الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

ارشيف مقالات محمد ابو عزة

عودة

وتعالوا نضع النقاط إلى الحروف ...!

 

بقلم : الاستاذ محمد أبو عزة

  

مشى السيدان "أحمد قريع" وأرون غاندي" –حفيد المهاتما الكبير- والعشرات من المسؤولين الفلسطينيين طويلا تحت شمس فلسطين المحتلة الساخنة في مسيرة تضامن مع الأسرى والمنتفضين الصائمين الصابرين في المسالخ الصهيونية.

 

لم يرفعوا فوق رأسه ورؤوس أصحابه "الشماسي" البيضاء، ولم يقدموا لهم المرطبات و"السندويشات".. وعلى الرغم من ذلك فإن الركب واصل المسير "المضني" حتى وصل إلى جدار الضم الفظيع، وهناك جاء من قدم لقريع وغاندي "شاكوشا" صغيرا دقا به على الجدار الأصم، في إشارة رمزية إلى المصير الذي سيلاقيه حتما في قابلات الأيام أو الأعوام..

 

كل شيء كان محسوبا بدقة لكي تأتي المسيرة الرمزية في أحسن الحالات "الحضارية" التي تتجنب كل أشكال العنف، خصوصا بوجود "غاندي الصغير" وأرث أمجاد البنوة.

 

والمسيرة التضامنية لم يكن ينقصها إلا "الختيار" الموضوع تحت الإقامة الجبرية في معتقله -الكبير نسبيا- في "المقاطعة برام الله.

 

و"الختيار" السّباق دوما إلى فعل الأشياء الكبيرة، دعا قبل هذه المسيرة بأيام أعضاء اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف واللجنة المركزية لحركة فتح –عمودنا الفقري- والوزراء وأعضاء المجلس التشريعي.. إلى الصيام لمدة يوم واحد تضامناً وتأييداً وتنديداً..

 

بل أنه حرص على سؤال الجميع: هل أنتم صائمون؟!

 

وخص "حنان عشرواي" بالسؤال بما يشبه المزاح في زمان ومكان لا يحتملان المزاح: صايمه يا حنان؟!

 

ولا ندري إذا كانت حنان قد هزت رأسها بالنفي أو الإيجاب.. المهم أنها هزت رأسها، مما جعل "الختيار" يطمئن إلى أن توجيهاته تلقي الاستجابة من الجميع!!

 

كما أمر على شكل اقتراح، أو اقترح بصيغة الأمر، أن يٌقتطع أجر يوم من جميع العاملين في أجهزة السلطة، ليوضع في صندوق الأسرى وبتصرفهم، يستعينون به على شراء الأطعمة والحلويات من "الكناتين" في السجون الصهيونية –إذا سمح السجانون الصهاينة بهذا الترف-..

 

ونٌقلت عن "الختيار" كلمات حارة سمعها أعضاء الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى الذين اجتمعوا به قبل أيام قليلة، عن أسرى الحرية والإباء والكرامة الذين يتعرضون للتنكيل والممارسات اللاإنسانية من إذلال وحرمان وقهر وتجاهل لكل "الاتفاقات" والمواثيق الدولية ..

 

وسمع أعضاء اللجنة بآذانهم التي سيأكلها الدود إشارة "الختيار" بـ "عظمة وصمود وشموخ أبطالنا الأسرى وتلاحمهم وإصرارهم على تحقيق مطالبهم العادلة".

 

ولكن، لا الجدار سقط، ولا الأسرى رأوا استجابة صهيونية لمطالبهم، ناهيك عن نور الحرية الذي لا يعدله نور..

 

لقد قال "الختيار" ورئيس وزارته، وضيفه الهندي.. كلمات طيبات، ولكنها مجرد كلمات في آخر المطاف، لا تسمن ولا تغني من جوع وعطش.

 

وقد لا يحتاج المنتفضون إلى كلمات منصفة، تقال عن انتفاضتهم الباسلة غير المقطوعة عن الانتفاضات التي سبقتها، والتي سجل خلالها الأسرى في المسالخ الصهيونية صمودا أسطوريا مدهشا وعظيما، يتمثل في الصيام تماما ونهائيا عن الطعام والشراب.

 

بل أن أحد الإضرابات أمتد أكثر من أربعين يوما، وهو رقم لم يسجله سجناء "زنده" أو "إيرلندا" الذين طبل وزمر لهم الأدباء والقصاصون والشعراء الغربيون.

 

إن هذا الصمود الأسطوري للمكبلين والمقيدين والمحتجزين، الذين يحاربون بحيواتهم ونبض أفئدتهم وشرايينهم.. يستأهل أكثر من الكلام.. يستأهل دراسة مستأنية واعية، خصوصا من أولئك الذين يرفعون الشعار البائس الخائر المستكين:"إن العين لا تستطيع أن تقاوم المخرز" والضحية يجب أن تستكين للجلاد.."لقد استطاعت العين أن تتصدى للمخرز داخل المسالخ الصهيونية الصغيرة، وفي المسلخ الكبير الذي اسمه فلسطين..

 

استطاعت العين أن تتصدى للمخرز وأن تثلمه مرة بعد مرة، خلافا لكل منطق إلا منطق المقاومة الفلسطينية.

 

انتفاضة الأسرى المكبلين المقيدين في المسالخ الصهيونية الصغيرة تدعو كل الخائرين والمتخاذلين والمترهلين، الذين ينتقلون على الحواجز الصهيونية بسهولة ويسر بفضل بطاقات "VIP" بسياراتهم المصفحة.. إلى دراسة هذا الصمود الأسطوري والتصدي الباسل، الذي يخوضه باقتدار أولئك الأبطال الأسود، أو الأسود الأبطال، خلف القضبان والجدران.

 

وأن يفعلوا ذلك وفي أذهانهم أن هذا الصمود والتصدي سوف يتكرر كثيرا، بل أنه سيظل الحدث اليومي في مسالخ المحتلين، كما كان شأنه في نصف قرن الأوهام الماضي..

 

وهذه الدراسة المستأنية كانت ستجعل السيد أحمد قريع يركز في حديثه مع ممثلي الترويكا الأوروبية على مسألة الأسرى والمعتقلين بدلا من طلب الضمانات للانتخابات البائسة التي ستجري تحت سبطانات الاحتلال وبساطير جنوده ..

إن من الواضح الآن كما في السنوات العشر الماضية، أن قضية الأسرى لا تمثل أولوية في خطاب قيادة السلطة .

 

وترديد مطلب الإفرج عن الأسرى على ألسنة "المفاوضين" بين الحين والآخر، إنما يأتي في سياق إقناع الشارع الفلسطيني بـ "جدية السلطة" ليس إلا، خاصة مع الاضرابات المتوالية عن الطعام التي يعلنها الأبطال في مسالخ العدو، والإضرابات المصاحبة من ذوي الأسرى .

 

لقد قدمت السلطة العديد من التنازلات قبل أوسلو وبعدها، وكان بإمكانها مقايضة بعض هذه التنازلات مثل موضوع الميثاق الوطني الفلسطيني والتعاون الأمني غير العادي.. بموضوع الأسرى.

 

ولكن "السلطة" لا تريد ذلك، بل إنها سعت وتسعى إلى إغلاق ملف الأسرى نهائيا، لأنها تريد ذلك، بل إنها سعت وتسعى إلى إغلاق ملف الأسرى نهائيا، لأنها تريد أن يظل هؤلاء الأبطال خلف القضبان.

 

ولكي لا تندهشوا أو يتظاهر بعضكم بالدهشة لهذا الاستنتاج، يمكن التذكير بأن أكثر من سبعين أو ثمانين بالمائة من المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال هم من نشطاء المعارضة الفلسطينية، خاصة من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي".

 

ولذلك ليس غريبا أن يكون لسان حال قيادة السلطة هو عدم الرغبة في إطلاق سراحهم لما يمكن أن يسببوه لها من متاعب.

 

ولدى "السلطة" هذا المثال الحي الآخير الساطع، أعني انتخابات المحاسبين في قطاع غزة التي أسفرت عن فوز ساحق لقائمة "حماس" في غزة وخان يونس، وهي النتيجة التي اعتبرها بعض غلاة "عمودنا الفقري" رزية الرزايا، أثبتت عجز الأطر القائمة على التحشيد والتكتيل في الحقل النقابي، وعجز السلطة عن مداراة أوراقها السرية، لا سيما التي في مرتبة العورات، وشيخوخة الخيول التي أطلقت في مضمار السباق.

 

وكل هذا "في غير صالح الحركة النضالية العريقة" –حسب التوصيفات-.

 

إذا كانت هذه هي النتيجة مع وجود خمسة أو ستة آلاف كادر نظيف ومجرب ومؤثر في الساحة الفلسطينية خلف القضبان، فكيف يكون الأمر مع خروج هذا الجيش المقاوم إلى ساحة العمل الميداني في قطاع غزة والضفة الغربية..؟!

هذه الحقيقة أدركها الاستئثاريون الفئويون وعشاق التفتيت والتذرير في وقت مبكر، ولذلك لم توضع قضية الأسرى على أجندة المفاوضين الفلسطينيين طوال الأعوام الأربعة السابقة من أوسلو، أو بعد توقيع اتفاق طابا..

 

لم يتعرض مسؤول فلسطيني لقضية الأسرى وتحررهم بالشكل المطلوب، وتم التذرع طيلة الوقت بذريعة واحدة وهي أن الكيان الصهيوني هو الذي رفض الالتزام بما وقع عليه وتعهد به -إشارة إلى الملحق السابع للأتفاق الذي ينص على إطلاق سراح السجناء والموقوفين الفلسطينيين- .

 

وتأتي الاعترافات بتجاهل قضية المعتقلين على لسان "المسؤولين" الذين كانوا على قرب من طواقم المفاوضات، أو ممن اشتركوا في صياغة الاتفاقات أو وقعوا عليها..

 

هؤلاء اعترفوا –تحت وطأة تأنيب الضمير ربما- بأنهم قد تسببوا في استمرار احتجاز آلاف الأسرى حتى الآن، وتحويلهم إلى رهائن في أيدي المحتلين لإستخدامهم كأداة ضغط وابتزاز، من خلال غياب الآلية الواضحة للتعامل مع قضية الأسرى منذ البدء كقضية سياسية لها ارتباطاتها بالاتفاقيات التي تم التوقيع عليها في أوسلو وواشنطن.

 

لقد جاء في اتفاقية أوسلو على رداءتها وفسادها أن جميع الأسرى الذين اعتقلوا وحوكموا على أعمال قاموا بها قبل الثالث عشر من أيلول "سبتمبر" 1993 يجب إطلاق سراحهم فور توقيع الاتفاق . ولكن حدث تراخي متعمد.

 

وبعدها، في اتفاقية القاهرة "غزة-أريحا" الموقعة في الخامس من أيار "مايو" 1994 نصت المادة 20 من تدابير تعزيز الثقة في بندها الأول على الإفراج عن خمسماية أسير فلسطيني من الضفة والقطاع خلال فترة خمسة أسابيع، لكن جرى التراجع عن هذا البند، وتم إجبار من تم الإفراج عنهم بالتوقيع على وثيقة تعهد بالاعتراف بالاتفاقيات الموقعة .

 

وفي اتفاقية "أوسلو" "2" الموقعة في الثامن والعشرين من أيلول "سبتمبر" عام 1995 كان ينبغي الإفراج عن ستة آلاف أسير على مراحل خلال الفترة الانتقالية، لكن دولة الكيان الصهيوني قامت بتجزئة القضية وزادت سياسة الاعتقال على المعابر الحدودية ونقاط التفتيش.

 

وإذن من أجل مصالح شخصية استئثارية، يتجاهل المتجاهلون معاناة الأسرى وآلامهم، وعذابات الأمهات والأخوات والأبناء .. التي لا يخففها كل الكلام المذاع والمعلن أو المسيرات الهادرة أو الهادئة.

 

قضية الأسرى هي قضية الوطن المأسور كله.

 

ولها الأولوية على كل القضايا.

 

ويكفي هذا العبث وتضييع الوقت .