الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

ارشيف مقالات محمد ابو عزة

عودة

 

لم يعد للكولونيل من يناصره..؟!

 

بقلم : الاستاذ محمد أبو عزة

  

لا بأس فيما أظن أن نستفتح بطرفة تناقلتها الصحف السعودية قبل أيام قليلة، ومنطوقها أن مواطنا سعوديا ذهب إلى صحيفة محلية وروى للمحررين فيها بأن ديكاً في مزرعته وضع بيضة أمام عينيه مع أن الديكة لا تبيض.

 

ولتأكيد القصة أبرز البيضة أمام الصحافيين الذين أعجبهم الخبر، فنشروه في صحيفتهم في باب الطرائف.

 

لكن طبيبا بيطريا أخصائيا في الطيور والدجاج رجح أن يكون هذا الطير دجاجة أخذت الصفات الظاهرية للديك فيما تكوينها الداخلي تكوين دجاجة، تبيض وتحضن..

 

وقال الطبيب: في حال وجود قطيع من الدجاج من دون ديك، فمن المحتمل أن تأخذ إحدى الدجاجات الصفات الخارجية للديكة، لكنها لن تصبح ديكا بأي شكل من الأشكال..

 

المخابرات العسكرية الصهيونية أوشكت أن تصرخ: لقد ظنناه ديكا..

 

لقد غشنا؟!

 

قال ذلك "اللواء أهرون زئيفي – فركش" رئيس جهاز "أمان" بطريقة تشبه النعي أمام أعضاء اللجنة البرلمانية الصهيونية لشؤون الأمن والخارجية :" إن خطوة دحلان المعارضة لعرفات فشلت لأنها جاءت في وقت مبكر جدا، ولأن قائد جهاز الأمن الوقائي السابق في قطاع غزة لم يستخدم القوى التي كانت تحت سيطرته كافة، لذلك لم ينجح.. إن طموح دحلان كان أكبر من قدراته.."

 

وهذه من المرات القليلة التي يخرج فيها جهاز "أمان" الصهيوني عن صمته، ويجاهر بالقول أن فلاناً الفلاني الذي كنا نعول على حركته.. أصبح كرتاً محروقا.

 

وخروج جنرال مثل "فركش" عن صمته، وتخلّيه عن حذره المشهور، يشكل مخالفة للتعليمات التي أكد عليها شارون منذ البدء، حين قال لجنرالاته: تحدثوا قليلا، وافعلوا كثيرا.

 

ويتذكر المتابعون الضجة التي أثارها مؤخرا حين تجرأ بعض الوزراء على التحدث للمبعوثين الأمريكان والأوروبيين بأمور لا يحب شارون أن تتفشى أخبارها، وكيف دق على الطاولة وصرخ في وجوه الجميع: أنا وحدي الذي يتحدث، أنا وحدي الذي يقول..

 

لا بد أن اللواء "فركش" كان يشعر بخيبة أمل مرة، لأن "ديكهم" لم ينجح في تخريب البيت والقعود على أطلاله، ولذلك نسي "نصائح" شارون الصارمة.

 

ثم أن كلمة "فركش" هذه إنجليزية فيما أظن، يستخدمها المخرجون السينمائيون والتلفزيونيون عندما ينتهي يوم العمل، وحين يسمعها الممثلون يجمعون أغراضهم ويعودون إلى بيوتهم في انتظار "الأوردر" الجديد..

 

واللواء الصهيوني "فركش" قال الكلمة بصوت عال سمعه أعضاء اللجنة الصهيونية قبل أن يستدرك "إن التقديرات تفيد بأنه ستكون هناك خطوات معارضة أخرى ضد عرفات في المستقبل"

 

إن رئيس جهاز "الأمان" الصهيوني قال بعض الحقيقة وليس كل الحقيقة..

 

الجزء الحقيقي في حديثه أن "دحلان" سقط نهائيا وأصبح كرتا محروقا...

 

وسقوطه فيما أظن يشبه سقوط "طرفة بن العبد" الذي اعترف بتفاهة الحياة التي كان يحياها على الرغم من جزالة أشعاره ومتانتها على حداثة سنه:

 

 

ومازال تشرابي الخمور ولذتي            وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها       
      وأُفردت إفراد البعير المعبّد


"والبعير المعبد" هو الجمل الملطخ بالقطران من أذنيه إلى ذنبه.. لمعالجته من الجرب، والباقي لا يحتاج إلى إفاضة في الشرح.

 

 وما لم يمد عرفات يده لينتشله من الهوة التي تردى فيها، فإن "دحلان" لن تقوم له قائمة في العاشر من آب "أغسطس"القادم، ولا في أي يوم عاشر من قابلات الأيام والأشهر والأعوام.

 

ولكن هناك سابقات كثيرة ترجّح إقدام عرفات على انتشال الذين يسقطون، لأنه يحب أن يختار كيف يسقطون، ومتى..!!

لقد نصب له زعيم مجموعة غاضبة كميناً بسبب تأخر وصول المخصصات".." وأوشك عرفات أن يفقد حياته، لكنه عاد فاسترضى زعيم المجموعة "حسين الهيبي" وأعاده إلى (الحظيرة الفتحاوية) وكأن شيئا لم يكن، ثم تبخر الرجل وكأنه ما كان ..

 

المرجح إذن أن عرفات سوف يسترجع "دحلان"، وسيقرأ على مسامع القريبين نص الحديث الشريف "عليكم بالجماعة؛ إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"

 

وعلى كل فإن اللواء "فركش" لم ينعَ ما وصفه بـ "خطوة دحلان المعارضة" وحسب، وإنما "فاعلية الوسائل العسكرية" وبرنامج رئيس جهاز "الشاباك" –المخابرات الداخلية- "آفي ديختر" الذي عرضه أمام اللجنة البرلمانية نفسها قبل أسبوعين، واعتبر فيه أن "إسرائيل" على وشك القضاء على الإرهاب والوصول إلى قاع البرميل..

 

قال زئيفي "فركش": لا يمكن القضاء على "الإرهاب" الفلسطيني من خلال الوسائل العسكرية فقط، لأن "الإرهاب" بئر من دون قاع..

 

وعلى كل فإن فشل دحلان الذريع لا يعود إلى تجاهل عرفات للأزمة البنيوية والقول بشيء من السخرية: "أزمةْ.. أي أزمةْ" وحسب، وسيكون ظالما كل من لا يعترف بالجهود التي بذلها حكماء وقادة فصائل، عملوا ومازالوا يعملون بتصميم على إنجاز مهمتهم في صمت وانضباط في إطار الحرص على الثوابت والمبادئ، لوضع حد للمأزق أو الأزمة أو أي مسمى آخر.

 

وفي هذا السياق يصبح مفهوما لماذا فقد "دحلان" أعصابه فجأة، وغادرته حصافته "المكتسبة" في المدرسة البريطانية، بسبب تصريح أو تصريحين للأستاذ خالد مشعل، أطلقهما في الوقت المناسب، وقال فيهما بأقل قدر من الكلمات رسالته لأهلنا في قطاع غزة والضفة الغربية.

 

وكانت تلك الكلمات بمثابة رصاصة الرحمة على رأس مشروع البعثرة والتفكيك والاحتراب..

 

لقد وجد "دحلان" نفسه بعدها عاريا من دون  أي غطاء، الكل يتحاماه كما لو كان بعير طرفة المعبد ، ولذلك أخذ يخبط خبط عشواء ويهرف كمن لا يعرف (قطاته) من (لطاته) ويطلق الكلمات السوقية كما تفعل النسوة في قيعان مدننا وأريافنا البسيطة.. سائلا: لماذا لا تتفرغ حماس للانتقام لدم شهيديها الشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي..

 

  كأن الشهيد الإمام الشيخ أحمد ياسين هو شهيد "حماس" فقط وليس شهيد الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية.. كما أعلن علماء الأمة.. وإن واجب كل فلسطيني وعربي ومسلم أن يقتص لدمه الذي سال عند عتبة المسجد في ذلك الفجر الدامي؟!

 

أو أن القائد البارز الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، لم يدفع حياته مرضاة لله دون أي هوى، وضحى كما يضحي كل أبناء شعبنا الشرفاء الذين يواجهون المحن والمجازر، على عكس النفر الذي كان على وشك إغراقنا جميعا في وضع سفيه لا مخرج منه.

 

وعلى أي –ثانية- فإن ما جرى أو ما سيجري –حسب وعد "فركش"- يفرض على القيادة أن تقف قليلا مع الذات، للمراجعة ووضع التصورات، وبث الحركة والرقابة على المؤسسات، أي وضع تصور للقادم من الأيام والسهر على تطبيقه، وتوظيف طاقات "شعب الجبارين"، ووضع كل المقدرات في "خدمة المعركة المصيرية مع العدو" بعد إقامة البنى المناسبة على كل المستويات، دون حسابات فئوية أو جهوية أو استئثارية، أو زرع العدواة والتعامي والنزاع على الصلاحيات .

 

الوضع خطير لكنه ليس يائسا، ووحدها المبادرات الجريئة، والعمل الموحد الأصيل، يمكن أن تخرجنا من هذه الدائرة المغلقة، أو من عنق الزجاجة، وتقودنا إلى السلامة.

 

وإذا كان "الكولونيل" لن يجد من يحادثه اليوم أو غدا –والعنوان مقتبس بتصرف من رواية شهيرة يعرفها المثقفون الذين اعتصموا بالصمت أو ابتلعوا ألسنتهم عندما تكاثر الفلتانون-..

 

إذا كان الأمر هكذا اليوم، فإن عدم الأخذ بقاعدة "ادرءوا الحدود بالشبهات" ستجلب لنا المزيد من الكولونيلات  الذين يتكاثرون في السر والعلن كالوباء بسبب الأمزجة الفاسدة أو ضيق الأفق أوالميل الجامح للفوضى والفلتان، خصوصاً أولئك الذين تستهويهم التجربة المشتركة مع الصهاينة بدافع تصورات هجينة وبالغة الضرر.