتفاق المرحلي و المؤقّت للحكم الذاتي في قطاع غزة و الضفة الغربية ، و من ثم تم التوقيع عليه في حفل دولي كبير في 13 سبتمبر (أيلول) عام 1993م في حديقة البيت الأبيض برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ، و قد وقّع الاتفاق عن الجانب الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) و قد أطلق عليه "مهندس اتفاق أوسلو" ، و عن الجانب الصهيوني شيمون بيريز .

بعد التوقيع قال أبو مازن إنه حقّق شيئاً مهماً في حياته بإنجاز هذا الاتفاق حيث إن لقّب (مهندس الاتفاق) يثير فيه الشعور بالاستمتاع في تحقيق حلمه أن يكون مهندسـًا ! ..

لقد سلّطت اتفاقية أوسلو الأضواء على أبي مازن و كشفت النقاب عن خيوط اتصالٍ حاكها منذ عقدين مع شخصيات يهودية و عسكرية يعتبرها من أنصار السلام . في اجتماع المجلس المركزي الذي عقد لمناقشة اتفاق "غزة - أريحا أولاً" و التصويت عليه يومي 10 و 11/أكتوبر/1993م بتونس أعلن أبو مازن بأن "ما تم التوصل إليه يحمل في بطنه دولة أو تكريساً الاحتلال ، و هذا يتوقّف على أسلوبنا في التعامل معه ، عقل الثورة غير عقل الدولة ، علينا أن نلبس ثوبـًا جديدًا" .. !!

و نسي أبو مازن كلّ أبحاثه عن الصهيونية في غمرة فرحته بالاتفاق الذي وقّعه في واشنطن . !!

و تساءل البعض : أي مقامرة هذه بنضال شعب لأكثر من قرن تـنتهي إما بدولة هي في حقيقتها "دويلة" على جزء صغير من الوطن ، و إما بتكريس الاحتلال الصهيوني لفلسطين كلها ؟! أي شكلٍ يأخذه هذا الثوب الجديد ؟ و أية مفاهيم غذّي بها عقل الدولة الذي يحلّ محل عقل الثورة  ؟! ..

و لم يستمر التساؤل كثيرًا فقد كان أبو مازن دائب الدعوة إلى الانفراد الفلسطيني في التسوية بعيدًا عن التـنسيق العربي الذي له رأي سيء فيه ، و إلى التفاهم المباشر مع العدو الصهيوني و العمل لكسب ثقته كي يعطينا بعض حقوقنا و التعاون من ثم معه ليكون للدولة الفلسطينية دورها في المنطقة ، و قد طرح مرارًا في تصريحاته فكرة "كونفدرالية مع (إسرائيل)" .. !

لقد اعتبر أبو مازن اتفاق أوسلو و ما تبعه من اتفاقيات هو ذروة لانتصار السياسة التي دافع عنها و مهّد الطريق لنجاحها منذ أن قام بالدعوة إلى كسر المحرّمات و اختراق (التابوت) الذي يحيط بالكيان الصهيوني ، لذلك فكلّ ما يصدر عنه من تصريحات و مواقف بعد "أوسلو" تؤكّد أنه من "المؤمنين" حتى النخاع فيما يقوله ، لدرجة الاعتقاد بأنه من خلال هذا الاتفاق أعطى شعب فلسطين الفرصة ليقيم دولته المستقلة ، و أنه إذا فشل في ذلك فسيكون الشعب هو المسؤول عن ذلك .. !!

و اعتبر أن أهمية أوسلو أنها كرست وجود الشعب الفلسطيني على أرضه و فرضت على أمريكا و (إسرائيل) الاعتراف به و بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي و الوحيد لهذا الشعب ! ..

لقد استلب أبو مازن من شعب فلسطين كلّ جهاده و نضاله و تضحياته ، و حرم شهداءه من شرف الشهادة ، لأن هؤلاء و ليس اتفاق أوسلو هم الذين كرّسوا بقاء الشعب على أرضه ، و دافعوا عنه و لا يزالون .

و استمرت محاولات أبو مازن في ترسيخ المفهوم الصهيوني للسلام ، من وثيقة (بيلين – أبو مازن) في فبراير 1996م التي تنسف الحد الأدنى من الثوابت و المطالب الفلسطينية ، فقد فرّطت هذه الوثيقة في القدس ، و وضعت بديلاً لها في أبوديس ، و أبقت على المستوطنات القائمة و كأنها حق مشروع و مكتسب للصهاينة ، و ألغت حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين .

بعد مفاوضات واي بلانتيشن في أكتوبر 1998م تجاهل أبو مازن السجّل المجلّل بالدم و المسكون بالكراهية و البغض للسفاح آرييل شارون (الذي رفض مصافحة عرفات الملوثة يده بالدم "الإسرائيلي" .. !!) ، حرص أبو مازن على أن يبيع للفلسطينيين و العرب (شارون الطيب الذي تغيّر و الذي لم يعد ذلك الرجل الذي عرفناه في صبرا و شاتيلا ، و أن الرجل عادي و خارج المفاوضات يصبح أقرب إلى الفلاح منه إلى العسكريّ ، و أنه عَبر - أي شارون - عن تقديره للإنسان الفلسطيني) .. !!

في نفس اليوم الذي بشّرنا فيه أبو مازن بولادة جديدة للسفاح شارون - أصدر شارون – الطيب - نداء للمستوطنين حثّهم فيه على الاستيلاء على المزيد من الأراضي قائلاًً : (الكل يجب أن يتحرّك .. أن يركض .. أن يسيطر على المزيد من التلال .. سنوسّع المنطقة .. كل ما نمسك به سيكون ملكنا .. و كل ما نستولي عليه سينتهي به الأمر في أيدينا .. هذا هو ما سيكون .. و ما يجب أن يكون) .. !

و منذ اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة في 28/9/2000م لم يتوانَ أبو مازن في النيل من بطولات الشعب الفلسطيني ، حيث أعلن بعد أيام قليلة من انطلاق الانتفاضة بأنها لن تحقق نصرًا ، بل هي رسالة لـ (الإسرائيليين) بأنهم يجب ألا يفكّروا بهذه الصورة في رفض تطبيق الشرعية الدولية .

و توالت تصريحاته الغريبة و التي كانت محاضرته أمام رؤساء اللجان الشعبية في أكتوبر من العام الماضي في غزة ذروتها ، و التي اتهم فيها أبطال و مجاهدي الانتفاضة بـالوقوع في الأخطاء من خلال "عسكرة الانتفاضة" من خلال العمليات الاستشهادية التي دفعت شارون إلى الاستمرار في عدوانه .. !!

و ماذا بعد ؟!!

لقد أوصل الطريق الذي رسمه عرّاب أوسلو - الذي بشرنا بقيام الدولة الفلسطينية قبل عشر سنوات - القيادة الفلسطينية إلى أن تتحوّل رهينة لدى العدو الصهيوني ، ليس أمامها سوى الاستجداء و التوسل للحصول على حقوق شعبها .. !!

و أصبح "سلام الشجعان" الذي وصفت به اتفاقية أوسلو هو "سلام القبور المفتوحة" لكلّ ما هو فلسطيني . !

و الآن يعود نفس العراب ليفرض على شعبه خطيئة جديدة فرضتها الإدارة الأمريكية بالاشتراك مع العدو الصهيوني تحت مسمى "خريطة الطريق" . !

عبر كلّ التجارب المُرة التي مر بها شعبنا الفلسطيني خلال العشر سنوات الماضية ، يعود العقل "التجريبي و الذرائعي" للعمل مرة أخرى في الساحة الفلسطينية . !

هذا العقل لا يجوز أن يبقى مهيمنـًا على الساحة الفلسطينية على امتداد هذه السنوات الطويلة المفعمة بالمرارة و الألم و خيبات الأمل المتكررة .

لهذا يجب رفع شعار محاربة و إسقاط هذا العقل المهيمن على بعض المتـنفّذين في السلطة الفلسطينية ، و الذي يعتبر أن الجهاد و المقاومة و رفض المحتل هو من مخلفات الماضي ، بينما المناورة و العمل السياسي و طرح البدائل هو الذي يعطي النـتائج ! .