الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

ارشيف مقالات محمد ابو عزة

عودة

الفيتو الأمريكي لا يدهشنا

 

بقلم : الاستاذ محمد أبو عزة

  

رفع المندوب الأمريكي الدائم في مجلس الأمن الدولي يده بإشارة "الفيتو" – حق النقض - في وجه مشروع قرارٍ يدعو لوقف الحملة الصهيونية المتواصلة على أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة .

 

مشروع القرار أيّدته إحدى عشرة دولة في مجلس الأمن ، و امتنعت ثلاث دول عن التصويت ، و لكن الإدارة الأمريكية رفعت "الفيتو" في وجه المصوّتين و الممتنعين ، مؤذِنةً بتواصل حملة التدمير الصهيوني الأوسع في قطاع غزة ، من بيت حانون إلى رفح ، لتطال كلّ مناطق القطاع ، ملتهمة حتى ساعة رفع "الفيتو الأمريكي" 83 مواطناً فلسطينياً بينهم 20 طفلاًَ ، و جرح و عطب أكثر من 350 مواطناً ، و هدم مئات المنازل .

 

و هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها المندوب الأمريكي في مجلس الأمن و الأمم المتحدة حقّ النقض ضد قرارٍ عربي ، لا يقدّم في الحقيقة كثيراً أو قليلاً للقضية الفلسطينية ، لأنه لن يخرج حتماً من الباب السابع الذي تملك أمريكا مفتاحه .

 

و قيام أمريكا باستخدام حقّ النقض هذه المرة يمثّل – كما في كلّ مرة - اعترافاً رسمياً أمريكياً صريحاً بعداوة الدولة الأمريكية للشعب الفلسطيني و الأمة العربية و الإسلامية .

 

إنه بمثابة "استعراضٍ" طوعي ، تقوم أمريكا من خلاله بين الحين و الآخر بـ "التعرّي" و الكشف عن وجهها اللئيم الصفيق للفلسطينيين و العرب و المسلمين .

 

أما فيما عدا ذلك فإن قضايانا و منذ زمنٍ طويل ترتطم في مجلس الأمن الدولي بالفيتو الأمريكي . و كلما وضع العرب و أصدقاؤهم من ممثّلي شعوب العالم مشروع قرارٍ يتعلّق بالحقّ العربي أو بإدانة "إسرائيل" ، أو فرض عقوباتٍ عليها ، وجد هذا المشروع نفسه أمام حاجز الفيتو الأمريكي .

 

و في العادة يتولّى "أصدقاؤنا" اللطفاء في أوروبا تخويفنا بهذا الفيتو ، و يطالبوننا – كما فعلت ألمانيا و بريطانيا و رومانيا مؤخّراً - بتدجين و ترويض و تطويع مشاريع القرارات إلى درجةٍ مهينة ، بمساواتها بين الفلسطينيين و الصهاينة ، ليأتي القرار – حسب زعمهم - "متوازناً" – وفق المواصفات الأمريكيّة ، و إلا فإنه سيصطدِم بالفيتو الأمريكي .

 

و ادعاء دولٍِ مثل بريطانيا و ألمانيا بالخوف من الفيتو الأمريكي مسألةٌ مفهومة ، إنها عبارة عن تواطؤ على الفلسطينيين و العرب ، بين أوروبا الغربية و أمريكا و "إسرائيل" في إطارٍ من توزيع الأدوار ، بحيث تبدو أوروبا الغربية بدور الوسيط المحايد ، و لكنه المحايد الذي ليس له إلا مهمة واحدة هي تخويف العرب من الفيتو الأمريكي ..

لماذا تستخدم أمريكا حقّ النقض ضد مشاريع القرارات التي تمسّ "إسرائيل" ؟

 

هل لأن أمريكا تحبّ "إسرائيل" حباً جماً و حسب ؟!

 

كلا !! .. إنه يعني أن الولايات المتحدة تحبّ "إسرائيل" و لكنها تكره الفلسطينيين و العرب إلى درجةٍ و لن تتردّد معها عن استخدام حقّ النقض ضد أيّ قرارٍ يطالب بفرض عقوباتٍ على دولة الكيان الصهيوني ، حتى لو قام هذا الكيان بقتل نصف الشعب الفلسطيني ، و أجبر نصفه الباقي على الرحيل ، و أقدَم على تدمير الأقصى المبارك و قبة الصخرة المشرفة ..

 

لسنا نحكم على أمريكا بهذا انطلاقاً من "بروتوكولات حكماء صهيون" مثلاً ، أو أيّ نصوصٍ مشابهة . إن لدينا نصوصاً مأخوذة من محاضر الكونغرس الأمريكي عام 1922م ، أي قبل إقامة كيان "إسرائيل" بستة و أربعين عاماً ، و قد اخترت منها مقاطعَ من خطابٍ لأحدِ أعضاء الكونغرس في ذلك الحين .

 

قال هذا العضو : "إنني لم أحتمل فكرة وقوع القدس و فلسطين تحت سيطرة المسلمين أو "المحمّديين" – حسب تعبيره - .. إن بقاء القدس و فلسطين المقدّسة عند اليهود في أيدي المسلمين كان يبدو لي و لسنواتٍ طويلة و كأنه لطخة في جبين الحضارة و من الواجب إزالتها" !! ..

 

هذا القول لعضو الكونغرس ، نقلناه بنصّه و فصّه .. إذن وجود العرب في القدس ، أي في الحرم ، لطخة في جبين الحضارة من الواجب إزالتها !! .. و هذا القول الخطير يزداد خطورة إذا عرفنا أن صاحبه لم يكن عضواً عادياً في الكونغرس ، بل هو "هنري كابوت لودج" الذي كان مالئاً الدنيا و شاغلاً الناس في الخمسينيات و الستينيات .

 

و للأجيال الجديدة التي لا تعي تلك الحقبة نقول إن "هنري كابوت لودج" كان مرشّحاً مزمناً للرئاسة الأمريكية ، و لكنها لم تُكتَب له ، تماماً كالسيّد "أدلاي ستفنسون" و "ماك غوفرت" و غيرهم من المتطلّعين إلى البيت الأبيض ..

 

و لكن "لودج" كُتِب له أن يكون مندوبَ أمريكا الدائم في الأمم المتحدة و مجلس الأمن سنواتٍ طوالاً ، تعويضاً له عن فشله في انتخابات الرئاسة الأمريكية .

 

و إذن فإن هذا الموقف الأمريكي الحقود من العرب و حقوقهم ، و من المسلمين و مقدّساتهم ، موقفٌ قديم ، و لكنه ثابتٌ و دائم . أي أن التحالف الاستراتيجي بين أمريكا و (إسرائيل) لا يقتصر على تسليح (إسرائيل) و تمويلها و إمدادها بالطعام ، و حماية إجرامها من المجتمع الدولي .. إلخ ، إن هذا التحالف الاستراتيجي الأمريكي – (الإسرائيلي) يتضمّن أيضاً تدمير القدس الشريف إلى جانب ابتلاع نصف أراضي الضفة الغربية أو ثلاثة أرباعها ، و قتل أبناء الشعب الفلسطيني أو تهجيرهم و تمكين العدوّ من الاحتفاظ بالأرض ، و جرّ العرب – كلّ العرب - إلى الاستسلام اللامشروط ، دون تنازلٍ عن أيّ شيء حتى عن قطاع غزة .

 

لقد تأسّست الأمم المتحدة عام 1945 لتكون قدرةً فاعلة ، لكن الولايات المتحدة التي (تحتضنها) بحكم وجودها في نيويورك ، عملت على تعويدها "الانضباط" ، مثلما يتمّ للحيوان الأعجم حين يروّض للقيام بإطاعة سيده ، يشدّ له اللجام فيقف ، و يلكزه في خاصرته فيمشي ..

 

أمريكا زرعت في رأس المنظمة الدولية جهازاً صغيراً و خطيراً اسمه جهاز "الإخماد" و حوّلتها إلى كائنٍ يمتلك قدرة هائلة على الهضم بحيث يتمكّن من تصفية أيّ قضية ، خصوصاً القضية الفلسطينية .

 

و بذلك ضربت عصفورين بحجرٍ واحد ، فمن جانبٍ توحي ظاهرياً بوجود صحّةٍ قويّةٍ في هذه المنظمة ، و لكن تحت قشرة الصحة الخارجية نكتشف انعدام الإرادة الإيجابية الفاعلة ، بحيث إن المسافة كبيرة بين "سوف نعمل" و بين تفريغ الإرادة بالمعنى الحقيقي .

 

و الولايات المتحدة الأمريكية حريصة على الوجود الصهيوني في فلسطين ، كلّ فلسطين .. ليس في ظلّ هذه الإدارة و حسب ، و إنما منذ ثمانين سنة و نيّف ، و حريصة على تمكين الحكومات الصهيونية المتعاقبة منذ توقّف حرب أكتوبر عام 1973 على استثمار الروح الاستسلامية و اللاوطنية ، و ابتزازِ المتخاذلين و المتواطئين العرب إلى أبعد الحدود الممكنة ، و التصدّي لأيّ قرارٍ أو مشروعٍ قرار يوقِف تمدّد هذا الكيان و توسّعه و عدوانيّته .

 

الوجود الصهيوني في فلسطين – قلب الوطن العربي - شيء متميّز بالنسبة للولايات المتحدة ، و وجود (إسرائيل) قويّة مهيمنة هو رمز استمرار النفوذ الأمريكيّ .

 

إليكم مثلاً ما قاله جورج دبليو بوش في مؤتمر "اللجنة الأمريكية – (الإسرائيلية) للشؤون العامة" (إيباك) في الثامن عشر من مايو الماضي : "أمّتنا أقوى و أكثر أمناً لأن لدينا حليفاً حقيقياً هو (إسرائيل)" !! ..

 

ثم أعلن التزام بلاده بدولة يهودية قويّة قائلاً : "إن (إسرائيل) حرّة و غنيّة و آمنة .. هي من المصلحة القوميّة لهذه الأمة ، و إن الولايات المتحدة ملتزمة بـ (إسرائيل) دولة يهودية حيّة لها كلّ الحقّ في الدفاع عن نفسها" ! ..

 

بقِيَ أن نقول إن من الثوابت ، بل من المقدّسات ، لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة ألا يكون هناك دولة فلسطينية .. و حين يقول رئيس أمريكا - أي رئيس - بحقّ الفلسطينيين في وطن ، فهو لا يعني الحقّ في دولة ، و إذا قال بحقّ الفلسطينيين في أن يكون لديهم دولة ، فإنه يعني الحكم الإداري الذاتي ، و هو ما يسهّل على (إسرائيل) ضمّ الأراضي الفلسطينية قطعةً بعد قطعةٍ إلى الكيان الصهيوني ، عبر بناء الأسوار و الجدران القاضمة ، و بمعركة أو من دون معركة .

 

و فلسفة الإدارات الأمريكية لا تخرُج عن الخط الذي رسمته "غولدا مائير" حين كانت رئيسة للحكومة الصهيونية : "هناك قطعة أرضٍ واحدة يتصارع حولها شعبان .. إما أن تكون لنا أو لهم ، و الصراع بين الشعبيين يجب أن يُحسَم لصالح الشعب اليهوديّ لأن فرصة العيش بهدوءٍ لن تكون متاحة بوجود الشعب الفلسطيني فوق نفس الأرض ، و أيّ تفكيرٍ بتسويةٍ تقوم على أساس وجود الشعبين معاً فوق نفس الأرض ، هو مثل التفكير في وضع الجمر تحت الرماد ، و أنت لا تعرف متى يمكن أن يتّقد" ..

 

و لكلّ ذلك فإن الفيتو الأمريكي الأخير لا يدهشنا ..