|
رفع المندوب الأمريكي
الدائم في مجلس الأمن الدولي يده بإشارة "الفيتو" – حق النقض - في وجه
مشروع قرارٍ يدعو لوقف الحملة الصهيونية المتواصلة على أبناء الشعب
الفلسطيني في قطاع غزة .
مشروع القرار أيّدته
إحدى عشرة دولة في مجلس الأمن ، و امتنعت ثلاث دول عن التصويت ، و لكن
الإدارة الأمريكية رفعت "الفيتو" في وجه المصوّتين و الممتنعين ، مؤذِنةً
بتواصل حملة التدمير الصهيوني الأوسع في قطاع غزة ، من بيت حانون إلى رفح ،
لتطال كلّ مناطق القطاع ، ملتهمة حتى ساعة رفع "الفيتو الأمريكي" 83
مواطناً فلسطينياً بينهم 20 طفلاًَ ، و جرح و عطب أكثر من 350 مواطناً ، و
هدم مئات المنازل .
و هذه ليست المرة
الأولى التي يستخدم فيها المندوب الأمريكي في مجلس الأمن و الأمم المتحدة
حقّ النقض ضد قرارٍ عربي ، لا يقدّم في الحقيقة كثيراً أو قليلاً للقضية
الفلسطينية ، لأنه لن يخرج حتماً من الباب السابع الذي تملك أمريكا مفتاحه
.
و قيام أمريكا
باستخدام حقّ النقض هذه المرة يمثّل – كما في كلّ مرة - اعترافاً رسمياً
أمريكياً صريحاً بعداوة الدولة الأمريكية للشعب الفلسطيني و الأمة العربية
و الإسلامية .
إنه بمثابة "استعراضٍ"
طوعي ، تقوم أمريكا من خلاله بين الحين و الآخر بـ "التعرّي" و الكشف عن
وجهها اللئيم الصفيق للفلسطينيين و العرب و المسلمين .
أما فيما عدا ذلك فإن
قضايانا و منذ زمنٍ طويل ترتطم في مجلس الأمن الدولي بالفيتو الأمريكي . و
كلما وضع العرب و أصدقاؤهم من ممثّلي شعوب العالم مشروع قرارٍ يتعلّق
بالحقّ العربي أو بإدانة "إسرائيل" ، أو فرض عقوباتٍ عليها ، وجد هذا
المشروع نفسه أمام حاجز الفيتو الأمريكي .
و في العادة يتولّى
"أصدقاؤنا" اللطفاء في أوروبا تخويفنا بهذا الفيتو ، و يطالبوننا – كما
فعلت ألمانيا و بريطانيا و رومانيا مؤخّراً - بتدجين و ترويض و تطويع
مشاريع القرارات إلى درجةٍ مهينة ، بمساواتها بين الفلسطينيين و الصهاينة ،
ليأتي القرار – حسب زعمهم - "متوازناً" – وفق المواصفات الأمريكيّة ، و إلا
فإنه سيصطدِم بالفيتو الأمريكي .
و ادعاء دولٍِ مثل
بريطانيا و ألمانيا بالخوف من الفيتو الأمريكي مسألةٌ مفهومة ، إنها عبارة
عن تواطؤ على الفلسطينيين و العرب ، بين أوروبا الغربية و أمريكا و
"إسرائيل" في إطارٍ من توزيع الأدوار ، بحيث تبدو أوروبا الغربية بدور
الوسيط المحايد ، و لكنه المحايد الذي ليس له إلا مهمة واحدة هي تخويف
العرب من الفيتو الأمريكي ..
لماذا تستخدم أمريكا
حقّ النقض ضد مشاريع القرارات التي تمسّ "إسرائيل" ؟
هل لأن أمريكا تحبّ
"إسرائيل" حباً جماً و حسب ؟!
كلا !! .. إنه يعني أن
الولايات المتحدة تحبّ "إسرائيل" و لكنها تكره الفلسطينيين و العرب إلى
درجةٍ و لن تتردّد معها عن استخدام حقّ النقض ضد أيّ قرارٍ يطالب بفرض
عقوباتٍ على دولة الكيان الصهيوني ، حتى لو قام هذا الكيان بقتل نصف الشعب
الفلسطيني ، و أجبر نصفه الباقي على الرحيل ، و أقدَم على تدمير الأقصى
المبارك و قبة الصخرة المشرفة ..
لسنا نحكم على أمريكا
بهذا انطلاقاً من "بروتوكولات حكماء صهيون" مثلاً ، أو أيّ نصوصٍ مشابهة .
إن لدينا نصوصاً مأخوذة من محاضر الكونغرس الأمريكي عام 1922م ، أي قبل
إقامة كيان "إسرائيل" بستة و أربعين عاماً ، و قد اخترت منها مقاطعَ من
خطابٍ لأحدِ أعضاء الكونغرس في ذلك الحين .
قال هذا العضو : "إنني
لم أحتمل فكرة وقوع القدس و فلسطين تحت سيطرة المسلمين أو "المحمّديين" –
حسب تعبيره - .. إن بقاء القدس و فلسطين المقدّسة عند اليهود في أيدي
المسلمين كان يبدو لي و لسنواتٍ طويلة و كأنه لطخة في جبين الحضارة و من
الواجب إزالتها" !! ..
هذا القول لعضو
الكونغرس ، نقلناه بنصّه و فصّه .. إذن وجود العرب في القدس ، أي في الحرم
، لطخة في جبين الحضارة من الواجب إزالتها !! .. و هذا القول الخطير يزداد
خطورة إذا عرفنا أن صاحبه لم يكن عضواً عادياً في الكونغرس ، بل هو "هنري
كابوت لودج" الذي كان مالئاً الدنيا و شاغلاً الناس في الخمسينيات و
الستينيات .
و للأجيال الجديدة
التي لا تعي تلك الحقبة نقول إن "هنري كابوت لودج" كان مرشّحاً مزمناً
للرئاسة الأمريكية ، و لكنها لم تُكتَب له ، تماماً كالسيّد "أدلاي
ستفنسون" و "ماك غوفرت" و غيرهم من المتطلّعين إلى البيت الأبيض ..
و لكن "لودج" كُتِب له
أن يكون مندوبَ أمريكا الدائم في الأمم المتحدة و مجلس الأمن سنواتٍ طوالاً
، تعويضاً له عن فشله في انتخابات الرئاسة الأمريكية .
و إذن فإن هذا الموقف
الأمريكي الحقود من العرب و حقوقهم ، و من المسلمين و مقدّساتهم ، موقفٌ
قديم ، و لكنه ثابتٌ و دائم . أي أن التحالف الاستراتيجي بين أمريكا و
(إسرائيل) لا يقتصر على تسليح (إسرائيل) و تمويلها و إمدادها بالطعام ، و
حماية إجرامها من المجتمع الدولي .. إلخ ، إن هذا التحالف الاستراتيجي
الأمريكي – (الإسرائيلي) يتضمّن أيضاً تدمير القدس الشريف إلى جانب ابتلاع
نصف أراضي الضفة الغربية أو ثلاثة أرباعها ، و قتل أبناء الشعب الفلسطيني
أو تهجيرهم و تمكين العدوّ من الاحتفاظ بالأرض ، و جرّ العرب – كلّ العرب -
إلى الاستسلام اللامشروط ، دون تنازلٍ عن أيّ شيء حتى عن قطاع غزة .
لقد تأسّست الأمم
المتحدة عام 1945 لتكون قدرةً فاعلة ، لكن الولايات المتحدة التي (تحتضنها)
بحكم وجودها في نيويورك ، عملت على تعويدها "الانضباط" ، مثلما يتمّ
للحيوان الأعجم حين يروّض للقيام بإطاعة سيده ، يشدّ له اللجام فيقف ، و
يلكزه في خاصرته فيمشي ..
أمريكا زرعت في رأس
المنظمة الدولية جهازاً صغيراً و خطيراً اسمه جهاز "الإخماد" و حوّلتها إلى
كائنٍ يمتلك قدرة هائلة على الهضم بحيث يتمكّن من تصفية أيّ قضية ، خصوصاً
القضية الفلسطينية .
و بذلك ضربت عصفورين
بحجرٍ واحد ، فمن جانبٍ توحي ظاهرياً بوجود صحّةٍ قويّةٍ في هذه المنظمة ،
و لكن تحت قشرة الصحة الخارجية نكتشف انعدام الإرادة الإيجابية الفاعلة ،
بحيث إن المسافة كبيرة بين "سوف نعمل" و بين تفريغ الإرادة بالمعنى الحقيقي
.
و الولايات المتحدة
الأمريكية حريصة على الوجود الصهيوني في فلسطين ، كلّ فلسطين .. ليس في ظلّ
هذه الإدارة و حسب ، و إنما منذ ثمانين سنة و نيّف ، و حريصة على تمكين
الحكومات الصهيونية المتعاقبة منذ توقّف حرب أكتوبر عام 1973 على استثمار
الروح الاستسلامية و اللاوطنية ، و ابتزازِ المتخاذلين و المتواطئين العرب
إلى أبعد الحدود الممكنة ، و التصدّي لأيّ قرارٍ أو مشروعٍ قرار يوقِف
تمدّد هذا الكيان و توسّعه و عدوانيّته .
الوجود الصهيوني في
فلسطين – قلب الوطن العربي - شيء متميّز بالنسبة للولايات المتحدة ، و وجود
(إسرائيل) قويّة مهيمنة هو رمز استمرار النفوذ الأمريكيّ .
إليكم مثلاً ما قاله
جورج دبليو بوش في مؤتمر "اللجنة الأمريكية – (الإسرائيلية) للشؤون العامة"
(إيباك) في الثامن عشر من مايو الماضي : "أمّتنا أقوى و أكثر أمناً لأن
لدينا حليفاً حقيقياً هو (إسرائيل)" !! ..
ثم أعلن التزام بلاده
بدولة يهودية قويّة قائلاً : "إن (إسرائيل) حرّة و غنيّة و آمنة .. هي من
المصلحة القوميّة لهذه الأمة ، و إن الولايات المتحدة ملتزمة بـ (إسرائيل)
دولة يهودية حيّة لها كلّ الحقّ في الدفاع عن نفسها" ! ..
بقِيَ أن نقول إن من
الثوابت ، بل من المقدّسات ، لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة ألا يكون
هناك دولة فلسطينية .. و حين يقول رئيس أمريكا - أي رئيس - بحقّ
الفلسطينيين في وطن ، فهو لا يعني الحقّ في دولة ، و إذا قال بحقّ
الفلسطينيين في أن يكون لديهم دولة ، فإنه يعني الحكم الإداري الذاتي ، و
هو ما يسهّل على (إسرائيل) ضمّ الأراضي الفلسطينية قطعةً بعد قطعةٍ إلى
الكيان الصهيوني ، عبر بناء الأسوار و الجدران القاضمة ، و بمعركة أو من
دون معركة .
و فلسفة الإدارات
الأمريكية لا تخرُج عن الخط الذي رسمته "غولدا مائير" حين كانت رئيسة
للحكومة الصهيونية : "هناك قطعة أرضٍ واحدة يتصارع حولها شعبان .. إما أن
تكون لنا أو لهم ، و الصراع بين الشعبيين يجب أن يُحسَم لصالح الشعب
اليهوديّ لأن فرصة العيش بهدوءٍ لن تكون متاحة بوجود الشعب الفلسطيني فوق
نفس الأرض ، و أيّ تفكيرٍ بتسويةٍ تقوم على أساس وجود الشعبين معاً فوق نفس
الأرض ، هو مثل التفكير في وضع الجمر تحت الرماد ، و أنت لا تعرف متى يمكن
أن يتّقد" ..
و لكلّ ذلك فإن الفيتو
الأمريكي الأخير لا يدهشنا ..
|